قانون شركة النفط الوطنية العراقية وآفاقه : ابعد من الخصخصة !

عارف معروف

 

 

 

             في العادة : لا صيد بلا شرك او مصّيدة . ولا فخ ، او مصيدة دون طعم او اغواء، يغري الطريدة ويستدرجها الى الموت ، لتُقدّم بعد ذلك ..... بعد خراب البصرة ، كما يقول المثل العراقي المؤلم ، مشّوية على السفود !  ...

ولم يحدث ان فُرض امرٌ او  مُرّر قانون او رُوّج لغاية ضارة ، حتى في أنظمة الحكم المطلق ، كما هي ، وبوضوح وصراحة ،. وكان من بديهيات الممارسة السياسية المعادية لمصالح الشعوب التخفي تحت عباءة المصالح الشعبية تارة او توقعات الخير العميم استنادا الى قراءات تدعّي المعرفة او مغالطات يسهل فضحها وتفنيدها، طورا  . ودائما بالطبع ، باستغلال مشاعر الجمهور ومغازلة عواطفه وادعاء الحرص على حقوقه ، وبالتأكيد في ظل وجود أزمات او رفض عام لممارسات وسياسات سابقة  !

وفي كل تجارب تدمير الملكيات الاجتماعية وتفتيتها او خصخصتها او بيعها لرأس المال الأجنبي بسعر التراب من قبل حفنه من العملاء والفاسدين يمكن ان نرى السيناريو ذاته مع تنويعات قليلة تعطي للمشهد طابع الجّدة والفرادة وتجعله اكثر انسجاما وتوافقا مع معطيات الواقع المعني ومتطلباته .

وفي الغالب أيضا ، وعند عدم توفر قوّة مهيأة للفعل ، يتم خلق هذه القوّة والترويج لها إعلاميا وتضخيم دورها ، وهذا امر مشهود ، سواء في الثورات الملونه او ما شهدناه من ثورات الربيع العربي التي انتهت ، جميعا ، الى ذات النهايات ، وكانت ثمارها المّرة ، في الغالب ، تفكيك دول وتدمير مجتمعات ووضع ثروات اجتماعية مهولة في جيوب حفنه من اللصوص والاوغاد !

فهل جرى ويجري في هذا السياق ، ذاته ، موضوع اصدار قانون شركة النفط الوطنية العراقية " كما يقول البعض ؟ ام ان له سياق آخر يتصل بالمصلحة الشعبية ويعبر عن ضرورة ومصلحة وطنية او ضرورة عملية  ومواكبة للتطورات العالمية في مضمار صناعة النفط ، كما يروج لذلك ، عرابو وداعمو القانون ، من شخصيات  معلنه او جهات اكبر تقف خلفهم وتملك مصلحة أساسية في ان يسير الامر على النحو الذي تريد  ؟

يقول السيد إبراهيم بحر العلوم  ، احد اهم الشخصيات التي تقف خلف " صياغة " وإصدار القانون  ، في منتدى الطاقة العراقي 2018 المنعقد في بغداد قبل أيام ، ان تشريع قانون شركة النفط الوطنية الحالي من قبل البرلمان سيعيد الأمور الى نصابها الصحيح بعد ان  دُمجت الصناعة النفطية بالسياسة النفطية منذ عام 1987 ، ويصف المشروع بانه مهني ولا يمكن ان تتعافى الصناعة النفطية دون إخراجها عن الهيمنة السياسية . طيبّ نحن هنا امام ضرورة مهنية وعملية .وماذا بعد ؟ في حين يؤكد السيد عدنان الجنابي ان القانون يمثل الوسيلة الضرورية للخلاص من ربقة الدولة الريعية وبناء اقتصاد معافى وديناميكي . ، فيما يعزف السيد عادل عبد المهدي على وتر آخر مضاف الى ازمة الواقع الريعي ، وهي الازمة التي يصفها بانها ازمة العراق المزمنه على كل صعيد ، هو وتر ملكية المواطن للنفط !

وعبر هذه المحاور ، وأخرى اقل شأنا واقناعا ، مثل " التخلص من البيروقراطية والروتين " ، اديرت رحى بروبغندا  هي الأقل قدرة على الاقناع والأكثر عرضة للتفنيد والدحض !

لقد ناقش ويناقش الامر  معظم المهتمين من غير المختصين  وفق ثلاثة  اعتبارات  من صنع  هذه البروبغندا التي تشايع  القانون : الأول يتصور ان القانون خطوة إيجابية الى الامام لانه  يعود الى استثمار النفط وطنيا ويوسع من مداه الى آفاق رحبة  . الثاني يتصور انه وضع ملكية الشعب للنفط في اطارها الصحيح واضعف او سينهي دور الدولة الريعية . والثالث يرى ان هناك ضرورة فنية بحته تملي ان يكون الإنتاج والتسويق من اختصاص شركة مهنية متخصصة .، وثمة تبرير آخر أشار اليه السيد عادل عبد المهدي في احدى منمنماته لتقريض المشروع والحّث عليه وهي البعد عن الروتين والبيروقراطية !

لنناقش الامر ، اذن وفقا لهذه الاعتبارات ، لافتين النظر ، من خلال ما سيأتي ، الى وقائع مريبة في كواليس الأيام والاشهر التي طبخ خلالها مشروع القانون وتشريعه ، مكررين على نحو الدعم والتأكيد ، ما ادلى به وكتب فيه خبراء ومختصون وكتاب وطنيون مهتمون خلال الأسابيع والأيام المنصرمة :

فالضرورة الفنية والعملية وفى بها مشروع  قانون شركة النفط الوطنية في نصه الأول وقراءته الأولى فلماذا كل هذه الإضافات والتعديلات التي اخرجته عن مساره الأول وحولته الى نص آخر لا صلة له بالاول ولا ما اعتمد  عليه من قانون سابق هو قانون رقم 123 لسنة 1967، نص  لا يسعى الى تخليص العملية النفطية من براثن السياسة بل هو جعل الدولة والمجتمع والمستقبل رهين قرارات ونظرة شركة نفطية عامة يفترض ان تكون أداة ووسيلة عملية بتوسيع مديات عملها الى آفاق سياسية غير مسبوقة ؟!

اما القول بان القانون قد انتزع ملكية النفط من الدولة واعادها الى الشعب وانه تطبيق حيّ للمادة 111 من الدستور ، فهذا تضليل مقصود ومداعبة عواطف وديماغوجية مؤكدة ، فالقانون انتزع ملكية النفط والغاز من الشعب واعطاها لشركة عامة ! اذا ان إيرادات النفط والغاز جميعها ستعود الى الشركة وهي التي ستمنح 90 % فما دون منها الى الحكومة . كما انها ستصرف 10 % من الأرباح الى أربعة صناديق لن تكون حصة صندوق المواطن منها ، في افضل الفروض ، اكثر من 2.5 بالمئة ، بل ولنقل انها تشمل مجموع الصناديق الثلاثة ، عدا الاحتياطي ، فتكون 7.5 % ،  فأية ملكية، وفقا لواقع هذه النسبة ستكون  اعيدت الى المواطن او الشعب ؟!

ويشيعون أيضا ان القانون قد انهى  واقع الدولة الريعية وحولها الى دولة جباية او ضريبة ،  وهذا امر فنده بالتفصيل ودحظه اكثر من خبير ومختص ومهتم ، اذ ان واقع الاقتصاد الريعي لا يتغير بتغير ايلولة العائد من تصدير السلعة الوحيدة في اقتصاد احادي ، سواء كان وزارة المالية او شركة عامة . الشعب وفق المادة 111 من الدستور او الشركة المقترحة وفق القانون الخطير الجديد ، وانما يتم بتغيير سمة وبنية الاقتصاد ، وهذا الامر لن تقوم به ، في الجوهر ، سوى دولة قوية ذات رؤية وبرنامج  ، تبني وتنشط قطاعات الاقتصاد المختلفة استنادا الى الريع نفسه أولا  !

تبقى مسألة البيروقراطية والروتين ، فهل تتم معالجة البيروقراطية بإضافة جهاز بيروقراطي آخر جديد ؟  ( يورد السيد عادل عبد المهدي مثلا ، ليس بدون ايحاء وقصد طبعا ، الأرقام التالية : عدد منتسبي وزارة النفط 2000  في حين ان عدد منتسبي القطاع النفطي  هو 120 الف، فهل ستتمثل البيروقراطية والروتين والترهل الذي يلعنه عبد المهدي في منتسبي الوزارة هؤلاء ام في مايعادل 60 ضعفا لعددهم مع ما سيضاف اليه من ارقام مهولة في ظل الوعد بالامتيازات غير المسبوقة وتعلق كل ثروات العراق ومصائره بيد منتسبي وإدارة شركة واحدة ، وكم سيكون سعر التعيين في مثل هذه الشركة ، وفقا للواقع الذي نعيشه اليوم ؟!) وأي روتين ستقضون عليه وانتم تقولون ان القرار السياسي بشأن معظم اساسيات العملية النفطية سيبقى في يد وزارة النفط، وهذا ما تصبون عليه معظم لعناتكم ، حتى الان  ؟!

 ( للبحث صلة )