حديث هادي العامري الأخير: قصة العربة والحصان! 1 من 3

 

علاء اللامي

 

بثت قناة الميادين اللبنانية يوم أمس الاثنين لقاء مع السيد هادي العامري رئيس تحالف "الفتح" الانتخابي أو " الفتح المبين " كما يقول اسمه الكامل أو الأول، والذي يضم كما صرح أحد قادته هو السيد عامر الفايز (كل من كتلة بدر برئاسة هادي العامري، وعصائب أهل الحق برئاسة قيس الخزعلي، والمجلس الاعلى، وتجمع العدالة والوحدة برئاسة عامر الفايز، وتجمع عراق المستقبل برئاسة ابراهيم بحر العلوم، وحركة الوفاء والتغيير برئاسة اسكندر وتوت، بالإضافة الى العديد من فصائل الحشد الشعبي/ تصريح الفايز لرووداو). هنا مجموعة من أقوال السيد العامري مع التعليق عليها :

*قال العامري في بداية اللقاء معرفا التحالف الذي يتزعمه: (كنا نفكر في تسمية تحالفنا في البداية باسم " قادرون" ثم استقر رأينا على اسم " الفتح" وهو مشتق من عبارة "الفتح المبين" التي وردت في آيات قرآنية وفي مقولة للإمام الحسين قال فيها "ومن لم يدركنا لم يدرك الفتح". وعن أهداف التحالف قال : (نحن نطلع إلى إعادة هيبة الدولة وتمكين القضاء وفرض القانون وبسط الأمن وحصر السلاح بيد الدولة).

-التعليق: واضح أن هذه الأهداف تصلح لتكون أهدافا لوزارة الدفاع أو الداخلية أكثر مما هي اهداف لتحالف انتخابي سياسي، هذا إذا نظر إليها مستقلة كما قدمت ولكنها ليست وحيدة بل هناك أهداف أخرى فلنكمل المشاهدة:

*يضيف العامري (ونتطلع كذلك الى إعادة اللحمة الوطنية وتحقيق المصالحة المجتمعية وترميم النسيج الاجتماعي والذي مع الأسف مزقه الإرهاب ومزقته الطائفية، نأمل أن نعيد المصالحة المجتمعية ونأمل أن نعيد العراق المتصالح مع نفسه). والسؤال هنا هو: من الذي مزق النسيج المجتمعي والوحدة الوطنية هل هو الإرهاب أم نظام المحاصصة الطائفية والعرقية الذي جاء به الاحتلال ودستورها الملغوم؟ أليس الإرهاب ومظاهر الاحتراب والاستقطاب الطائفي هي نتائج لهذا السبب الذي يمثله قيام هذا النظام؟ وإذا سلمنا جدلا بأن الإرهاب والطائفية هما السبب في تمزق النسيج المجتمعي فهل الطائفية المقصودة هي طائفية ذات لون واحد؟ أعني هل هي طائفية رد الفعل من الطائفة الأقلية المحكومة فقط " طائفية سنية"، أم الطائفية الحاكمة "الشيعية" والتي وصلت الى الحكم بالتحالف مع الاحتلال الأجنبي ولا تزال؟ وإذا كانت طائفية " ملونة" أي من الطرفين أو الثلاثة ألوان، ألا يعيدنا ذلك الى حقيقة أن نظام المحاصصة الطائفية والعرقية هو السبب وليس ما نتج عنه وبعد قيامه؟ نحن هنا أمام قصة العربة والحصان حيث يريد البعض وضع العربة قبل الحصان فيما يريد البعض الاخر وضع الحصان أمام العربة ليجرها! ولكن العقل السليم يعرف مكان العربة ومكان الحصان فقد عاش العراقيون لألف سنة أو اكثر وهم مجتمع متنوع تعددي ولم ينشأ ما يسمونه بالأميركي الفصيح "الإرهاب" وأنا أسمية " الإجرام التكفيري"  إلا مع الاحتلال ومع نظام الحكم الطائفي الذي جاء به وسيستمر هذا الإرهاب قائما ونائما طالما استمر هذا الحكم!

*ويقول العامري (نحن نؤكد أن جميع الإخوة في مكونات تحالف الفتح متفقون على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة. وأقولها بصراحة إذا تحالف الفتح لا يستطيع حصر السلاح بيد الدولة فلا يوجد غيره يستطيع حصر السلاح بيد الدولة. ولذلك نحن عازمون على بناء دولة المؤسسات وحصر السلاح بيد الدولة.)

-التعليق: بصرف النظر مؤقتا عن طابع التهديد الذي قد يفهم من عبارة العامري الأخيرة والذي مفادها بكلمات أخرى إما نحن من يحصر السلاح بيد الدولة وإلا فلا أحد أخرى يستطيع ذلك) فإن الواقع يقول إن المقصود بالسلاح خارج يد الدولة هو سلاح أغلبه بيد هذه الفصائل التي تشكل تحالف الفتح والصدقية مع النفس والآخرين توجب على من يدعو إلى تحقيق هدف ما أن يطبقه على نفسه أولا.

*وكرر العامري عبارة (ضرورة إقامة علاقات طيبة مع كافة دول العالم مبنية على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية كما ينص الدستور)

التعليق: كان حريا بالمتحدث استثناء دولة الكيان الصهيوني "إسرائيل" فليس ثمة داع لعدم ذكر هذا الاستثناء. مع أن الرجل أبعد ما يكون عن الاتهام في موقفه من دولة العدو الصهيوني على الأقل لجهة قربه من الموقف الإيراني الرسمي المعلن من هذا الكيان.

*وردا على سؤال يقول " هل توجد تأثيرات خارجية إقليمية أو دولية على الانتخابات العراقية؟" أجاب العامري جوابا مزدوجا فقال (أستبعد ذلك ولن نسمح ونأمل من دول العالم جميعا عدم التدخل في الانتخابات ... والإخوة في مفوضية الانتخابات قالوا توجد مخاوف من التدخلات في نتائج الانتخابات ولكنهم طمأنونا إلى أنه لن تكون هناك تدخلات وستكون حسابات النتائج بالعدد الآلي وفي حالة الشك نذهب الى العد اليدوي).

-التعليق: نحن هنا أمام ثلاثة إجابات الأولى تفيد استبعاد التدخل الخارجي في الانتخابات والاستبعاد لا يعني أن التدخل لن يقع مائة بالمائة أن احتمال حدوثه امر مستبعد والثانية تعني أن هناك احتمالا بالتدخل أو التأثير ولكن المتحدث ومن معه لن يسمحوا به والثالثة تعني أنه يأمل ويتمنى من الدول الأجنبية عدم التدخل وهذا يشي بأن التدخل أمر محتمل أيضا.  والواقع فإن التدخل الأجنبي في أي انتخابات امر مرفوض وخطير ولكن الأخطر منه هو حين تجري الانتخابات وفق قانون سيء وطائفي وتحت إشراف مفوضية مشكلة على أساس المحاصصة الحزبية والطائفية وتراقبها أيضا لجنة أميركية من الخبراء وفي ظل التضليل والتحشيد الديني والطائفي والعشائري والعرقي وطوفان المال السياسي السحت.

*وقال العامري (لا توجد قائمة انتخابية ستحقق الأغلبية، فالعراق مبني على مكونات متعددة ولذلك لا يستطيع أي مكون من المكونات أن يحقق حتى لو استطاع، ففي الانتخابات الماضية حصل التحالف الشيعي على أكثر من 180 مقعدا أي النصف زائد واحد، ولكن العراق لن يستقر، إذا لم تكن هناك مشاركة حقيقية لكل المكونات. فالحكومة العراقية القادمة يجب أن يكون فيها الشيعي والسني والكردي والتركماني، في كل المكونات. نعم أنا لا أقول يجب أن يشارك الجميع، ولكن لا يمكن للعراق أن يستقر دون ان تكون كل المكونات ممثلة في الحكومة)

-التعليق: نحن هنا في مواجهة خطاب مكوناتي صريح ومتسق تماما وبالمليمتر مع خطاب دستور بريمر وحلفاء الاحتلال الأكثر وضوحا وشهرة. ولكنه خطاب يحاول أن يستر مضمونه بشعارات سياسية "وطنية ومواطنية" لفظية، كما سنوضح بعد قليل. إن كون المجتمع العراقي مكون من عدة مكونات طائفية وقومية ودينية ليس اكتشافا جديدا للبلبي! فالعراق منذ وجد في العصر الحديث، وأيضا طوال الألف سنة الأخيرة، كان بهذا الشكل المجتمعي التعددي المتنوع. وثانيا، فالعراق ليس البلد الوحيد التعددي والمتنوع طائفيا وقوميا، ولكن ما الجديد الذي يريد الخطاب المكوناتي فرضه على عراق ما بعد 2003؟ إنه يريد حكم هذا البلد بنظام دولة المكونات الذي جاء به الاحتلال الأميركي أو الذي ساعد على قيامه وحماه طوال السنوات الخمسة عشرة الماضية وليس بنظام دولة المواطنة التي ترفض أي تقسيم للمجتمع إلى طوائف بل تنظر إليه كهيئة اجتماعية واحدة مؤلفة من مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات في مجتمع مندمج أو في سيرورة اندماج مجتمعي مستمرة.

إن العامري، وجميع الساسة العراقيين في الأحزاب الإسلامية الشيعية والسنية والقومية الكردية، ينظرون الى المجتمع العراقي كمجموعة طوائف وعرقيات يتقاسم الزاعمون تمثيلها وفق لعبة انتخابات مبرمجة جميع المناصب والثروات وكل شيء وليس كمواطنين عراقيين متساوين هم أصحاب الحق الأول في هذه الثروات. هنا لا جديد في خطاب العامري ولكن الجديد هو انه أكد أمرين : الأول أنه مع تمثيل كافة الطوائف والقوميات في الحكومة والثاني عدم وجوب مشاركة الجميع. وهذه الصيغة هي حل وسط بين من يطالب بتشكيل حكومة أغلبية سياسية صريحة كتحالف المالكي، مع ضمان التمثيل المكوناتي في الحكومة ومؤسسات الدولة، وبين من يطالب بما يسمى "حكومة مشاركة وطنية" يشارك فيها ساسة جميع الطوائف الموجودون في البرلمان. وهذا النوع من الحكومة جرب طوال السنوات الماضية فكانت النتيجة تدمير العراق تدميرا شاملا. إن الصيغة التي اقترحها العامري هنا، قريبة جدا من الصيغة التي طرحها العبادي. هذا الخير قال قبل أسابيع قليلة (ذا كانت حكومة الأغلبية السياسية تهدف الى إقصاء طرف أو مكون معين فنحن ضدها) وهذا لا يعني أن العبادي لا يرفض حكومة الأغلبية السياسية الطائفية التي يطالب بها المالكي، ولكنه يريدها من دون إقصاء، أي يريدها بتمثيل جميع المكونات. وهذا بالضبط ما قاله العامري. وإذا ما علمنا أن المالكي يرفض إقصاء أي مكون طائفي أو قومي أيضا من حكومته للأغلبية السياسية فهذا يعني أن فرق بين التحالفات الثلاثة أو الزعماء الثلاثة العامري والمالكي والعبادي وهذا ما يجعل اجتماعهم بعد الانتخابات في تكتل واحد امرا مؤكدا ولا علاقة له بالمبادئ والأفكار والأخلاقيات والثوابت. وهنا سيتساوى الجميع وينفرز عنهم الطرف المواطني الداعي لتشكيل حكومة مدنية من التكنوقراط كما دعا السيد مقتدى الصدر وحلفاء الحزب الذي يدعمه في تحالف "سائرون"، على صعوبة ذلك وضعف الطرف الداعي إليه. والحقيقة فأن هذا التحالف الهش وذا القيادة المزاجية المتقلبة أي تحالف "سائرون" والمحارَب أو في الأقل غير المرضي عليه خصوصا من قبل واشنطن وطهران التي أوفدت قبل فترة ولايتي ليذكر العراقيين (والصدريين خصوصا) بفتوى محسن الحكيم التكفيرية ضد الشيوعيين؛ إنَّ هذا التحالف ليس من المحتمل أن يحرز نتائج حاسمة تجعله في موقع صانع حكومات. وربما سيكون ممكنا أن يحرز عددا من المقاعد التي تؤهله ليكون بيضة القبان ومن ثم قد يتحول الى مجرد ملحق بحكومة المشاركة الطائفية في نهاية المطاف. هذا في البيانات والكلام الصحافي والإعلامي الرائج أما على أرض الواقع فإن قيادات التحالفات المتنافسة سيخضعون إلى أوامر السفارتين الأميركية والإيرانية ويشكلون حكومة مشاركة تقليدية. أي إننا سنكون بعد الانتخبات القادمة أمام تعريفين مختلفين لفظا للحمار الوحشي ولهما المعنى نفسه يقول الأول إن الحمار الوحشي حيوان أبيض مخطط بالأسود ويقول الثاني أنه حيوان  أسود مخطط بالأبيض! أما إذا حدثت المعجزة، وتم تشكيل حكومة أغلبية سياسية حقيقية تقابلها بالنتيجة معارضة من ذات الطينة فسنكون أمام مشهد سياسي جديد يمكن وصفه بنظام محاصصة طائفية جزئية يشارك فيه قسم من أحزاب النظام ويدفع بالجزء الآخر إلى المعارضة الإسمية. أما ولادة معارضة برلمانية نشطة وذات أهداف مواطنية ووطنية أو قريبة من الخط الوطني الاستقلالي فيبدو أنه بعيد نسبيا عن التحقق في هذه الدورة الانتخابية.  يتبع قريبا.

 

*رابط يحيل الى تسجيل فيدو للقاء مع السيد هادي العامري:

http://www.almayadeen.net/episodes/868308/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%AE%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D8%A9---%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82_02-04-2018/