قانون  شركة النفط الوطنية العراقية 2018: طبيعة القوى الاجتماعية وآفاقها السياسية !

عارف معروف

 

1-اذا كان قرار مجلس قيادة الثورة المرقم 267 في 1987 قد الغى شركة النفط الوطنية العراقية وادمجها بوزارة النفط فأن قانون شركة النفط الوطنية العراقية المصوت عليه في البرلمان في 5 آذار 2018 يلغي ، عمليا ، وزارة النفط ويدمجها مع شركة عامة باسم " شركة النفط الوطنية العراقية "، او انه يجعلها كيانا زائدا ومقزما الى اقصى حد ، ولكل حدث أسبابه وحوافزه وغاياته !

2-ففي 1987 كان النفط العراقي قد اصبح منذ زمن بعيد ، ملكا عراقيا خالصا ، خاضعا للمصلحة والقرار العراقي ، وبغض النظر عن طبيعة النظام القائم ، ولم يعد هناك مسوغ لوجود شركة النفط الوطنية العراقية لتمييزها عن شركات نفطية اجنبية تعمل في العراق كما لم يعد السبب الرئيسي لانشائها  منذ 1964 قائما، وهو ان يكون هناك جهد وطني مستقل واستغلال عراقي للثروات النفطية بعد استعادة معظم الأراضي العراقية التي كانت خاضعة ، دون مسوغ ، لشركات النفط الأجنبية ، بموجب القانون  رقم 80 على امل تخليص العراق من هيمنة هذه الشركات وضغوطها المالية بالتحكم بمدخلات العراق من  العائدات ، وتدخلاتها السياسية التي كانت لها آثار ونتائج دامية على الواقع العراقي . ولإعداد الخطوات الضرورية لتمكين العراق من استعادة مصادر ثروته ومراكمة الخبرة في استغلالها وادارتها .

3-وكان ان حُولت مؤسسات النفط الى شركات شمال وجنوب  تابعة للوزارة وادمج مركز الشركة الوطنية بمركز الوزارة. كان يمكن لمثل هذه الخطوات ، ان تسمى ، فعلا ، ترشيدا للجهد على اسسس مهنية وضرورات عملية وتخفيفا من وطأة الروتين والترهل والبيروقراطية ، كما يطالب السيد عادل عبد المهدي، اليوم  ، في دفاعه المستميت ، عن جدارة القانون الأخير وضرورته . ولم يعتر(ي) ممارسة وزارة النفط العراقية ، طوال العقود الماضية ، خلل كبير او فشل واضح له نتائج اقتصادية او اجتماعية مؤذية ، بل على العكس من ذلك ، لا يمكن لمنصف ، مهما كان موقفه ، الاّ ان يؤشر نجاحها ونمو قدارتها وخبراتها فيما عهد اليها من مهمة ، الاّ فيما يتعلق بنتائج وآثار ما لا يتعلق بها مباشرة من سياسات وقرارات ، سواء من جهة النظام السابق وقيادته او من جهات اقليمية واممية .

4-كان النفط  وتحقيق الامل بتحريره وتأميمه ووطنية عائداته منعقد امل العراقيين  وحافز كفاحهم الوطني الدامي خلال عقود طويلة وكان يمكن لعائداته واستخدامها المبرمج الرشيد والوطني الهادف ان يضع  الأسس الصحيحة لنهضة اجتماعية شاملة وبناء اقتصادي متين ، متنوع وديناميكي ، وان يُوجد الحوافز والاطر لتنمية مستدامة حقا ، وهو امر لا يمكن ان تنهض بأعبائه الاّ دولة وطنية ديمقراطية ترتبط بهذا الشعب بآصرة الانتماء والامل . لكن النفط ، نفسه ، كان أيضا ، الدافع وراء مداخلات إقليمية ودولية عملت ، دائما  ، على ان لا يكون مصدر خير وتأسيس حديث ونامي لمجتمع عراقي سعيد ، وحفزت ، باستمرار ، قوى وشخصيات ودوافع عملت على هدر هذه النعمة وتحويلها الى نقمة عبر مسارب سوداء ومهلكة من حروب عبثية الى طغيان ومذابح وقمع  وجهل وحماقات ، وكأن لسان حالها يقول اما ان يكون النفط لنا او دونه خرط القتاد !

5-تروّج قوى الهيمنة الامبريالية والفكر اليميني ، منذ زمن بعيد ، سواء باسم الطغيان الشرقي ، او الدولة الشمولية او الريعية او روح المبادرة الرأسمالية ، لمتلازمة نظرية تربط التملك العام ، او سيطرة الدولة على مصادر الثروات الطبيعية الوطنية الكبرى او تدخلها في حيثيات القرار و الخطط الاقتصادية والاجتماعية الاستراتيجية  بالطغيان والدكتاتورية والفساد وعلى العكس فالخصخصة والبعد عن التخطيط والمركزة الاقتصادية وحرية رأس المال الخاص وفتح جميع الأبواب امامه ، سيفرز  ، بالضرورة ،الديمقراطية والتنظيم وعقلنة السلوك واستخدام الموارد  ! متغافلة ، عن قصد ، ان اعتى الدكتاتورية الاجرامية في العصر الحديث (  هتلر ، موسوليني ، معظم الطغاة المجرمين الصغار في طول الأرض وعرضها ، وطوال عقود القرن الماضي ) نمت وترعرعت  وكانت في خدمة رأس المال العالمي ومثله وغاياته وانها حظيت ، دائما ، بدعمه وتأييده  الى الحين الذي ينقلب فيه السحر على الساحر ويرتد الجنّي او الوحش الكاسر على مطلقيه والمصفقين له او يحاول ان يعظّم  حصته من وليمة الشر والدماء !

6-كذلك فان التجربة العالمية لم تقدم نموذجا خالصا  ناجحا للحرية الاقتصادية المطلقة وتقزيم الدولة ، بل على العكس ، فما زال للدولة  دور بالغ الأهمية في ضمان وجود وديمومة المجتمعات ومازال الواقع ، حتى في الولايات المتحدة الامريكية ، جنة رأس المال الحر ، يشهد تدخلا للدولة ونوعا من " التخطيط " هنا او هناك ، وكلما تأزمت الأمور ، سواء في بعض القطاعات الاقتصادية او التنفيذية او في الاطار العام لللبنية الاقتصادية / الاجتماعية والسياسية ككل ...، لكن الدعوات المضادة للدولة الوطنية ودورها والتخطيط الاقتصادي والاستثمار الوطني عبر قطاع الدولة ظلت على حالها بالنسبة للدعاية السياسية والفكرية الموجهة الى مجتمعاتنا .  وركزت ، باستمرار ، على فشل كل جهد على هذا الصعيد ، حتى امست ، عبر التكرار والاعادة ، وكأنها مسلمة ونتيجة علمية مثبته ، لكي يصار الى ترسيبها في قناعات الشعوب وقواها الحية او المتطلعة الى البناء والتمنية .

7- وكما هو متوقع فوكلاء هذه الجهات لدينا ، بدأوا بعزف ذات اللحن واطلاق ذات الدعوات ، وكأنهم وجدوا حجر الفلاسفة ، منذ الأيام الأولى للغزو الأمريكي ، ولكن على استحياء وتردد في باديء الامر ترافق مع دعوات ووعود بالإصلاح الاقتصادي واستغلال العوائد النفطية في إعادة احياء وإصلاح المؤسسات العامة الكبرى المتوقفه ، لكن شيئا من هذا لم يحدث ، وبدلا من ذلك ، أُهمل بعضها وشُطب البعض الاخر وأُغرق ما لم يتمكنوا من شطبه بالفاسدين والفساد لكي يتحول الى مثل حيّ على عجز القطاع العام وإدارة الدولة وتدخلها في الشأن الاقتصادي وفشلهما الذي ينبع عن طبيعتهما لا غير .

8-ان 15 عشر عاما من الإدارة والسلطة  والمال الوفير ، بعيدا عن الدكتاتورية وعلى شواطيء حيرة " ليبرالية " انتجت  فشلا ذريعا وضياعا وتخبطا في كل شيء . وقدمت مثلا لا يمكن تجنبه عن طبيعة البرنامج والمسار الذي دعت وتدعو اليه هذه الجهات  والقوى الاجتماعية التي تمثلها ، والذي لا يعني الا ّ التبدبد الهائل للموارد والضياع غير المسبوق للفرص والإمكانات والعجز التام لهذه الجهات عن البناء والانماء ناهيك عن التخطيط والبرمجة العلمية السليمة التي تنطلق عن الحاجات الحقيقية للبلد والشعب وتترسم افضل الخطط لتلبيتها واشباعها بأفضل الصور وأقل الاكلاف وصولا الى مستويات جديدة في طريق التحديث والتقدم . فهل نبع ذلك الفشل من المصادفات والتدخلات والحيلولة دون هذه القوى ودون تنفيذ برامجها ام هو امر يصدر بالضرورة عن طبيعتها الاجتماعية وبناءها الفكري وبرنامجها الاقتصادي والسياسي ؟!

 

( وللحديث صلة ...