حول الحصانة السيادية وخطورة قانون شركة النفط الوطنية على الثروة الوطنية

صائب خليل

 

 

30 آذار 2018

تكراراً، يكتشف المواطن أنه في معركة تزداد ضراوة كل يوم، وتتلاشى فيها الثقة كل يوم. وأنه إن أراد ان يحمي نفسه ومصالحه، لا مفر له من القيام بنفسه، بدراسة وفهم نقاط تعود لاختصاصات بعيدة، وأن يبذل الجهد والوقت اللازم لذلك. وهذه المقالة ثمرة لمثل هذا الجهد، وعون لمن يريد أن يبذله.

في هذه المقالة نتحدث عن “الحصانة السيادية” او ما تسمى أيضا “حصانة الدولة”، وهي مبدأ يحمي مصالح دولة ما في دولة أخرى، وبشكل قانوني، يمنع محاكم دولة ما من ممارسة سلطتها القضائية على دولة أخرى أو مؤسساتها. وتعطي قوانين بعض الدول حصانة كاملة للمصالح الأجنبية، وبعضها حصانة محددة. وقد كانت أول معاهدة متعددة الأطراف حول الحصانة السيادية “الاتفاق الأوروبي للحصانة السيادية” 1976.

وكان من ضمن أقوى الاعتراضات التي أثارها معارضو قانون "شركة النفط الوطنية" هو أن الكيان القانوني لتلك المؤسسة، وخاصة التأكيد على استقلاليتها عن الحكومة، يعرضها لخطر حجز أموالها، وهي أموال العراق، لان قانونها ينص على أن النفط ملكية للشركة.

لوبي القانون المذكور أشاروا إلى د. نبيل المرسومي الذي كتب أن تلك اعتراضات انفعالية، وأن "القانون الدولي لا يجيز الحجز على ممتلكات الدولة" والشركات المملوكة للدولة وتلك التي تسهم فيها الدولة بنسبة كبيرة وتؤدي خدمة عامة. حين سألت د. نبيل عن مقولته، أشار الى البروفسور علي الاسدي الذي فشلت في تأمين اتصال به وبجميع من حاولت الاتصال بهم من المختصين.

والحق يقال، ان الفريق المعارض لم يقدم أية نصوص قانونية محددة تبين هذا الخطر. وبدا وكأن الجدل في هذه النقطة قد اختتم عند مقالة الدكتور عادل عبد المهدي المعنونة: "التخويف بالحجز على صادرات شركة النفط الوطنية العراقية – اينوك (1)" (1). وقال فيها أن سلامة الشركة لا تقل باستقلالية الشركة عن الدولة بالضرورة، وأن الدول نفسها ليست محصنة، بل أن الشركات تفضل أحيانا ان تعتبر مستقلة عن الدولة لتفادي الحجوزات الموجهة ضد الدولة أساسا.

وكدليل، قدم د. عادل نصاً لشركة محاماة كبرى، ترجمه بالشكل التالي: "ان اصول واموال الشركات التابعة للدولة تتمتع بنفس حصانات الدولة، من حيث المبدأ على الاقل، حسب القوانين الامريكية."

وقد لفت نظري في هذا النص نقطتين مرتا بدون اهتمام، وهما: أولا أن عبارة "من حيث المبدأ" تعني عادة أن هذا الأمر يحتوي استثناءات مؤثرة في الواقع العملي، وهي نقطة تكفي للتشكيك في قيمة النص. والثانية هي تجاوز عبد المهدي كلمة (almost) في ترجمته، وتعني "تقريبا" حيث جاء في النص:

 (almost exactly the same immunity)

بينما ترجمها عبد المهدي، ربما لسهو: "تتمتع بنفس حصانات الدولة"!

ما هو هذا الفرق؟ وأين لا يطبق "المبدأ"؟ هذا ملخص ما وصلت إليه عن "الحصانة السيادية". 

لقد وجدت كما كبيراً جداً من النصوص القانونية التي تكشف أن الجدل حول "الحصانة السيادية" معقد وشائك. وأن المحاكمات اشبه ما تكون بحلبات الصراع لتحديد التفسير المناسب لكل كلمة ولكل شركة ولكل حالة، ليحكم بعد ذلك ان كانت ستتمتع بالحصانة أم لا. ويأتي جزء من هذا التعقيد من القيمة المالية للقضايا والضغوط التي تصاحبها من جهة، ومن حقيقة كونها تعامل بين دول تختلف من حيث اختيارها للطريقة التي تدير وتنظم بها اقتصادها، من إطلاق يد السوق (مثل الولايات المتحدة)، حتى التي تقوده بقوانين أو بالتدخل المباشر في القطاعات الأساسية (مثل السويد).

السؤال هنا: هل يمكن في هذه الغابة القانونية الحكم مسبقاً أيهما أفضل لنا، الارتباط بالحكومة أم الاستقلال؟ الجواب لحسن الحظ نعم!

فمن الواضح في معظم الحالات ورغم صعوبة إعطاء حكم عام ثابت:

*** أن هناك افضلية أكيدة لتمتع الشركة “بالحصانة السيادية” للدولة عن غيرها ***

ويتبين ذلك من حقيقة أن اغلبية كبيرة من المحاكمات كانت الشركات تسعى فيها بكل جهد من أجل اثبات تبعيتها لحكوماتها، وليس العكس. وبالمقابل يسعى خصومها إلى اثبات العكس والبحث عن تفسيرات للكلمات بالضد من ذلك. وكذلك الجهود القضائية المتواصلة للدول المضيفة، لاعتماد تفسيرات تتجه لتقليص تطبيق تلك الحصانة.

لذلك نقول:

1-يجب أن نجعل الشركة مرتبطة بالحكومة بقدر الإمكان، وإزالة صيغ "الاستقلال" عن الحكومة ومظاهره، من أجل عدم إعطاء فرص لتفسيرات قد يتحجج بها خصومها مستقبلا.

2-ألا نجعل النفط ملكاً لها، (وهو أمر غريب ليس له أية فائدة وأي مبرر، إلا اللهم ما خفي)

القضايا التي تستفيد فيها الشركات من مبدأ الحصانة السيادية كثيرة جدا وقد اشتهر منها بشكل خاص، محاولات بعض الشركات الصينية الاحتماء بها بوجه دعاوى من جهات أمريكية مثلما حدث لشركة الصناعات الجوية الصينية (AVIC)، حين حاول خصومها الاستناد الى طبيعتها التجارية المستقلة لإخراجها من حصانة الدولة. ويلاحظ بوضوح مدى الضغوط التي تتعرض لها تلك المحاكم احياناً، رغم استقلالها. (2)

وتعمل الجهات المقابلة العكس بالطبع، فتحاول ان تثبت ان المدعى عليه لا يملك الحق بتلك الحصانة. إلا أن مجرد ادعاء الحصانة السيادية من قبل شركة يلزم الجهات المقاضية للشركات المملوكة للدولة، بإيجاد تبرير لادعائها، وكثيرا ما تجد هذه الأخيرة في تعقيدات هياكل الملكية، صعوبات لإيجاد الطريق المناسب لمجابهتها. (3)

وبشكل عام تحاول الجهة المقاضية تبيان استقلال الشركة الأخرى عن دولتها، وكثيرا ما يقع على عاتق الشركة التي تدعي عدم استقلالها عن الدولة، أن تبرز أدلة شديدة القوة بأنها لا تمتلك وجودا خاصا بها خارج الدولة، وأنها تعمل فعليا كوزارة حكومية. ولا يكفي اثبات انها تحت سلطة الدولة.

وهذا يعني أن أي نص في تأسيس الشركة يشير الى استقلالها، لن يكون في صالح الشركة في مثل تلك المقاضاة، فما هو السر في إصرار واضعي القانون على تأكيد الاستقلال من جهة وعلى وضع أموال العراق في خزانة الشركة مبدئيا؟

و "ينطلق المشرعون من أن الشركة المملوكة للدولة تعتبر "مستقلة" حيثما كان لها "استقلال قضائي"، خاصة إذا كانت قد أنشأت كمكون قضائي مستقل، له وجه تجاري أو صناعي الغاية، ولها إدارتها وميزانيتها الخاصة."(4)

 ومن الواضح أن القانون قد وضع "ميزانية خاصة" للشركة تستلمها مباشرة من ما يسمى "أرباحها"، وليس من وزارة المالية كبقية الشركات والوزارات الحكومية، بل هي التي تسلم وزارة المالية حصة البلد من النفط في ترتيب لا مبرر له.

وحتى ما يثير الشك بارتباط الشركة بالحكومة قد يسبب الإشكال. فقد أكد أحد المختصين، (“سورين دوليا”)، أن الشركة "لا يمكن ان تحصل على الصفتين (المستقلة والحكومية) في نفس الوقت – أي لا يمكن ان تكون هجينة"(5). وهذا ما يبدو بالضبط شكل "شركة النفط الوطنية" المخطط لها.

ويؤكد الشيء ذاته نص قانوني آخر (لستيفان كيم بارك) يؤكد "ان ممارسة الشركة لمجموعة من الفعاليات بشكل مستقل، يعتبر مؤشراً بأن تلك الشركة ليست عضواً (في حكومة) ويجب التحسب في إعطائها تلك الميزة"(6)

وحتى في حالة اعتبار الشركة متمتعة بالحصانة لارتباطها بدولة، فما لم يعتبر ذلك الارتباط "وثيقا" وكافيا لاعتبارها "جزء مركزي من الحكومة"، فقد يؤثر على "المدى" الذي تحصل فيه الشركة على الحصانة. وقد وصفت هذه الحالة بأنها "إشكالية متكررة في قوانين الحصانة السيادية".(7)

 

خاتمة:

كما رأينا، فإنه رغم أن افضلية الحصول على الحصانة السيادية ليس شيئا ثابتاً، إلا انه من الواضح جداً ان الشركات الحكومية تجد فيها حماية ثمينة تناضل بكل الطرق من اجل اثباتها. ونرى بوضوح أن أي حديث عن "استقلال" الشركة أو استقلال "ميزانيتها" وحريتها في التعامل المستقل بعيدا عن الحكومة (ولشركة النفط الوطنية وفق القانون الغريب حق الاقتراض حتى من الخارج!) يمكن ان تستخدم ضدها في أية محاكمة في الخارج، خاصة حين يكون الجانب المقابل أكثر قوة أو أكثر علاقات وقدرة على الضغط من أجل حصوله على "التفسير" المناسب للعبارات.

قال أحد الساسة يوما: "ما وجدت يوماً شيئا لم يكن له تفسير، إلا وكان هناك "سبب قوي" لوجوده". وحين نقلب النقاط الغريبة التي ليس لها سابقة أو تفسير في قانون شركة النفط الوطنية الذي اعد وراء الأبواب المغلقة بعيدا عن كل خبراء النفط المعروفين، فإننا نجد أنفسنا مضطرين إلى التساؤل إن لم تكن تلك النقاط قد وضعت عمداً ولسبب "قوي" هو تعريض ثروة العراق الى الابتزاز.

إننا نرى ضرورة العمل السريع لوقف هذا القانون الذي يحمل كل ملامح المؤامرات المالية الدولية، قبل أن يتمكن من يقف وراءه من الوصول إلى غايته ويكون الأوان قد فات.

 

 

(1) التخويف بالحجز على صادرات شركة النفط الوطنية العراقية "اينوك" (1)

https://www.facebook.com/Adil.Abd.Al.Mahdi1/posts/1865706540160544

(2) Chinese state entities argue they have 'sovereign immunity' in U.S. courts

 https://www.reuters.com/article/us-china-usa-companies-lawsuits/chinese-state-entities-argue-they-have-sovereign-immunity-in-u-s-courts-idUSKCN0Y2131

(3) Senate Bill Deprives State-Owned Companies of Sovereign Immunity as Litigation Tactic in U.S. Courts

 https://masspointpllc.com/publications/senate-bill-deprives-state-owned-enterprises-sovereign-immunity-litigation-tactic-u-s-courts/

(4)  State Immunity – State Owned Enterprises

 https://singaporeinternationalarbitration.com/2012/07/25/state-immunity-state-owned-enterprises/

(5) State immunity and state-owned enterprises: a recent dispute involving Moldova

 http://www.cisarbitration.com/2017/05/16/state-immunity-and-state-owned-enterprises-a-recent-dispute-involving-moldova/

(6)GUARDING THE GUARDIANS: THE CASE FOR REGULATING STATE-OWNED FINANCIAL ENTITIES IN GLOBAL FINANCE Stephen Kim Park

http://scholarship.law.upenn.edu/cgi/viewcontent.cgi?article=1449&context=jbl

(7) https://business-humanrights.org/sites/default/files/media/bhr/files/Clifford-Chance-State-immunity-state-owned-enterprises-Dec-2008.PDF

 

روابط إضافية

 

(8) More Threats to Sovereign Immunity? New Bill Would Strip State-Owned Companies of Immunity - Lawfare

 https://www.lawfareblog.com/more-threats-sovereign-immunity-new-bill-would-strip-state-owned-companies-immunity

(9)https://ustr.gov/sites/default/files/TPP-Ensuring-Fair-Competition-with-State-Owned-Enterprises-Fact-Sheet.pdf

(10) Gap in U.S. Law Helps Chinese Companies, for Now - Bloomberg

 https://www.bloomberg.com/view/articles/2016-05-15/gap-in-u-s-law-helps-chinese-companies-for-now

(11)Sovereign state risk | Global law firm | Norton Rose Fulbright

http://www.nortonrosefulbright.com/knowledge/publications/69600/sovereign-state-risk

(12) Immunity for state-owned enterprises? - Lexology

 https://www.lexology.com/library/detail.aspx?g=e516e9a7-879f-478b-b87e-c2c4ea311090

(13) Crown immunity for PRC state-owned enterprises in Hong Kong | Kennedys

 http://www.kennedyslaw.com/casereview/crown-immunity/

(14)  “Head-of-State–Owned Enterprise” Immunity | Journal of Transnational Law

 https://www.vanderbilt.edu/jotl/2018/01/head-of-state-owned-enterprise-immunity/

(15) State-Owned Companies Claim Exemption From Litigation - DTN Progressive Farmer

 https://www.dtnpf.com/agriculture/web/ag/news/article/2016/05/17/state-owned-companies-claim

(16) An update on landmark state immunity case - Collas Crill

 https://www.collascrill.com/news/company/an-update-on-landmark-state-immunity-case/

(17)  State immunity - Wikipedia

 https://en.wikipedia.org/wiki/State_immunity

(18)  State-owned companies are not the State

 https://www.jerseylaw.je/publications/jglr/Pages/JLR1302_Harvey-Hills.aspx

(19) State Immunity under International Law and Current Challenges

https://rm.coe.int/final-publication-state-immunity-under-international-law-and-current-c/16807724e9

(20) https://deicl.univie.ac.at/fileadmin/user_upload/i_deicl/VR/VR_Personal/Reinisch/Internetpublikationen/wiesinger.pdf

(21) http://digitalcommons.lmu.edu/cgi/viewcontent.cgi?article=1284&context=ilr

(22) Litigating Claims over Foreign Government-Owned Corporations

https://scholarlycommons.law.northwestern.edu/cgi/viewcontent.cgi?referer=https://www.google.nl/&httpsredir=1&article=1504&context=njilb