الدكتور عبد الحسن زلزلة في ذمة الخلود

سعد ناجي جواد

 

 

فقد العراق والامة العربية قامة علمية ووطنية وعروبية كبيرة هو الدكتور عبد الحسن زلزلة. لقد كان الفقيد من القلائل الذين تمتعوا بمواهب وكفاءات كثيرة وبرع فيها جميعا.

منذ بداية حياته العلمية برز كاقتصادي كفوء وجريء عندما كتب أطروحة لنيل شهادة الدكتوراة في الاقتصاد من الولايات المتحدة (١٩٥٧) حول مساويء ارتباط العراق بمنظومة الاسترليني وسبل الخروج منها، الامر الذي تبنته ثورة ١٤ تموز ١٩٥٨ فيما بعد. وبالتاكيد فان حقيقة ان يكتب طالب بعثة رسالة بهذا الهدف في ظل النظام الملكي الذي كان مرتبطا، بل ومعتمدا بصورة وثيقة على بريطانيا كان أمرا جريئا ويستحق الإعجاب. ثم أكد علو كعبه. في مجال الاقتصاد عندما عين رئيسا لقسم البحوث في البنك المركزي ثم وزيرا للاقتصاد والمالية ومحافظا للبنك المركزي، بصورة متتالية، وكان اول من وضع خطة خمسية للعراق في عام ١٩٦٥، وأخيرا عندما عمل أمينا عاما مساعدا للشؤون الاقتصادية في الجامعة العربية. وفِي مجال عمله هذا ركز جهده على بناء وتمتين اواصر العمل العربي المشترك، و نشر آراءه هذه في كتب وبحوث عديدة.  كما قاده تفكيره الاقتصادي الوطني العروبي الى ان يصل الى نتيجة مفادها ان النموذج الانمائي للراحل جمال عبد الناصر كان من بين النماذج القليلة الشاملة والمتكاملة في العالم الثالث، بل انه كان اقدمها عهدا وأكثرها أصالة في تعبيره عن الإرادة المستقلة والقرار الوطني لنفي التبعية والتحرر من اليات النظام الدولي المستٓغِل ومؤسساته الدولية وشركاته العملاقة التي لا تعير أية أهمية لمصالح الشعوب. ولهذا فهو يخلص الى ان الممارسات الناصرية سبقت المقولات النظرية وبمراحل في ترجمة الاعتماد على الذات بأبعاده الحضارية والسياسية والاقتصادية والوفاء بالاحتياجات الاساسية للجماهير الشعبية ومشاركتها.

كما كان للفقيد حضورا متميزا كدبلوماسي مثل بلاده والعرب في المحافل الدولية. فلقد كان سفيرا ناجحا للعراق في ايران والنمسا وكندا وأخيرا في مصر قبل ان ينتقل الى جامعة الدول العربية. وعن فترة عمله في القاهرة يقول المرحوم الدكتور زلزلة انها كانت من اثرى وانضج فترات عمله الوظيفي حيث سعد فيها بثقة الرئيس الراحل عبد الناصر شخصيا والرابطة الحميمة التي شدته به وباسرته.

الموهبة الاخرى التي امتلكها الدكتور زلزلة هي موهبة قرض الشعر بنوعيه العامودي والحر، ولقد كان لبيئته العائلية وبحكم تنقلها بين الكاظمية في بغداد ثم العمارة في الجنوب والنجف والعودة الى بغداد، وحضوره مع المرحوم والده المجالس الأدبية العديدة، اثر كبير في صقل موهبته هذه التي تمخض عنها نشر دواوين عديدة لعل أشهرها ديوانه (صهيل القوافي). كما ان الذي لا يعرفه الكثيرون في العراق وخارجه ان بعض قصائده الوطنية، التي كان يكتب قسم منها باسم مستعار في ظل النظام الملكي، ألهبت حماس الناس، وادت الى محاكمة الصحف التي نشرتها وغلق قسم منها لفترات مختلفة.

وأخيرا وليس اخرا فان الفقيد لم يغفل حسه وشعوره الوطني والقومي رغم كل اهتماماته الاقتصادية والأدبية، وانما كان دائما يحذر من مخاطر الفرقة العربية والاعتماد على الأجنبي والتنبيه الى الخطر الاسرائيلي الصهيوني. وكان من أوائل من حذّر من المفهوم الجزئي المجزأ فيما يخص الامن القومي العربي والذي يدعو الى احلال المظلة الخارجية محل الذاتية، واستبعاد البعدين التحرري والقومي للامن العربي.الذي لن يقود سوى الى اهدار الثروة النفطية وأمن الاستسلام للكيان الصهيوني. وبسبب مواقفه القومية الثابتة هذه لم يكن أمرا مستغربا ان يتم اختياره عضوا في مجلس أمناء موسسة الدراسات الفلسطينية واستشاريا وباحثا ومحاضرا في مركز دراسات الوحدة العربية.

ظل المرحوم الدكتور عبد الحسن زلزلة ملتزما بمواقفه الثابتة هذه حتى اخر ايّام حياته عندما كان يعيش في شقة متواضعة في كندا بعيدا عن بلده الذي تفنن ولا يزال في طرد ونفي وإستبعاد كفاءاته وعقوله النيرة البناءة، ليعطي مثلا كبيرا اخرا على نوعية الرجال الذي بنوا العراق والذين تساموا وتعالوا على الطائفية والأفكار الضيقة او الفئوية، ولم تمتد يدهم الى السحت الحرام او الى المال العام الذي كانوا يتصرفون به ومعه بامانة وشرف وغيرة وطنية وشخصية.