العراق: انتخابات وانشطارات وآمال

كاظم الموسوي

 

 

 تتميز انتخابات هذا العام في العراق عن ما سبقها بتوسع المشاركين فيها، وبحملها طموحات وآمالا اوسع، اعلاميا في الاغلب. اذ تأتي الانتخابات بعد انتصار كبير على الارهاب وهزيمة رأسه المختصر ب"داعش" عسكريا واسكات بؤره المدينية، مما انعكس مباشرة على حجوم القوى السياسية التي تهيمن على صورة الانتخابات وتبرز في صدارة المشهد السياسي. وكذلك بعد تحجيم غرور القيادات السياسية الكردية التي تصرفت بالعراق وكأنها مكلفة بحدوده. الامر الذي وضع الكتل والتحالفات السياسية القائمة أمام مرآتها الداخلية قبل التدخلات الخارجية التي مازالت تلعب دورها في رسم الخرائط ومساعي التأثير والتدبير. ثم يمكن القول عن بروز ظاهرتين جديدتين، الاولى تتمثل بقوى جديدة في المشهد السياسي، والثانية بتمرد بعض القوى على حسابات كثيرة غيرت في المشهد العام.

في كل الاحوال اتسمت الانتخابات بسمات بارزة، أهمها الانشطارات داخل الكتل السابقة والتحالفات الطائفية والاثنية وخروج عن المألوف فيها من أطراف لا يمكن تجاوزها. وهي باقية في المشهد كقوى سياسية اشتركت في خارطة المشهد والعملية السياسية منذ غزو واحتلال العراق عام 2003 مما لا يبشر بتغيير حقيقي، رغم كل ذلك، لا في البرلمان القادم او في التحولات السياسية المنشودة.

 صادق البرلمان الحالي على موعد إجراء الانتخابات التشريعية في 12 أيار/ مايو القادم ووضع التزامات على الحكومة الحالية استنادا إلى مواد دستورية والتنسيق بين الحكومة والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات، كما تسمى رسميا، واشتراط مجلس النواب ب: أولا؛ توفير البيئة الآمنة لإجراء الانتخابات. ثانيا؛ إعادة النازحين لمناطقهم. ثالثا؛ أن يكون التصويت الكترونيا في جميع المناطق من خلال استخدام اجهزة العد والفرز الالكتروني. رابعا؛ أن لا تكون للأحزاب التي تخوض الانتخابات أجنحة مسلحة. خامسا؛ قصر حمل السلاح مدة الدعاية الانتخابية وبعدها إلى غاية نهاية يوم الاقتراع على المؤسسات الرسمية وخصوصا في وزارتي الدفاع والداخلية. سادسا؛ تكثيف أعداد المراقبين المحليين والدوليين والطلب من مؤسسات المجتمع المدني ومن الأمم المتحدة القيام بالإجراءات اللازمة لضمان المشاركة الواسعة في انتخابات حرة نزيهة. سابعا؛ يراقب مجلس النواب ومن خلال لجانه تنفيذ الالتزامات الواردة وتقييمها وتستلم رئاسة المجلس التقارير المتعلقة بذلك. ثامنا؛ ضمان مشاركة جميع المواطنين في الانتخابات من خلال وضع صناديق للنازحين في المحافظات للنزوح الداخلي.

 الالتزامات المقررة من البرلمان للحكومة توضح مستويات منوعة من العلاقات والاتصالات بين السلطتين التشريعية والتنفيذية وبحكم التناقضات والصراعات داخل القوى السياسية المشتركة في السلطتين والتي تفضح حتى في ما تتفق عليه خلفياتها الأيديولوجية وتوافقاتها الخارجية وعكسها في النشاط والفعالية لها في الداخل العراقي. وتكشف سير ومسيرة السنوات الطويلة التي مرت أبعادا ومستويات الوعي السياسي، الوطني والقومي والمصالح العليا للشعب العراقي بمكوناته والوانه وطاقاته وقدراته. وبينت أن تغير الوجوه ملمح يظهر في كل الانتخابات ولكن الخشية من استمرار الأوضاع ذاتها اذا لم تنحدر مع تدهور مركب، خارجي وداخلي، على مختلف الصعد، السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

باقتراب موعد الانتخابات العراقية تتقاسم الآراء فيها وحولها، اراء ترى فيها خطوة افضل من سابقاتها نحو التقدم خارج المحاصصات الطائفية والاثنية السائدة في العملية السياسية التي ركبت عليها منذ عام 2003  واخرى لا ترى اي جديد يسهم في التغيير الفعلي نحو بناء دولة مؤسسات ومواطنة حقيقية واحترام القانون وحقوق الإنسان. فضلا عن توجهات للامتناع في المشاركة فيها والدعوة لمقاطعتها. ولكن ما حصل هذه المرة في الخريطة السياسية الحزبية قد يؤسس لحالة أخرى يمكن التعويل عليها ولو بحدود او بانتظار المؤشرات العملية منها. ورغم اعلان أغلب القوى او التحالفات انها تدخل ببرامج لها في الانتخابات وتتنافس على ضوئها، وما زالت في الواقع غير مكتملة او معلنة عند الجميع. وفي الوقت نفسه ما حصل داخل الخريطة السياسية من انشطارات سيحجم من الكتل والقوى الأكبر وسيفرض عليها البحث عن مخارج لها في التحالفات وهذه الأخيرة تضعها أمام نفسها مرة اخرى، بين العودة إلى المحاصصات او الخروج منها إلى أجواء أرحب لاسيما بعد فترة الانتصار على الارهاب وتحرير المدن التي احتلت ودمرت ونزح سكانها عنها إلى مخيمات ومعسكرات نزوح في مدن أخرى ومناطق ابعد عن ديارها وبيوتها ومسقط رأسها او مرابعها الاولى. وتقدم الظاهرة الجديدة في الساحة السياسية ودورها في المشهد السياسي والصراع الداخلي،  يفرضها قوة مؤثرة في نتائج الانتخابات القادمة، باسمها او بمرادفاتها.

توقع الخارطة السياسية لما بعد الانتخابات يشي بتشكيل صورة ملونة دون مساحات كبيرة لاي من القوى والاحزاب، وتعطي لكل كتلة سياسية وزنها الانتخابي، بمعنى أنها تتقاسم الاعداد بما يجعلها متقاربة او متوازية في ما بينها دون فوز كبير لأي منها. والملاحظ مثلا أن كل كتلة سابقة تشظت الى أقسام متباعدة اكثر مما كانت عليه، ولم تسلم أية قوة منها. فلم تعد تسميات الكتل والتحالفات كما هي عليه، وأخذت أنقساماتها مواقعها في الخارطة والمشهد. التحالف الوطني اصبح موزعا بعناوين عديدة، وحتى الحزب الاساس فيه نزل بقائمتين رسميا، وكذلك حصل في كتل تحالف القوى العراقية او الوطنية او الكردستانية أو التجمعات المدنية والاجتماعية. ولكن ما ميّز  الحملات الجديدة خروج التيار الصدري عن تحالفه السابق وانضمامه او قيادته لتحالف ضم قوى سياسية مختلفة معه سياسيا وفكريا وإعلانه السير معها في قائمة مشتركة جديدة في الخارطة الانتخابية، وهو اول انشطار فعلي او تحول سياسي مشترك خارج المحاصصات والالوان التقليدية. حمل اسم تحالف "سائرون نحو الإصلاح"، بين التيار الصدري وقوى وأحزاب مدنية، منها الحزب الشيوعي العراقي. ولأول مرة في تاريخ الانتخابات العراقية يحصل مثل هذا التحالف، السياسي المعروف بقاعدته الشعبية الواسعة ومشاركته المتواصلة في الاحتجاجات الأسبوعية والمطالبة بالاصلاح العام والأهداف الوطنية العابرة لقاعدة العملية السياسية. واذا فاز هذا التحالف مع القوى والأحزاب القريبة منه سياسيا، والداعية إلى دولة القانون والمواطنة والحقوق الأساسية، فإن قيام كتلة جديدة في خارطة البرلمان قد تلعب دورا في محاولة الإصلاح والتغيير في المشهد السياسي، والضغط لإخراج العملية السياسية الجارية من قيودها المكبلة للتحولات المطلوبة وطنيا وقوميا. ولكن الضغوط الخارجية ودورها في رسم ملامح العملية السياسية تبقى عاملا أساسيا في المشهد السياسي في العراق.