حرب دبلوماسية ضد روسيا

كاظم الموسوي

 

 

تصاعدت الحرب الدبلوماسية على روسيا بشكل لافت، او بشكل اعمى، كما تقول الخارجية الروسية، بعد اتهام الحكومة البريطانية لروسيا بتسميم الجاسوس الروسي المزدوج السابق سيرجي سكريبال بسم من صناعة روسية من فترة الحرب العالمية الثانية، مصحوبة بحملة إعلامية منظمة ومستمرة، قبل انتهاء لجنة التحقيق البريطانية من مهمتها ودون صدور حكمها وقرارها وقبل اي قرار قضائي متابع للقضية. وقضية التسميم حسب الإعلام البريطاني حصلت في مدينة بريطانية يقطنها الجاسوس الروسي وابنته، وفي هذه الحالة تحتمل عدة احتمالات منطقية قبل كل استعدادات الحرب التي قامت بها حكومة لندن ضد روسيا ورئيسها الذي كان منشغلا بانتخابات رئاسية جديدة إضافة إلى قضايا روسية اخرى، من بين الاحتمالات، بديهيا واول اتهام يذهب مباشرة الى روسيا بانها المعنية بالقضية، من الوهلة الاولى، لاسباب انتقامية من الجاسوس رغم أن تبادله أنجز من حوالي عقد من الزمان، اي مرت فترة طويلة مما لا يؤثر الان على وظيفته السابقة وجهاز مخابراته. وهذا الاحتمال نفاه المسؤولون الروس بديهيا وانكروا ضلوعهم بالجريمة وطالبوا بتقديم البراهين والمشاركة في التحقيق وكشف الفاعل الرئيسي. والاحتمال الثاني يمكن أن يكون طرف اخر، غير الروس، يهمه الإساءة للعلاقات الروسيلة البريطانية وصناعة إشكالية بينهما، مهما كان حجمها او مستواها، من خارج بريطانيا او من داخلها، من أجهزة مخابرات او منظماتها، وربما لأهداف أخرى أو غايات مطلوبة، ولم يؤخذ مثل هذا الاحتمال بأية نظرة او توقع ولا حتى الإشارة له في اي مجال ارتبط بالقضية. والاحتمال الثالث يمكن أن تكون وراء من قام بالجريمة دوافع شخصية، بمعنى عداء او صراع للجاسوس الروسي مع أشخاص أو جهات لها علاقة شخصية به، من مقيمين في المدينة البريطانية أو جهات يمكنها أن تنفذ مثل هذه الأعمال التي تتحمل تداعيات اخرى، مثل التي حدثت منذ الإعلان عن قضية التسميم ولحد الان.

اذا أعيد النظر بالاحتمالات كلها او اي واحد منها فالاسئلة تتوجه إلى التحقيق ونتائجه، والى دوافع الحملة الإعلامية ومن ثم الدبلوماسية، التي تحاسب قانونيا وموضوعيا وانسانيا، والتذكير بان جرائم أجهزة المخابرات الدولية والمصالح الاستعمارية والروابط بين الحكومات الغربية تدفع باتجاه اعادة التفكير بكل ما حصل وقد لا يقتنع المرء من تلك الحملة وما وراءها كليا، مع التشكيك باهداف سيناريوهات أخرى تضاف إلى المشهد المتسارع والمتصاعد سياسيا ودبلوماسيا وربما يحيل الى مخاطر ابعد من الصورة التي انتهت إليها الاحوال او مازالت في أطوارها المتدحرجة.

بدأت رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي بالتصعيد منذ 14 آذار/مارس، اي بعد أكثر من أسبوع من اعلان القضية، بقرار طرد 23 دبلوماسيا روسيا. وقالت ماي في البرلمان البريطاني "بموجب ميثاق فيينا ستطرد المملكة المتحدة 23 دبلوماسيا روسيا تم تعريفهم على أنهم ضباط مخابرات سريون". وأضافت أن هذه هي أكبر عملية طرد لدبلوماسيين من لندن منذ 30 عاما وأنها ستقلص من قدرات المخابرات الروسية في بريطانيا لأعوام مقبلة. وتابعت "سنجمد أصولا للدولة الروسية في حال حصلنا على أدلة على أنها قد تستخدم في تهديد حياة أو ممتلكات مواطنين أو سكان في بريطانيا". إضافة إلى إجراءات أخرى.

مباشرة دعمها البيت الأبيض واكد أن الولايات المتحدة تشارك بريطانيا تقديرها أن روسيا مسؤولة عن الهجوم وتؤيد القرار الذي اتخذته بطرد دبلوماسيين روس. كما طلبت لندن من حلفائها الاوربيين موقفا مشتركا معها ضد روسيا. وهو ما حصل فور إعلان البيت الأبيض عن إجراءات طرد 60 دبلوماسيا روسيا وغلق قنصلية روسية، بإعلانات تضامن أوروبية بطرد دبلوماسيين روس دون انتظار براهين وأدلة على ارتكاب روسيا لجريمة تسميم جاسوس مقيم في بريطانيا. الامر الذي يثير اسئلة كثيرة حول هذا التضامن العاجل والاعلان المشترك لشن حرب دبلوماسية ضد روسيا.

من جهتها اتهمت روسيا الولايات المتحدة بالضغط على دول أخرى للمشاركة في حملة الطرد الجماعي للديبلوماسيين الروس كرد على اتهام بريطانيا. وقال وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، إن واشنطن "تنظم عملية ابتزاز كبرى" لروسيا مشيرا إلى أنه لم يعد هناك إلا "قليل من الدول المستقلة في أوروبا الحديثة". وهذا الأمر ملفت ايضا، من خلال توجيه الاتهام والتنديد الى واشنطن مباشرة.

فعليا قامت 25 دولة اوروبية مختلفة بطرد 140 ديبلوماسيا روسيا من أراضيها فيما يعد أكبر عملية عقاب دبلوماسي في التاريخ. وزاد في الامر اتفاق زعماء الاتحاد الأوروبي، على ترجيح أن تكون موسكو ضالعة في تسميم سكريبال وابنته. كما طرد حلف شمال الأطلسي سبعة دبلوماسيين روس ورفض اعتماد ثلاثة آخرين. كما يعتزم الحلف الأطلسي تقليص الحد الأقصى لحجم البعثة الروسية بنسبة الثلث من 30 إلى 20.

أدانت المتحدثة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، قرار دول الاتحاد الأوروبي قائلة إن هذه الدول "تفسر التضامن مع بريطانيا بشكل مختلف"، وأكدت موسكو أنها سترد بشكل "مناسب" على القرار الأمريكي!.

اما رئيسة الوزراء البريطانية، تيريزا ماي، فقد قدرت أمام مجلس العموم القرارات التي اتخذتها الدول الصديقة والحليفة، واعتبرتها أكبر عملية إبعاد جماعية لدبلوماسيين روس في التاريخ. واشارت ماي الى أن الخطوة رسالة قوية لروسيا بأن الغرب لن يتسامح مع "محاولاتها المتكررة لانتهاك القانون الدولي وعرقلة قيم الغرب".

واجهت موسكو الحرب الدبلوماسية عليها بالقول "لايمكن اعتبار أن خطوة غير ودية كهذه ستمر دون رد". حيث أوضح المتحدث باسم الرئاسة الروسية (الكريملن)، ديميتري بوسكوف، الأمر  في قوله "بالطبع كما حدث في السابق سنلتزم بمبدأ المعاملة بالمثل". وبالتأكيد تقرر موسكو ايضا طرد دبلوماسيين غربيين بما يقابل ما حصل ضدها. بدء من لندن وتتبعها الولايات المتحدة وتأتي باقي الدول بالتسلسل. اي ان الحرب الدبلوماسية ستأخذ مساحتها في المشهد السياسي وان تبادل الطرد والتعامل بالمثل المؤشر الاساس فيها.

في الوقت نفسه، تؤشر حملات التضامن والدعم بهذا الاسلوب ودون أدلة معلنة وكافية أن وراء الاكمة ما وراؤها، وان القضية ابعد من تسميم جاسوس، لاسيما وأنه ليس الأول وليس الوحيد، وفي بريطانيا ذاتها. وهذا ما يشير الى أن سنوات الحرب الباردة قد تستعيد دورانها بين الغرب والاتحاد الروسي اولا، وقد تتوسع لابعد منه إذا لم تعقل الإدارات الغربية دروس التاريخ.