تقرير الميزان الديمغرافي يفجر فقاعة الضم

 

شاؤول اريئيلي

 

هآرتس 28/3/2018

          تقرير الادارة المدنية حول الوضع الديمغرافي الذي عرض هذا الاسبوع على لجنة الخارجية والامن فجر بمرة واحدة فقاعة الواقع المتخيل الذي بناه من يرفضون حل الدولتين. من يؤيدون الضم يطلقون منذ سنوات حقائق وهمية من اجل اخفاء الميزان الديمغرافي، الذي يحافظ على التوتر الاساسي الذي يرافق الحركة الصهيونية منذ بداية النزاع الاسرائيلي الفلسطيني والحسم المطلوب له. الميزان الديمغرافي بين اليهود والعرب الذي تم عرضه يقتضي من القيادة الاسرائيلية اعادة الحسم في اختيار هدفين من الاهداف الثلاثة الاساسية للحركة الصهيونية واسرائيل: أن تكون دولة ديمقراطية، أن تكون دولة يهودية بالمعنى الوطني وأن تكون على كل ارض اسرائيل الانتدابية.

          إن وجود اغلبية غير يهودية في ارض اسرائيل على مدى المئة سنة من النزاع تقريبا، ليس نتيجة تحول ديمغرافي عربي، بل نتيجة حقيقة أنه في وقت اصدار تصريح بلفور في العام 1917 والمصادقة على صك الانتداب في العام 1922 كانت نسبة اليهود هي 10 في المئة فقط من اجمالي سكان البلاد. ومنذ ذلك الحين فشلت الحركة الصهيونية في تحقيق اغلبية يهودية بين البحر والنهر.

          هذا الامر كان تحديا هاما وغير مسبوق للحركة الصهيونية وبريطانيا والذي تمثل في تطبيق تصريح بلفور الذي يشمل مركبين: الاول، "وطن قومي لليهود"، والثاني، أن يقوم هذا الوطن "بشرط واضح، أن لا يتم فعل أي شيء من شأنه المس بالحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية في ارض اسرائيل". أي، دولة ديمقراطية للشعب اليهودي. لقد ركز زئيف جابوتنسكي على هذا التحدي في خطابه في المجلس الاسرائيلي في العام 1919. "في دولة اخرى، حيث كل شعب يقيم في بلاده، كل المواطنين يقيمون في ارضهم من السهل والبسيط اقامة دولة كهذه، لكن ليس في بلادنا، التي توجد في ظروف خاصة، والتي هي من هذه الناحية بلاد "غير عادية"، أي أن معظم مواطنيها "اليهود" يوجدون خارج حدود البلاد".

          حول اهمية تحقيق اغلبية يهودية، تحدث ماكس نورداو في المؤتمر الصهيوني في لندن في العام 1920 وقال "من الضروري أن يتواجد على الاقل 500 ألف يهودي في ارض اسرائيل في الوقت الذي تتسلم فيه بريطانيا الانتداب على ارض اسرائيل. اذا كنا لا نريد الحكم على الصهيونية بالفشل". ولكن رغم حقيقة أنه في وقت تسلم الانتداب كان عدد اليهود هو 83 ألف شخص فقط، فان هذا لم يحدث. من اجل تطبيق صك الانتداب الذي تم فيه التحديد أنه يجب على بريطانيا "خلق شروط سياسية في اسرائيل وادارية واقتصادية، تضمن اقامة البيت الوطني اليهودي"، فقد امتنعت بريطانيا عن اقامة حكومة اصيلة (من السكان الاصليين)، التي بشكل طبيعي كانت ستكون مكونة من الاغلبية العربية، مثلما حدث في كل دول الانتداب الاخرى. في صك الانتداب حددت المواد 4، 6، 7 التي منحت افضلية واضحة للهجرة، التجنس والاستيطان اليهودي من اجل أن يكون بالامكان احداث الانقلاب الديمغرافي الواسع وانشاء دولة ديمقراطية ذات اغلبية يهودية.

          في 1937 قدمت لجنة بيل اقتراح لتقسيم البلاد بين اليهود والعرب. على الرغم من المساحة الصغيرة التي خصصت للدولة اليهودية (17 في المئة من مساحة البلاد)، إلا أن المؤتمر الصهيوني قام بتخويل بن غوريون، رئيس الوكالة اليهودية، ووايزمن بادارة المفاوضات مع بريطانيا حول اقامة دولة يهودية على جزء من ارض اسرائيل. لقد كان هناك قرار واضح بتفضيل اغلبية يهودية ودولة ديمقراطية على ارض اسرائيل الكاملة، لأن اليهود شكلوا فقط 30 في المئة من عدد سكان البلاد. هكذا شرح بن غوريون وهو يكتب لابنه عاموس: "ما نريده هو ليس أن تكون البلاد كاملة وموحدة، بل أن تصبح البلاد الكاملة والموحدة يهودية. أنا غير راض عن ارض اسرائيل الكاملة عندما تكون عربية". مردخاي نمير يضيف ويبرر الحاجة الى تنازل جغرافي في مؤتمر مباي في العام 1937: "تقليص المساحة هذا هو الثمن الذي يجب علينا دفعه من اجل التأخير الحاسم للشعب اليهودي في بناء البلاد وبسبب النمو السريع للحركة العربية".

          هذان الشخصان لم يريا في اقامة الدولة اليهودية الصغيرة نهاية للقصة، وطورا "نظرية المراحل". بن غوريون واصل وكتب لابنه "دولة يهودية جزئية ليست النهاية بل البداية... اقامة دولة لو جزئية هي تعزيز للقوة بالحد الأدنى في هذه المرحلة، وستستخدم كرافعة قوية في جهودنا التاريخية من اجل انقاذ البلاد كلها". نمير يتمم هذا ويقول "الاجيال القادمة، سواء قبل الثورة الاجتماعية أو بعدها، ستجد طريقة لاصلاح التشويه".

          الكارثة، التراجيديا الاكبر للشعب اليهودي، تحرك بن غوريون للطلب من الحكومة البريطانية تقسيم البلاد، التي فقط ثلث سكانها من اليهود. في شباط 1947 كتب لوزير الخارجية بيفن "التسوية الحالية الوحيدة المحتملة التي فيها اساس انهاء المشكلة، هي اقامة دولتين، يهودية وعربية".

قرار التقسيم في تشرين الثاني 1947 جعل الميزان الديمغرافي المتوقع في الدولة اليهودية يقف عند 55 في المئة يهود فقط. بن غوريون كان يدرك هذه الصعوبة التي نشأت. وفي اقواله في مركز مباي في كانون الاول 1947، حدد أمر، حتى من يريدون الآن ضم الضفة الغربية فقط، يجدر بهم استيعابه: "بهذه التركيبة ليس هناك ضمانة كاملة في أن تظل السلطة في أيدي الاغلبية اليهودية. لن توجد دولة يهودية مستقرة طالما توجد فيها اغلبية من 62 في المئة فقط".

حرب الاستقلال ومشكلة اللاجئين الفلسطينيين أحدثت انقلاب في الميزان الديمغرافي وجعلت نسبة اليهود في الدولة (داخل الخط الاخضر) أكثر من 80 في المئة. بن غوريون عاد وحسم بشأن انهاء الحرب لصالح دولة ديمقراطية للشعب اليهودي على حساب ارض اسرائيل الكاملة. وفي رده على الانتقاد بأنه لم يستكمل احتلال البلاد اجاب في الكنيست في نيسان 1949: "دولة يهودية في كل البلاد بدون استخدام طرق العمل التي تم اتباعها في دير ياسين يمكن أن يكون فقط عن طريق ديكتاتورية الاقلية... دولة يهودية، حسب الوضع القائم، غير محتملة اذا كانت ديمقراطية، لأن عدد العرب في غرب ارض اسرائيل اكثر من عدد اليهود".

حرب الايام الستة واحتلال غزة والضفة اثارت مجددا الهدف الجغرافي لارض اسرائيل الكاملة، لكن اكثر من مليون عربي كانوا يعيشون فيها صدوا حكومة اسرائيل عن كل خطوات الضم، باستثناء شرقي القدس، كما صرح ليفي اشكول: "كيف سنعيش مع هذا العدد الكبير من العرب؟". وفيما بعد اكتفت حكومات الليكود بضم هضبة الجولان فقط التي يعيش فيها فقط الدروز في اربع قرى صغيرة.

          اختيار اسرائيل الاستراتيجي للمساحة مقابل الحفاظ على الهوية اليهودية والنظام الديمقراطي ظهر مجددا في التسعينيات، عندما اعلن اسحق شمير أنه "يرى في موضوع الانفصال موضوع مركزي"، واختار الطريق السياسية لاتفاقات اوسلو. ولاحقا كان هذا هو اهود باراك الذي احسن في تعريف الفصل كـ "ضرورة قومية عليا للديمغرافيا والهوية والديمقراطية الاسرائيلية". ايضا من لم يؤمن باتفاقات دائمة، اريئيل شارون، صرح بصورة مشابهة "الاعتبار الديمغرافي لعب دور هام في تحديد مسار جدار الفصل بسبب الخوف من ضم مئات آلاف الفلسطينيين الذين سينضمون الى عرب اسرائيل". ولخص اهود اولمرت بقوله "إما دولتان أو أن اسرائيل ستنتهي".

          الميزان الديمغرافي الحالي هو حقيقة قائمة. من المحزن الاكتشاف أنه بعد مئة سنة على النزاع وعشرات السنين من المفاوضات للفصل السياسي المتفق عليه، فان الخطاب في اسرائيل ما زال يجري فقط في الداخل. ليس هناك تاريخ، ليس هناك قرارات دولية، ليس هناك شعب فلسطيني له طموحات وطنية وليس هناك اتفاقات واعترافات موقعة من قبل حكومات اسرائيل. والمحزن اكثر هو حقيقة أن الكثيرين في الحكومة الاسرائيلية يعودون ويحاولون اخفاء الحقيقة الديمغرافية بسبب طموحات الضم والرؤى المسيحانية.

          الحكومة الحالية، خلافا لسابقاتها، اختارت حسم استراتيجي آخر بالنسبة لاهداف الصهيونية: ارض اسرائيل مقابل نظام ديمقراطي واغلبية يهودية. هذا الحسم سيزيل الالتزام الدولي بسبب عدم التزام اسرائيل بالشرط الديمقراطي، وسيدفعها الى الموقف المجنون الذي وقف فيه لسنوات طويلة جنوب افريقيا. هذا الحسم عديم المسؤولية سيحرك عملية ستؤدي الى حرب اهلية والى الانهيار الداخلي لاسرائيل وولادة دولة عربية واختفاء الحلم الصهيوني؟.