عادل عبد المهدي يعلن وفاة "صندوق المواطن"

صائب خليل

 

 

29 آذار 2018

في احدى مقالاته الأخيرة، ("إِنوك".. مالكية الشعب، تصحيح العلاقة بهدف التنمية ومحاربة الفقر (1) (1))، كشف د. عادل عبد المهدي عن تراجعه عن فكرة "صندوق المواطن"، وهي الفكرة التي تم التركيز عليها إعلامياً للدعاية لقانون "شركة النفط الوطنية" الذي يبدو أنه أشرف على وضعه. ولعل من يقرأ هذه المقدمة من متابعي الموضوع، سوف يدهش، لأن التراجع تم من ناحية المضمون ولم يبق من الصندوق سوى الاسم.

ويبدو أن كتابة المقالة المذكورة جاء بسبب المناقشات التي كشفت أن المبالغ الموعودة للمواطن من الصندوق كانت غير صحيحة، وان ذلك اثار لغطا كبيرا داخل ما يسمى مجموعة "القوة المجتمعية" مما توجب الرد، بأي شكل كان، فكان الرد مرتبكا.

بدأ د. عادل مقاله بالتأكيد بأن قانون شركة النفط الوطنية لا يخصص 10% للصناديق الأربعة، وإنما يقرر بأن الحكومة ستسلم ما لا يزيد عن 90%، ويؤكد أن الفارق كبير كالفرق بين الزنا والزواج رغم ان كليهما نكاح. مبلغ الصناديق يمكن ان يرتفع إلى 20 أو حتى 30% مستقبلا بخفض حصة الحكومة إلى 80 أو 70%.

لكن المشكلة ان هذا التخفيض لا يتم إلا بالاتفاق مع الحكومة حسب القانون! إذن إلى أن تأت حكومة يمكن أن توافق على خفض ميزانيتها إلى 70%، ومن المتوقع ان يطول هذا كثيراً جدا، وهكذا فأن الزنا سيبقى مساويا للزواج ولا يمكن التفريق بينهما للفترة المنظورة.

بعد ذلك يلمح د. عبد المهدي إلى إمكانية الأخذ من الصناديق الأخرى. وهنا أيضا مشكلة لأن القانون المزمع، وعد بالقضاء على الفقر الشديد وتقليل الفوارق الطبقية ومطلوب منه ان يمنح الأجيال حصتها ويقضي على دولة الريع ليستبدلها بدولة الجباية! ومن السهل ان نحسب ان هذه الصناديق ستحتاج معظم أموالها لوعودها. 

يعود د. عبد المهدي إلى الـ 10% ويعترف بأن المبلغ 39,5 دولار، "لا يسمن ولا يغني من جوع" ...لكنه يضيف: "عندما يعرض بهذا الشكل"! يعني ان المبلغ كاف، لكن المشكلة في طريقة العرض، ويدعونا أن "ننظر بطريقة مختلفة".. طيب. كيف ننظر؟

يدخل د. عبد المهدي في حسابات من جديد، تصل الى نفس النتيجة السابقة بالضبط، لكنه يقف في منتصفها ليقول إنه سيكون لدينا 6 مليار دولار (للصناديق الأربعة) ويضيف: "وهذا بحد ذاته مبلغ غير بسيط، إن اضيف للرعايات والمساعدات"!! هل هي "نظرة جديدة" إلى المبلغ أن نحسب معه "الرعايات والمساعدات" من الحكومة؟ ومتى كان المبشرون بالقانون الجديد يعتمدون على "الرعايات والمساعدات" وهم يعدون المواطن بأن هذا القانون "سيقضي على الفقر الشديد" و"يقلل الفوارق في الدخل"؟ بل أن التقديرات التي قدمت قبل سنة كانت تتحدث عن الحصول على مبالغ تتيح للمواطن شراء سيارة في المستقبل! والآن نفهم ان المواطن سيحتاج إلى "الرعايات والمساعدات" من الحكومة "الريعية" لكي يكون مبلغ "صندوق المواطن" مؤثرا؟ ماذا لو قالت الحكومة: إذا أخذتم الـ 10% لا يبقى عندي شيء للرعاية؟ هل نطلب منها الاقتراض؟

ليس هذا كل شيء، فبعد بضعة أسطر تأتي المفاجأة الكبرى حيث يكتب د. عادل عبد المهدي: أن المستهدفون (من صندوق المواطن) هم 5 مليون مواطن (فقط!) من المحتاجين الى مساعدة عاجلة، وليس كل الشعب!!

فجأة يتحول "صندوق المواطن" الذي وعد دعاة القانون الناس، بأنه سيقرب دخول المواطنين ويزيد المساواة، باعتباره يعطي نفس المبلغ لكل مواطن، وربما سيقربنا من أن نكون "دولة خليجية" (هذا طموح البعض)، أو نقترب من النرويج... فجأة يتحول هذا الصندوق الشديد الطموح، إلى صندوق إعانة فقراء اعتيادي، ومخصص لمن هم بحاجة لدعم عاجل!

الغريب ان الخبر مر مرور الكرام على المعلقين على صفحة د. عادل عبد المهدي ولم يقفز أحد ليسأله لماذا كنتم تخدعونا إذن؟ أين وعودكم؟ وهل على هؤلاء إذن ستكون "الضريبة التصاعدية" التي ستنتشل المجتمع من دولة الريع الاقطاعية إلى دولة الضرائب الحديثة؟ لماذا اسميتموه "صندوق المواطن" وأفهمتم كل المواطنين انه سيكون لهم فيه حصة، وأنها سترفع مستواه؟

د. عادل يدرك طبعاً ان الناس ستسأل عن الوعود، لكن الأرقام لا تساعد. لذلك قام بمناورة غريبة ليعطي المواطن (الذي بحاجة لمساعدة عاجلة) مبلغاً ذو رقم جميل، ثم يحشر كل الوعود الباقية، إنما بدون ارقام. المراوغة الأولى أنه حسب في البداية الـ 10% المخصصة للصناديق الأربعة، كلها لصندوق المواطن بدلا من أربعة صناديق! ثم قسمها على الملايين الخمسة فقط وليس على الشعب العراقي، فحصل الفرد (الفقير) على 100 دولار في الشهر، أو 600 للعائلة من 6 أفراد. لكن ماذا عن الأجيال والتطوير و..؟

الخطوة الثانية من المناورة أن عبد المهدي يعود ليأخذ من نفس هذه الأموال التي أعطاها للفقراء، ليمول بها الضرائب والمشاريع الموعودة، فتحدث عن مشاريع اعمار وخدمات وبنى تحتية وخريجين وزيادة انتاج ودعم العاطلين وقروض مشاريع... جملة حشر فيها كل الأحلام الوردية الموعودة في قانون شركة النفط، ... ولكن ليس فيها رقم واحد! فالأرقام تفضح...

 

هل قال عبد المهدي أنه ألغى باقتراحاته هذه، "صندوق المواطن"؟ لا طبعا لم يقل.. الأسماء يجب ان تبقى لامعة حتى لو تفرغت من معناها. شركة النفط الوطنية يجب ان تحتفظ باسمها العريق حتى لو لم يعد لها علاقة بالشركة السابقة ذات نفس الاسم. و "صندوق المواطن" يجب ان يبقى محافظا على اسمه ذو الوعد الجميل، حتى لو تحول في حقيقته إلى مجرد صندوق إعانة اجتماعية اعتيادي للفقراء! من عادتنا في الشرق ألا نصدم أهل المتوفي بالخبر مباشرة بل نلف وندور حول الموضوع لنخفف عنهم، وهذا ما فعله عبد المهدي مع جمهوره. أهل الميت يفهمون عادة الحقيقة المؤلمة مهما حاول ناقل الخبر أن يخفيه، أما متابعو عبد المهدي فلا توجد علامة أن خبر وفاة حبيبهم الذي هتفوا له سنوات طويلة، قد وصل إليهم بعد.

فكل ما يبدو أنهم تعلموه من "بحث" عبد المهدي هو حكمة تقول: عندما يكون الرقم هزيلا، "لا يسمن ولا يغني من جوع" ... أو عندما يفقد الشكل محتواه ويصير أجوفاً فارغاً.... فكل ما عليك هو أن "تعرضه بطريقة مختلفة"! و (لـ "البحث" بقية!)

 

 (1) عادل عبد المهدي: "إِنوك".. مالكية الشعب، تصحيح العلاقة بهدف التنمية ومحاربة الفقر(1(

 https://www.facebook.com/Adil.Abd.Al.Mahdi1/posts/1867924789938719