نتنياهو شخص التهديد القادم: السعودية

تسفي برئيل

 

 

هآرتس   23/3/2018

  "عدد من المراسلين الاسرائيليين حرضوا بيبي ضد السعودية، وقالوا إن هناك تهديد نووي سعودي. وبهذا أنا أقول لهم وللشعب اليهودي: هل السعودية هددت في أي يوم جاراتها؟ الجواب هو لا. هل يوجد للسعودية طموحات للتوسع في المنطقة؟ الجواب هو لا. قوموا بقراءة الاخبار جيدا، أيها الشعب الاسرائيلي، شكرا والى اللقاء في المرة القادمة". هذا ما قاله، بلغة عبرية طليقة، لؤي الشريف، مقدم برامج في التلفزيون السعودي ومقرب من البلاط الملكي، في فيلم فيديو قصير اخرجه ونشره في تويتر.

          هذه الحملة الدعائية لا تثير الانطباع لدى حكومة اسرائيل أو اعضاء الكونغرس في واشنطن. فهم بدأوا بحملة اعلامية خاصة بهم هدفها منع الادارة من اعطاء المصادقة للشركات الامريكية باقامة مفاعلات نووية لانتاج الكهرباء في السعودية خوفا من أن ينقلوا اليهم تكنولوجيا من شأنها أن تستخدم كبنية اساسية لانتاج السلاح النووي. هذا الخوف لا يحتاج الى اثبات. هذا جاء من فم محمد بن سلمان، الذي اوضح بصورة لا تقبل التأويل بأنه اذا حصلت ايران على القنبلة النووية فستكون للسعودية قنبلة مثلها. في مقابلة مع الـ "سي.بي.سي" وضع الامير بصورة واضحة معادلة ردع نووي، ليس بين السعودية وايران، بل ايضا بينها وبين الولايات المتحدة: "نحن فقط نريد حقوق متساوية مع الدول الاخرى"، أي، اذا كانت واشنطن تتمسك بالاتفاق النووي مع ايران، الذي يمكنها من تخصيب اليورانيوم بمستوى منخفض، ايضا السعودية تستحق ذلك.

          يوجد للسعودية مقارنة مع ايران، يورانيوم، وهي تريد تخصيبه بنفسها، هذا هو لب الخلاف بين واشنطن والقدس من جهة وبين الرياض من جهة اخرى. حسب المادة 123 من قانون الطاقة الذرية من العام 1954 فان من صلاحية مجلسي الشيوخ مراقبة كل عرض لبيع التكنولوجيا النووية الامريكية لدولة اخرى، وعند الضرورة منع تخصيب اليورانيوم من قبل تلك الدولة. حسب هذه المادة، وقع في 2009 اتفاق لبناء مفاعل نووي مع دولة الامارات. ولكن حسب وجهة نظر نتنياهو هذا غير مُرض. في هذا الشهر شارك نتنياهو رأيه مع اعضاء لجنة الخارجية والامن في مجلس الشيوخ، الذين عدد منهم تبنى موقف اسرائيل. ترامب في المقابل، يدفع نحو المصادقة على اقامة المفاعلات، على ضوء الارباح المتوقعة للشركات الامريكية ومنها "ويستينغ هاوس" التي يوجد احتمال كبير بأن يتم قبول عرضها. اضافة الى ذلك فان ترامب مدين للسعودية التي وقعت قبل بضعة اشهر على اتفاق لشراء سلاح امريكي بأكثر من 35 مليار دولار.

          السعودية اعلنت عن نيتها بناء مفاعلات "لاهداف سلمية"، أي، انتاج الكهرباء والابحاث، كجزء من رؤية ولي العهد للعام 2030. هذا التفسير يستند الى الحاجة الى تنويع مصادر الطاقة في المملكة، وخفض الاعتماد على النفط والاستعداد لليوم الذي سينفد فيه، على خلفية التزايد المتواصل لاستهلاك الكهرباء في السعودية. من اجل ذلك هي تخطط لاقامة 16 مفاعل نووي، وفي المرحلة الاولى 2، كل واحد منهما ينتج 12 16 ألف ميغاواط. معارضو المشروع يقولون إن للسعودية، التي لديها احتياطي النفط الثاني في العالم، لا توجد أي حاجة لهذه المفاعلات. كما أن التوجه العالمي هو الانتقال من الطاقة النووية الى الطاقة الطبيعية التي مصدرها الشمس والرياح التي توجد بوفرة في السعودية. مهما كان الامر فان اقوال محمد بن سلمان تحول هذا الخلاف الى أمر غير ذي صلة.

          سواء كانت السعودية جدية في نواياها أم لا، فان معادلة الردع النووي التي طرحتها تضع واشنطن في معضلة صعبة. اذا رفضت بيع السعودية تكنولوجيا نووية، تستطيع هذه التوجه الى دول اخرى مثل الباكستان، التي توجد لها معها علاقات ممتازة، أو الى الصين أو روسيا. وهذه ليس لديها مشكلة في بيع السعودية تكنولوجيا نووية حتى لابعد مما هو مطلوب لاغراض مدنية. من اجل تعظيم هذا التبرير اوضح عادل جبير أن بلاده فحصت انشاء مفاعلات مع عشر دول على الاقل. وحتى أنها اجرت مفاوضات متقدمة مع الصين. في سيناريو كهذا، يقولون في الادارة الامريكية، سيمنع أي موطيء قدم للولايات المتحدة في الصناعة النووية السعودية، وروسيا أو الصين ستتحولان الى الشريكتين الاستراتيجيتين للمملكة. هذا اضافة الى الارباح الاقتصادية التي ستوفرها المفاعلات.

          من ناحية الولايات المتحدة ثمة مخاطرة اكبر، لأنه خلافا لايران فان السعودية لا يوجد لديها تجربة أو خبراء في بناء المفاعلات أو في انتاج السلاح النووي. هكذا، فان أي دولة عظمى ستفوز بالعطاء سيطلب منها (وستكون مسرورة بذلك) تشغيل المفاعلات وصيانتها. مثال على ذلك المفاعلات التي تمولها وتقيمها وتشغلها روسيا في مصر بالتعاون مع مهندسين مصريين، أو المفاعل الذي سيتم تدشينه في تركيا قريبا بحضور فلادمير بوتين. وخلافا لمصر وتركيا، اللتان توضحان بأنهما لا تطمحان الى الوصول الى الذرة العسكرية، فان السعودية لا تستبعد ذلك.

          هذه الاحتمالية تقلق اسرائيل بشكل كبير، التي تعمل بجدية في المجال الدبلوماسي من اجل اقناع ترامب واعضاء الكونغرس بأنه حتى لو كانت السعودية تعتبر الآن الصديقة المقربة لواشنطن، إلا أنها غير مستقرة، وأن حركات اسلامية راديكالية تحظى فيها بحرية عمل وأن بناء المفاعل سيؤهل جيل من المهندسين والخبراء المحليين، الذين سيمكنهم مستقبلا تطوير مشروع نووي عسكري. السعودية التي استأجرت الخدمات الثمينة لثلاث شركات امريكية من الصف الاول، ستوضح في المقابل أنها اذا ارادت الحصول على السلاح النووي فهي يمكنها شراءه مباشرة عن الرف، وأنها ليست بحاجة الى اعداد خبراء خاصين بها. وزارة الخارجية الامريكية تفهم هذا الادعاء جيدا وتطرحه أمام الرئيس كذريعة للموافقة على بيع تكنولوجيا امريكية للسعودية، وبهذا الزامها بالرقابة الامريكية المتشددة.

          الى حين نضوج ميزان الردع النووي بين السعودية وايران، اذا حدث ذلك، يتوجب على الولايات المتحدة الاتفاق مع الرياض، ليس فقط في موضوع تخصيب اليورانيوم. موضوع مشتعل آخر يقتضي من ترامب اعطاء اجابة مقنعة للكونغرس، هو الرقابة على المفاعلات في السعودية. نموذج الرقابة على ايران يثبت نفسه في الوقت الحالي، على الاقل حسب تقارير الوكالة الدولية للطاقة النووية، وبامكانه أن يستخدم كقاعدة لأي اتفاق مع السعودية. ولكن كما تبين عندما طلبت الوكالة الدولية للطاقة النووية تشديد الرقابة على المشروع النووي العراقي (الذي لم يكن قائما)، وكما يدلل غياب الرقابة على باكستان والهند وكوريا الشمالية واسرائيل، التي لم توقع على اتفاق حظر انتشار السلاح النووي، وكما اثبت ايضا الفشل الاستخباري الاسرائيلي الكامن في التشخيص المتأخر للمفاعل السوري فان الدول تستطيع التقدم الى مراحل خطيرة في تطوير السلاح النووي دون أن يكتشف مراقبي الامم المتحدة أو وكالات الاستخبارات ذلك. السعودية، التي لم توقع على البروتوكول الاضافي لميثاق منع انتشار السلاح النووي، الذي يتضمن اجراءات الرقابة الاكثر صرامة بكثير من الميثاق الاصلي، لن تجد صعوبة في الانتقال من النووي المدني الى النووي العسكري من تحت الرادار.

          السؤال هو هل سيتطور الصراع حول طلب السعودية، وهل ستضطر الولايات المتحدة الى الرد بايجاب من اجل الحفاظ على العلاقة الجيدة بين الدولتين، أو أن توافق السعودية على الاكتفاء ببدائل متواضعة اكثر مثل اتفاق دفاعي متطور مع الولايات المتحدة والتعهد بالدفاع عنها أمام أي تهديد، أيراني أو غيره. ولي العهد يمكث في الوقت الحالي في الولايات المتحدة في زيارة مدتها ثلاثة اسابيع، وستنتهي في وقت قريب من الموعد الذي سيطلب فيه من ترامب الحسم في موضوع الاتفاق مع ايران.

          التناقض يكمن في معارضة السعودية للاتفاق. المملكة التي تطرح الردع أمام ايران كمبرر قوي لحاجتها الى السلاح النووي، يجب عليها كما يبدو تأييده واقناع ترامب بعدم الانسحاب منه. فهو يحيد التهديد النووي الايراني ويمنحها وقت كبير لتطوير برنامج نووي خاص بها دون المخاطرة بحرب اقليمية من شأنها أن تتحول الى حرب عالمية. بعد أن فشلت في اليمن وتلقت ضربات شديدة في سوريا، فهي لا تستطيع السماح لنفسها بحرب كهذه تكون فيها متعلقة باستعداد الولايات المتحدة للقيام بالعمل بدلا منها.

          اسرائيل التي تحث ترامب على الانسحاب من الاتفاق أو أن يدخل عليه تعديلات من المشكوك أن توافق عليها اسرائيل، من شأنها أن تجد نفسها أمام دولتين عظميين نوويتين بدل دولة واحدة ايران التي اعلنت أنها ستجدد برنامجها النووي اذا تم الاخلال بالاتفاق، والسعودية التي تريد الحصول على السلاح النووي بنفسها من اجل ردع ايران المحررة من قيود الاتفاق.