نيجيريا لديها أيضا "شركة نفط وطنية"!

صائب خليل

 

 

يعتمد عادل عبد المهدي وبقية المحتالين الذين حاولوا ترويج قانونهم لـ "شركة النفط الوطنية"، على سذاجة ناشطيهم، فلم يكلف عرابو القانون أنفسهم بأكثر من طرح خطوط عامة، ترسم عالماً وردياً هم "أبطاله" المتفانين لكي "يأخذ الشعب حقه" من النفط ويقضى على سبب الشر والبلاء في بلادهم -"الاقتصاد الريعي" لتتحول الى جنة "اقتصاد ضريبي" سعيدة.

ومما أخبروهم به من قصص الأطفال، أن تحويل النفط الى "شركة" سيكون هو الحل السحري! اما الدليل على ذلك فهو أن "النرويج" و "السعودية" ودول أخرى سعيدة لا اذكرها، قد فعلتها، وانظروا كيف صارت سعيدة!

هذا المنطق لا يختلف ابداً عن منطق ذيول اميركا من أمثال عبد الخالق حسين وعزيز الحاج والكثير من امثالهما من الذين كانوا يريدون اقناع الناس بإبقاء قواعد عسكرية لقوات الاحتلال في ارضنا لكي نتحول الى المانيا واليابان! ألا توجد في المانيا واليابان قواعد أميركية؟ إذن هي السبب في التقدم والرفاه!

هذا كان منطق دعاة القواعد العسكرية الأمريكية، وهو ذات المنطق "المريح" الذي يروج من خلاله عادل عبد المهدي ومن لف لفه، لمشروع تحويل النفط إلى شركة مستقلة عن الدولة وأن نخصص جزء من النفط لصندوق المواطن والأجيال. ومثلما لا داعي لدراسة ظروف وتاريخ المانيا واليابان، فلا داعي لدراسة النرويج وغيرها.

لماذا لم يذكر الثلاثي عبد المهدي وبحر العلوم والجنابي ضمن امثلتهم عن الدول ذات الشركات المتمتعة باستقلالية، نيجيريا مثلا؟ هي أيضا لديها "شركة نفط وطنية" تسمى "شركة البترول الوطنية النيجيرية" (Nigerian National Petroleum Corporation). أنظروا كم تشبه ما يطمح اليه الجماعة: 

نقرأ في موقع الشركة انها شركة مملوكة للحكومة، تأسست عام 1977، واعطيت، مثل شركتنا بالضبط، سلطات ومصالح عملياتية لنقل النفط وتصفيته وحتى تسويقه. وفي عام 1988 أعطيت صفة الشركة التجارية وانيطت بها 12 من الوحدات الاستراتيجية غطت كل اطياف عمليات الصناعة النفطية من تنقيب وإنتاج وتطوير الغاز والتصفية والتوزيع وتصنيع البتروكيمياويات والهندسة والاستثمار التجاري - أي باختصار، كل شيء، كما يريد الجماعة.

كذلك فأن هذه الشركة تمتلك شركات متعددة متخصصة مثل طموح جماعة عادل، فلها:

شركة تطوير النفط النيجيرية،

وشركة الغاز النيجيرية،

وشركة المنتجات والأنابيب والتسويق النيجيرية

وشركة خدمات المعلومات المحدودة

وشركة الهندسة والتقنية النيجيرية المحدودة

وشركة خدمات الهيدروكربونات النيجيرية المحدودة

وشركة كادونا للتصفية والبتروكيمياويات المحدودة

وشركة واري للتصفية والبتروكيمياويات المحدودة

وشركة بورت هاركوت للتصفية المحدودة

وشركة التوزيع (NNPC)

وشركة ديوك للنفط

وهناك تفاصيل أخرى كثيرة مشابهة للوطنية العراقية المزمع تكوينها، تتعلق بمؤسسات الشركة وتعاملها مع وزارة النفط النيجيرية وسياسة مراعاة البيئة وتحديد شروطها (كما ترون في الصورة المرفقة فهناك رعاية عظيمة للبيئة) يمكن لمن يريد ان يتمتع بها ان يقرأ المزيد على رابط الشركة. (1)

كما لاحظتم، إنها شركة تشبه في حجمها وصلاحياتها وطبيعتها المستقلة، ما يطمح إليه الثلاثي المذكور. وأسمها أيضاً جميل، فهي "وطنية"! وهي أيضاً شركة تحصل على أموالها من النفط لتقدمها (بعد استقطاع جزء منها) صدقة للحكومة بعد ذلك، كما تريد شلة الجماعة بالضبط. لكنهم لا يذكروها في امثلتهم! ولو سألتهم لماذا لا يقارنوا معها؟ فسوف يحتج هؤلاء فوراً: "لكن ظروف العراق تختلف عن نيجيريا"! لماذا إذن لم تذكر الظروف عند المقارنة بالنرويج؟ لماذا اعتبرت المقارنة مع النرويج والسعودية صالحة بدون مقارنة ظروفهما مع ظروف العراق؟ والحقيقة أن ظروف العراق أكثر شبها بنيجيريا مما هي بالنرويج. فهنا أيضا لدينا حكومة ضعيفة ينخرها الفساد والمصالح الأجنبية الغربية بشكل خاص، والمحلية والجوار بشكل ثان، ومجتمع محطم ضائع. فلننظر الى نيجيريا فهي المثال المحتمل أكثر بالنسبة لنا.

يخبرنا تقرير للبي بي سي بعنوان "الدم النفطي يقطر من نيجيريا"(2) عن الحالة في نيجيريا فيقول: أولئك الذين يديرون الاحتكارات (النفطية) هم "عرابو" السياسة (أي من يدير السياسة من وراء الستار، هل يفسر هذا حماس فريق عمار الحكيم للشركة؟) وهم يملكون تأثيرا هائلا. و "لو طاردهم الرئيس فسوف يدفعون بالبلد إلى عدم الاستقرار، ويمكنهم ان يقوموا بانقلاب أو إثارة حرب أهلية. إنهم أقوياء وقادرون على اسقاط الدولة". وأن محاولات لتحديد سلطتهم على البلد في الماضي قد فشلت وتوقفت لهذه الأسباب. "إنها صناعة تأتي بـ 60 مليون دولار في اليوم، وهم مستعدون لقتلك وقتلي وقتل أي كان من اجل حمايتها".

"إنهم لا يرون الاستيلاء على النفط كعملية سرقة بل يعتقدون انهم يأخذون حقهم من الشركات والحكومة".. المشكلة أن لا أحد يعرف كم يستخرج من الأرض، ووثائق الشحن يمكن تزويرها بسهولة".

ومثلما تجد اصابع الساسة الامريكان في الشركات العراقية، خاصة في كردستان، فأن الشركة المسيطرة في نيجيريا هي شيفرون التي يرتبط اسمها بالرئيس الأمريكي السابق جورج بوش، ووزيرة خارجيته كونداليزا رايس.

بعد أزمة مالية في شباط 2014، قال رئيس البنك المركزي النيجيري للجنة تحقيقية برلمانية إن شركة النفط الوطنية النيجيرية المملوكة للدولة، قد عجزت عن تحويل المبلغ المطلوب قانوناً (20 مليار دولار) من مبيعات النفط، إلى الخزانة! وكان واضحا أن مبالغ كبيرة منه قد تم تحويلها الى حسابات خاصة. أخبر الرجل نيويورك تايمز: "لقد اختفى كم هائل من الأموال"!!

وهكذا فأن "شركة النفط الوطنية" لم تنقذ نيجيريا من مصيرها ولم تحولها إلى النرويج، ولم تقض على الفوارق الطبقية بل رفعتها إلى مراتب وحشية ولم تقلل الفقر بل أغرقت البلاد فيه، حيث يعيش معظم سكان نيجيريا اليوم دون خط الفقر، على اقل من دولارين في اليوم الواحد، ولا يحصلون من النفط إلا على التلوث والحروب الأهلية!(3)

لم يطرح أحد من قادة هذه المجموعات مثال نيجيريا أو ما يشبهها من الأمثلة المفيدة، ولا سألهم عنها من يتبعهم بالتصفيق والتسبيح، ولعابهم يسيل في انتظار حصتهم من "صندوق المواطن"!

لكن كم هو هذا الصندوق؟ المجموعة المتشوقة له، لم تكلف نفسها بعمليات ضرب وقسمة بسيطة لحساب كمية المال الذي سيأتيها من "صندوق المواطن". لذلك كان سهلا جدا على جبار سند أن يكتب على صفحته يوماً، أن الرقم سيبدأ بـ 150 دولار في العام، ليصبح دولارين في اليوم (700 دولار في العام) ثم ربما تستطيع ان تشتري به سيارة كل عام!

لذلك، لا شك ان خيبتهم كانت هائلة حين اخبرتهم في مناقشة، أن ما سيحصلون عليه لن يزيد عن 36,5 دولار في العام، وربما أقل وأنه لن يكون بلا ثمن!

جبار سند كان حاضراً، ولم يجد جواباً سوى ان يعترف بصحة الحسابات مضيفا، ان "الفكرة من الصندوق فلسفية وليست رقمية"!! لم يبد على أي منهم أنه منزعج حين اكتشف انه سيركب "سيارة فلسفية"!

مع مثل هذا الجمهور "المطيع" يستطيع قائده أن يقول أي شيء دون أن يخشى سؤالاً. فعندما يخبرهم عادل عبد المهدي بأنهم ابطال القضاء على الدولة الريعية "الشريرة" ومؤسسو "دولة الضريبة" الباسلة، فهو أيضاً لم يكن يخشى أن يسأله أحد من أين سيأتي المال إن لم يكن من "ريع النفط"! وكيف يتغير اقتصاد دولة مازال يعتمد كليا على النفط ويتأثر بتغيراته ويكون مهدد بنضوبه كأي اقتصاد ريعي؟

ولا أحد يسأل المهندس جبار سند، الذي طالما عبر عن اشمئزازه من دولة الريع "الكسولة" التي "سنقضي" عليها لنقيم دولة العمل والنشاط والإنتاج: لماذا نحتقر "دولة الريع الكسولة" التي لا تنتج ما تأكل، وتعدنا في نفس الوقت بحماس، بحصتنا من "الريع" يمكننا من "شراء سيارة كل عام"، بدون تعب وبدون أن ننتج ما نأكل؟ لماذا هذا المال حقير للدولة وعظيم لنا؟ وإن كان رمزاً فلسفيا وتربوياً سيئاً، فلماذا تدعونا أن نقبله ونفخر به؟

من الأريح كثيراً جداً، ان لا تطرح الأسئلة، وأن تسبح في عالم الأماني والاحلام. لكنها سعادة قصيرة جداً، فمن الخطر أن تكون ساذجا في عالم شرس. من الخطر أن تكون فيه كسولاً عن ملاحقة الحقائق، عن ملاحظة التناقضات التي تكشف لك النوايا الحقيقية.. عن طرح الأسئلة.

لذلك، لم يكن صعباً على من تعود على طرح الأسئلة، أن يكتشف من أول قراءة له للقانون، عددا مخيفا من التناقضات وعلامات الاستفهام ونقاط الخلل التي لم أذكر هنا سوى عدد محدود منها. أما من لم يتعود السؤال من هؤلاء فلم ير شيئاً، رغم انهم يعيشون مع القانون ويتابعونه لمدة عشرة سنين! ربما اعتمدوا على الثقة بطيبة من يقودهم؟ ربما على علم العدد الكبير من دكاترة الاقتصاد و "خبراء" النفط والنواب والمراجع الذين راجعوهم، واعتبروا أنه لو كان هناك خلل لانتبه هؤلاء له؟ هذا كله لا يكفي، وبالنتيجة فأن هؤلاء الشباب الذين جاءوا بدافع الخير، سقطوا في فخ خبيث متقن، وهم يتحملون مسؤوليته. فالإنسان الناضج المتعلم، يجب ان يبقى فاتحا عينه، خاصة في زمن الثعالب والضباع.

قد نتصور أن "الشر" هو السبب الوحيد في كثرة الخراب في بلدنا. لكن نظرة أخرى تبين لنا أن الطيبة الممزوجة بالسذاجة هي المسؤولة الأولى عن الفساد والخراب في كل مكان، لأن هذه السذاجة هي التي توفر البيئة لنمو الفساد، كما توفر كثرة الفئران، البيئة المناسبة لتكاثر القطط السمان.

 

 (1)  Corporate Info The Nigerian National Petroleum Corporation (NNPC)

 http://nnpcgroup.com/AboutNNPC/Corporateinfo.aspx

 (2)  'Blood oil' dripping from Nigeria

 http://news.bbc.co.uk/2/hi/africa/7519302.stm

(3) Twenty-First-Century Energy Wars

 http://www.informationclearinghouse.info/article39032.htm

 

(1)  Corporate Info The Nigerian National Petroleum Corporation (NNPC)

 http://nnpcgroup.com/AboutNNPC/Corporateinfo.aspx

 (2)  'Blood oil' dripping from Nigeria

 http://news.bbc.co.uk/2/hi/africa/7519302.stm

(3) Twenty-First-Century Energy Wars

 http://www.informationclearinghouse.info/article39032.htm