سوريا ليست ايران

 

عاموس هرئيل

 

 

هآرتس 23/3/2018

       الامر لم يقتض اكثر من خمس ساعات من اجل أن يتطور النشر المتأخر للعملية العسكرية الدراماتيكية تدمير المفاعل النووي في سوريا في 2007 الى فصل جديد في المسألة الكبرى التي تحوم فوق اسرائيل في الوقت الحالي: هل بنيامين نتنياهو ملاك أم شيطان؟ شخصية رئيس الحكومة الحالي تثير الآن مشاعر شديدة جدا، من جانب مؤيديه ومعارضيه على حد سواء، حتى أن نقاش تاريخي حول الهجوم الذي حدث قبل اكثر من عقد عندما كان نتنياهو رئيسا للمعارضة، يتم النظر اليه على ضوء التداعيات المتخيلة لمكانته.

 

عدم فهم الحقائق

 

 تطور تبادل الاتهامات فيما بين شخصيات رفيعة المستوى سابقة في جهاز الامن. لسبب ما تموضع الموساد في موقف المتهم بقوله ("كان هناك فشل استخباري")، والاستخبارات العسكرية تموضعت في موقف الدفاع ("المفاعل اكتشف بفضل الاستخبارات الممتازة"). وكأن المسؤولية عن عدم اكتشاف الخطر في سوريا على مدى بضع سنوات لا يتوزع بين الجهازين. في حين أن الحرب على من ينسب له الفضل ومن هو المسؤول عن نجاح العملية، ذكر بالكتاب الجديد لآساف عنبري "الدبابة"، الذي فيه يتجادل بشكل متحمس خمسة من قدامى حرب الاستقلال في مسألة من منهم أطلق النار وأوقف الدبابة السورية في مدخل كيبوتس دغانيا.

 

من عرف ومن لم يعرف

 

          أحد الاسباب التي ادت الى الاكتشاف المتأخر نسبيا للمفاعل في سوريا، قبل حوالي نصف سنة من مهاجمته، وقبل وقت قصير من تشغيله، يتعلق بالسرية الشديدة التي اتبعها الرئيس ورجاله حول التعامل مع المشروع.

اولمرت يقول إنه في اسرائيل كان هناك حوالي 2500 شخص شاركوا في التحضير للقصف، في الاجهزة الامنية وفي المستوى السياسي الذين وقعوا على نماذج "الشركاء في السر" وتعهدوا بعدم نشر المعلومات.

          في المقابل، في سوريا عرف عدد قليل من الاشخاص عن المشروع، وجميعهم كانوا على علاقة مباشرة مع الرئيس. رئيس الاستخبارات في وقت الهجوم، الجنرال احتياط عاموس يادلين، قال أمس في مقابلة مع راديو "كان" إن الاسد لم يطلع تماما عدداً من كبار رجاله الذين لم يعرفوا أي شيء عن المشروع.

          بنظرة الى الوراء، تحليل كشف المعلومات في اسرائيل، كما نشر هذا الاسبوع، يظهر أنه كان هنا دمج ناجح بشكل خاص بين اذرع الاستخبارات التي عملت في مستويات مختلفة: جمع تكنولوجيا بوسائل متعددة، عمليات استخبارية هجومية وعملية بحث وتحليل.

          إن البحث عن دلائل لوجود محتمل لمشروع نووي سوري بدأ بصورة موازية من قبل رجال التحقيق في الاستخبارات العسكرية وفي الموساد، في اعقاب المفاجأة التي أثارها كشف المشروع النووي في ليبيا في كانون الاول 2003.

الاختراق حققه أحد الباحثين في الاستخبارات العسكرية، الذي نشر تحليل مستقل له بمصادقة رؤسائه بعد ثلاث سنوات. المكعب، مبنى المفاعل، تم تشخيصه بفضل تمشيط دقيق لصور الاقمار الصناعية من قبل رجال الاستخبارات العسكرية. والمسدس المدخن، صور المفاعل من الداخل، تم الحصول عليه (حسب التحقيق في مجلة "نيويوركر") بواسطة اقتحام رجال الموساد لغرفة الشخصية السورية الكبيرة، ابراهيم عثمان، في فيينا، وأخذ الصور من حاسوبه. وهذه عملية لم تعلن اسرائيل المسؤولية عنها في أي يوم.

          في العقد الاخير بشكل خاص، زادت اسرائيل استثماراتها الكبيرة في الوسائل وفي الاشخاص، في مجال المخابرات التكنولوجية، في عمليات التنصت، في الاستخبارات التشخيصية والسايبر، الذي تطور الى جهاز كبير بحد ذاته في كل الاجهزة الامنية. هذه المجالات اصبحت تحظى بالتدريج بأفضلية في الموارد مقارنة مع المجالات الاكثر تقليدية مثل الاستخبارات الانسانية التي يتم فيها تشغيل العملاء. داخل الاجهزة الامنية يجري نقاش منذ فترة طويلة حول مسألة تدرج الاولويات الصحيح في الاستثمار في المجالات المختلفة. ايضا على خلفية الجهود البارزة التي يبذلها الاعداء بدءاً بايران وحتى حزب الله وحماس لاخفاء نشاطاتهم عن انظار اسرائيل.

          احدى المسائل الدراماتيكية (والمؤلمة جدا) في تاريخ الاستخبارات الاسرائيلية تتعلق بتشغيل الجاسوس المصري اشرف مروان، صهر الرئيس جمال عبد الناصر ومدير مكتب السادات، والانذار الذي نقله عشية اندلاع حرب يوم الغفران. إن الخلاف حول كيفية التعامل مع الانذار، وهل كان الجاسوس الذي شغله الموساد عميل مزدوج يشغل حتى الآن قدامى رجال المخابرات. ولكن القدرة على الاستعانة بالمعلومات الانسانية (في ظروف نادرة، وحتى في المحيط القريب للزعيم المعادي) بقيت حاسمة. هناك تفاصيل معلومات وتقديرات لا يمكن لأي تكنولوجيا أن تحصل عليها يبدو أن الخلطة الاستخبارية ستستند الى الأبد على فسيفساء مكونة من قدرات متنوعة.