قصة حياة قاعدة اوكيناوا   تطبيع الخيانة كوجهة نظر

صائب خليل

 


في مثل هذه الأيام بدأت ولادة قاعدة اوكيناوا الأمريكية في اليابان، قبل 63 عاماً، بمجازر متوالية. بدأ الأمريكان احتلال اوكيناوا عام 1945 بقتل 140 ألف من المدنيين بالقصف العشوائي المتواصل وإطلاق النار واغراق زوارق الإخلاء والإعدامات والاغتصابات الجماعية. وقد استعملت قاعدة اوكيناوا لإطلاق الحرب على كوريا وفيتنام، فكانت القاعدة التي تنطلق منها قاذفات ـ (ب 52) التي قصفت فيتنام ولاؤس وكمبوديا، بما يعرف بـ "القصف البساطي".

وفي عملية احتلال اوكيناوا تم تدمير 90% من بنايات الجزيرة وقتل ثلث السكان وتدمير عدد لا يحصى من كنوز الوثائق التاريخية والثقافية. وقد استخدمت قاذفات اللهب لإجبار المدنيين المختبئين في الكهوف على الخروج. وقد فضل الكثير منهم الانتحار لتجنب الاغتصاب والتعذيب. فقد ارتكب الجنود الامريكان ما يقدر بعشرة ألاف جريمة اغتصاب. وفي إحدى القرى في اوكيناوا (موتوبو) اغتصب الجنود الامريكان جميع النساء. وقام الأمريكان بتهجير من بقي من السكان وتدمير المزارع والمباني بواسطة البلدوزرات العسكرية لإخلاء المكان لبناء قواعدهم العسكرية. (1)


اكتب هذا رداً على كتابة أحد "المثقفين" عامر بدر حسون - لمقالة يحاول ان يطرح فيها ضرورة قبول القواعد العسكرية الامريكية باعتبار أن جميع الدول المتقدمة تقبل بها، مؤكداً أن الذين يهتفون بالكرامة والسيادة هم من يرتكب الجرائم مثل جريمة حلبجة!


وأكد حسون أن للقواعد العسكرية الأمريكية "فوائد" أمنية وعسكرية وأخرى أسهب في وصفها ما أتاح له الخيال. وأكد انه لا يوجد في أية دولة حزب رفع شعار إخلاء البلاد من القواعد الأمريكية

إن المستوى الهابط لمنطق السيد حسون يصدم المرء ويشله عن الرد. نستطيع أن نفهم لماذا لم يقل إن عدم تواجد قواعد أمريكية في فرنسا هو السبب في الجرائم المروعة التي ارتكبتها في الجزائر، وأنه اختار جلدنا بـ "حلبجة" مراعاة وتقليداً لمسعود الذي يعيش حسون في ضيافته. لكن كيف تجاهل ان بلد القواعد ذاته هو من أكبر مجرمي الحرب الدوليين على مدى التاريخ؟ ولماذا كان حسون يرفع الشعارات السلمية ويرفع صوت الاشمئزاز بوجه أي توجه عسكري دفاعي عراقي ويتهمه بالتخلف، ثم يكتب هذا المقال في التسبيح للقواعد العسكرية الامريكية وفوائدها الحضارية؟ 


وكيف تبلغ بالإنسان الوقاحة أن يدعي العكس التام للحقائق المعروفة حين قال بانه لا توجد أحزاب مهمة طالبت يوما بإزالة تلك القواعد، في الوقت الذي لا تكاد توجد دولة متقدمة لم تطالب أحزاب أساسية فيها بإزالة القواعد الأمريكية


لقد كتبت نادية عدنان عاكف مقالة مهمة في هذا الصدد(3) تفند خرافة رضا وعشق شعوب الدول للقواعد العسكرية الأمريكية مدعومة (على العكس من مقالة حسون) بالروابط والدلائل
وفي اليابان فاز قبل بضعة سنوات حزب بتبنيه هذا الشعار بالذات، لكن رئيس الحكومة الفائز، استقال لعجزه عن تنفيذ وعده، فقد اكتشف ان بلده مازال محتلاً!(2)


وفي هذه الأثناء تتحرك موجة احتجاجات وتظاهرات في كوريا الجنوبية تطالب باحترام موعد نهاية وجود تلك القواعد فيها في نهاية هذا العام، وربما تكون هذه الحقيقة تفسيرا للتصعيد الأميركي مع كوريا الشمالية، لأن السلام يرفع الحجة عن ضرورة وجود تلك القواعد.


والحقيقة أن العامل الذي يكاد يكون عاماً في العلاقة بين أي شعب في العالم، ودولة أميركا هو التوتر الذي يتسبب به إصرار هذه الدولة العدوانية التي تزرع العالم بقواعدها العسكرية، على إدامة تلك النبتة الناشزة في وطنه، وتضغط على إحساسه بالكرامة


في تعليق لها، تقتبس نادية عدنان النص التالي من مجلة فوربس الأمريكية: قليلون هم الأمريكان الواعون بعمق، مدى الرفض والغضب اللذان يشعر بهما غالبية سكان اوكيناوا اليابانية، تجاه الدور الذي فرض عليهم بعد الحرب العالمية الثانية، عندما استسلمت اليابان عام 1945 وسلمت سيادتها الى قاعدة اوكيناوا. لقد عكف اليابانيون طيلة هذه السنوات على انتخاب المسؤولين الذين يقفون بالضد من بناء اي قواعد امريكية جديدة، مطالبين بشكل دائم بإغلاق قاعدة فوتيناما بأسرع وقت ممكن. وبدلا من ان تشكل القوات الأمريكية حماية لليابان، فإنها تضع اوكيناوا في الجبهة الأمامية في اي سيناريو حرب أمريكية محتملة، باعتبارها أكبر قاعدة عسكرية أمريكية خارج أميركا حيث تحتوي 25 ألف عسكري. وهذا يعرض الجزيرة واليابان الى خطر كبير. ولا يملك سكان الجزيرة ولا اليابانيون أي رأي في تواجد تلك القاعدة على أرضهم


الصحيفة تنقل عن كينيشي اوهما، وهو أحد اهم الكتاب في اليابان قوله "ما يميز الدبلوماسية اليابانية هو انعدام فعاليتها، الى جانب خضوع الخارجية اليابانية وتذللها للولايات المتحدة. يبدو ان المسؤولين اليابانيين قد فقدوا حتى الرغبة بصياغة سياسة خارجية مستقلة، والتوقف عن التصرف كمحظية للولايات المتحدة".


لاحظوا اننا لا نقارن السيد حسون بموقف مجلة يسارية أو كاتب ماركسي أو دولة معادية أو منافسة للولايات المتحدة، بل مع "اهل الدار أنفسهم"، بل الليبراليين البزنز منهم، سواء كان الكاتب او المجلة! يعني أن الرجل كما يقولون "أكثر امريكية من الأمريكان" فالفارق إذن ليس بسبب اختلاف أيديولوجي، بل فقط الفرق في بعض الأمانة من جهة، ومدى الرخص من جهة أخرى


ويجب علينا أيضاً ان ننتبه أن وجود قاعدة أمريكية في اليابان لا يساوي وجود قاعدة في العراق أو أي بلد عربي، مثلما لا تعامل اميركا اليابان كما تعامل العرب من منطلق موقف إسرائيل منهم
عدا ذلك فالسيد عامر يعلم جيدا أن ترمب تحدث بجد وفي أكثر من مناسبة عن ضرورة محاصرة النفط العراقي والاستيلاء عليه! وبالتالي فإن كانت القاعدة في اليابان مهينة فقط، فهي عندنا مهينة وخطرة جداً. ومع ذلك فأن إحساس اليابانيين بكرامتهم أقوى بكثير من إحساس عامر بدر حسون وامثاله، بكرامته وبالخطر على أهله وبلاده، بل واستعداده للكذب الصريح للتمويه على هذا الخطر وتزيينه. سوف يبقى هؤلاء الكتاب من "محظيات" اميركا يكتبون بلا خجل، معتمدين ومطمئنين تماما إلى جهل قرائهم التام بالتاريخ والحاضر، أو إلى إحساس بالدونية يسعون إلى تثبيته وتنميته في أنفسهم وفي الآخرين، من خلال السخرية من عبارات "الكرامة" و "السيادة".


رغم كل ذلك، يكتب السيد عامر انه ليس مع نصب القواعد في العراق (؟؟). والسبب ليس خوفه على العراق من القواعد، إنما خوفه على القواعد من "خبالنا الوطني"! (كما يقول). ويذكرني هذا بكاتب آخر من ذات الطينة هو د. عبد الخالق حسين، حين احتج بشدة على "اتفاقية سحب القوات" مع اميركا باعتبار ان اسمها مهين لأميركا! هذا يرينا الأولويات التي تحكم رأس عامر بدر حسون وعبد الخالق حسين وامثالهما، والمنزلة التي للعراق ولأهل العراق في رؤوسهم


ما فائدة مقالة مفضوحة المغالطات؟ 


لنترك عامر حسون، ونركز على نوع المقالة هذه. إنها ليست من النوع الذي يسعى حقاً لكسب الجدال. فالهدف من مثل هذه المقالات هو طرح "رأي" لا أخلاقي للنقاش، لغرض كسر "تابو" عن موضوع مرفوض بشدة، وبغض النظر عن نتيجة النقاش. مثل ان يعرض أحدهم على امرأة "رأياً" ينصحها فيه بامتهان الدعارة. فأن مجرد مناقشة تلك المرأة لهذا الاقتراح هو موقف مهزوم، ومجرد مناقشة "المنافع" التي تحصل عليها، هو موقف لا اخلاقي، حتى لو كانت تلك المنافع حقيقية. إن الهدف من هذه المقالات هو "أن تصبح الخيانة وجهة نظر"، كما عبر عنه المناضل الفلسطيني الراحل ناجي العلي

إنها ببساطة "فخ أخلاقي" يجب عدم السقوط فيه. وإن كان شعب اليابان شديد الحماس للتخلص من تلك القواعد ولا يستطيع، فكيف سيكون الحال لدينا في المقبل من الأيام مع قواعد لدولة تدعم داعش وتنتخب رئيسا يعلن صراحة نيته في محاصرة نفط العراق والاستيلاء عليه! لذلك علينا ألا ننسى هذه الحقائق، وفي ردنا على مثل هذه المقالات، أن نحرص على حرمانها من تحقيق أهدافها: ألا نسمح أن تكون الخيانة وجهة نظر يتم مناقشتها، بل يجب استهجانها وردها، ليس بالحقائق فقط، إنما أيضاً بإبداء الاشمئزاز والاحتقار الذي تستحقه هي ومن يلقي بها علينا، كما يفترض بامرأة محترمة أن ترد على "قواد" يقترح عليها الدعارة. فدعارة الأوطان أن تزرع فيها قواعد اجنبية، خاصة إن كانت عدوانية معادية

 

(1) Imperialism and Dependency Studies - Posts

https://www.facebook.com/permalink.php?story_fbid=2074272336153098&id=1727714210808914

(2) Japan: Mass protest against US base on Okinawa

http://www.wsws.org/en/articles/2010/04/japa-a29.html

(3) - Nadia Adnan Akif

https://www.facebook.com/nadia.a.akif/posts/10216135317843542