كيف اقر الفاسدون قانون النفط الوطنية إن كان يسلبهم ميزاتهم؟

صائب خليل

 

 

8 نيسان 2018

في محاضرة له عن الحرب الباردة، يذكر المؤرخ الهولندي مارتن فان روسم أنه بعد نهاية الحرب العالمية الثانية مباشرة، وفي عام 1946 بالتحديد، كتب الدبلوماسي الذي سيشتهر لاحقاً، جورج كنان ودبلوماسيا ثانياً في سفارة أميركا في الاتحاد السوفيتي، برقية لوزارة الخارجية الأمريكية، عرفت لاحقاً بـ "البرقية الطويلة". يصف كنان في جزء منها شرور إمبراطورية الاتحاد السوفيتي وقادتها الذين يهدفون الى احتلال العالم وتدميره، وفي جزئها الثاني يصف الاتحاد السوفيتي بأنه الدولة الضعيفة في كل النواحي وغير القادرة على تنظيم عملياتها وبأن السوفييت سوف يتراجعون أمام أي تهديد باستخدام القوة.

يتساءل روسم ساخراً كيف يمكن لبلد يدرك ضعفه وينسحب امام أي تهديد باستعمال القوة، أن يهدف إلى احتلال العالم؟

كثيرا ما يقع في مثل هذه المفارقة كل من يخفي نوايا مختلفة عما يعلن، فيضطر إلى الجمع بين صورتين لا تجتمعان، ويأمل ان لا ينتبه إلى المفارقة أحد. وفي مثل هذه المفارقة وقع اللوبي الذي دفع بقانون شركة النفط الوطنية.

فهذا اللوبي يستند لتبرير قانونه إلى نظرية "الفساد الكامل للحكومة ومجلس النواب"، فيشرح أن اخراج 10% من ميزانية الدولة هو إنقاذ لها من يد الساسة الفاسدين بلا أمل، وبالتالي هو تقليل للفساد بمقدار 10%. وبما أن القانون يطمح إلى رفع تلك النسبة مع الزمن، كما جاء في بعض مقولاتهم، فسوف نقضي على الفساد تدريجياً. وحتى حين كشف ان "صندوق المواطن" الموعود، لا يعطي المواطن أكثر من مبلغ بحدود 30 دولارا في العام، كان الشعار السائد هو: أي شيء يخرج من الحكومة الفاسدة هو مكسب! فنظرية "الفساد الكامل" مركزية لتبرير اعطاء صلاحيات مهولة لشركة، يفترض معدو القانون أنها، بقدرة قادر، ستكون مختلفة، رغم اارتباطها بمجلس الوزراء مثل الوزارات تماما.

هذه النظرية متفق عليها استراتيجيا من الرباعي على قمة هرم لوبي الشركة في ترويج القانون وكأنه توجيه مركزي.

يكتب عادل عبد المهدي في مقالة له بعنوان "صندوق الاجيال.. ترف ام ضرورة؟": "ولابد من التوقف عن التخفي وراء الدولة وكأنها الحامية للثروة النفطية، والمحاربة للفساد والمحاصصة، وتبرأتها وكأنها ليست المسؤولة الاولى والاساسية عن دمار البلاد وهدر الاموال واستنزافها في الحروب والنفقات الطائشة والمديونية والعجز وتدمير القطاعات الحقيقية." (1(

ويحذر الدكتور إبراهيم بحر العلوم من الشياطين الذين اسماهم "المؤمنون بالاقتصاد الريعي" والذين سيسعون للطعن بقانون النفط الوطنية.(2(

ويكتب الثالث، النائب عدنان الجنابي(3) "يتصارع النواب، ومعهم الفاسدون في السلطة التنفيذية، على النهب من ريع النفط واقتسام "الكعكة".... بفضل القانون فان المواطن (ونوابه) بعد اليوم سوف يتسابقون في زيادة حصة "صندوق المواطن" وتقليل "ضريبة" الحكومة، ومن ثم متابعة ومحاسبة السلطة التنفيذية."

 وفي مكان آخر يشير الجنابي الى ان اقرار الشركة هو قضاء على الفساد لبعض النواب (4(

واخيراً النجم الصاعد بمحرك نفاث لا يعلم الا الله من اين يأتي بقوة دفعه، المهندس الشاب مصطفى جبار سند، والذي يظهر في كل الصور بشكل أكثر أهمية من كل الوزراء والنواب وحتى رئيس منظمة الأوبك، يكتب على صفحته على الفيس: من المتوقع ان عملية تغيير جذرية في اقتصاد الدولة العراقية، لا يمر بسهولة بسبب كون الطبقات القديمة المتمركزة المستفيدة من الدولة المركزية القابضة على كل شيء، هذه الطبقة ستخسر مكانتها الاجتماعية والاقتصادية وستخسر مادتها وخبرتها التي تعتاش عليها"(5(

إذن المجموعة كلها تعلن بشكل واضح أنها في سبيل القضاء التدريجي على الفساد والفاسدين الذين يسيطرون على الدولة تماما. لكن الغريب أن هذا الفساد المتغول، الذي طالما أجهض كل المحاولات السابقة للتحرش به، لم يبد أي حراك للدفاع عن نفسه ومكاسبه بوجه هذه القوة "الوطنية" التي تعلن انها جاءت للقضاء عليه! أين المؤمنون بالاقتصاد الريعي وإلههم مهدد بالفناء؟ وكيف فشلت تلك القوى "المسؤولة الاولى والاساسية عن دمار البلاد" في "التخفي وراء الدولة" هذه المرة أو استخدام تلك الدولة لدرء الخطر عن مصالحها؟ ولماذا صوت النواب، ومعهم الفاسدون في السلطة التنفيذية الذين كانوا يتصارعون على النهب من ريع النفط واقتسام الكعكة".. على قانون يعلمون انه سوف يأكل "كعكتهم"؟ كيف يقر الفاسدون الشركة، إن كان "اقرار الشركة هو قضاء على الفساد لبعض النواب"؟ تخيلوا معي طبقة كاملة "ستخسر مكانتها الاجتماعية والاقتصادية"، دون ان تبدي أية مقاومة أو اعتراض! بل هي التي صوتت على القانون وطبلت له!!

إذا كان الأكثرية في مجلس النواب يؤيدون "قرارا وطنيا" يقضي على الفساد، فهذا يعني ان "أكثرية نواب المجلس" ليسوا فاسدين! وفوق ذلك ان كل أو غالبية لجنة الطاقة والنفط البرلمانية شديدي الحماس للقانون الذي سيقضي على الفساد، كما ان وزارة النفط تهنئ الشعب العراقي به، فوزارة النفط واللجنة غير فاسدين!

لو لاحظنا الهوية السياسية لمعظم اللوبي لوجدنا أنها تعود إلى المجلس الأعلى والعراقية كقيادة، مع مؤشر أن تشاركها الكتلة الكردستانية من وراء الكواليس (باستثناء عقود كردستان من المراجعة رغم انها أفسد العقود بلا منازع). فإن كان القانون يحارب الفساد، فيجب ان نقر أن الكتل ذات القطط السمينة المعروفة بالتخمة من الفساد، هي في الحقيقة الملائكة التي تحاول جهدها ان تنقذنا من الفساد! أليست هذه "افلام" هندية؟

هل حقا أن المجلس الأعلى، وكر الفساد الأعلى بشهادة ثراء باذخ سريع، المجلس الخالي من أي شريف، يقود حرباً على الفساد؟ هل تتخيلون من جيء به في حكومة العبادي خصيصاً ليسلم النفط لكردستان ويوقع اتفاقية معها خلال ساعات، وهو لا يعرف تمييز النفط من الماء، إنسان شريف؟ هل يختار الأمريكان شريفاً كوزير للمالية في عهد أفسد حكومة، وليلعب دوراً اساسيا في تسليم كردستان حصة الـ 17% سيئة الصيت، إنسان شريف يستميت من أجل قانون يحارب الفساد؟ هل من يتبادل الغزل مع أياد علاوي وعلاقته الحميمة معه...يجاهد ضد الفساد؟ (6(

... . عادل عبد المهدي الذي جاء لوزارة النفط محملاً بمشروع إعادة العراق الى علاقات النفط ما قبل عام 1958 كما قال بنفسه.. هذا الرجل، يستميت اليوم، مع بحر العلوم وبقية حيتان المجلس من اباطرة المال، من اجل سن قانون "يقضي على الفوارق الطبقية"! وفي إحدى منشوراته يقول صاروخ اللوبي مصطفى جبار أن الدبوس وعده بان أعضاء المجموعة البرلمانية لكتلة العراقية سيصوتون جميعا لصالح القانون! وهذا يذكرنا بالذات بالفساد الخاص بالكتل الكبيرة حيث يتكلم قيادي الكتلة نيابة عن كل بقية النواب، الذين ليس لهم دور سوى دور قطيع من الغنم يجلس على المقاعد ويرفع يده مثلما يفعل رئيس الكتلة!

إذن الكتلة الأشد فساداً وثراءاً، تتحمس لما يقضي على امتيازاتها، وتستخدم ذات الأساليب الفاسدة للدفاع عنه! عجباً، ثم عجباً! 

لكن هناك نظرية أقل عجباً، وأكثر انسجاما مع ما نعرفه عن تاريخ رؤوس اللوبي من القطط السمينة والتابعين المقربين جدا من السفارة والشركات: إن المشروع لا يعيد للشعب نفطه، ولا يهدف للقضاء على الفقر ولا الفوارق الطبقية، ولا كل المسرحيات التي تسخر من عقولنا، إنما هي مؤامرة لسلب الشعب العراقي ما تبقى من نفطه! إنها مؤامرة كلف بها أسفل الفاسدين في العراق من قبل عصابات النفط والمال الدولية، لوضع ثروة البلاد في "شركة" لكي يمكن بيعها بشكل أسهم في لحظة مناسبة، ليشتري بعضها عبد المهدي وبحر العلوم، ويهدى بعضها بطريقة ما، لعدنان الجنابي الذي تم تكريمه قبل أيام من قبل معهد نفطي امريكي مشبوه، ولـ "الطفل المعجزة" مصطفى، وليعين وزير النفط لعيبي، الذي كان يعمل لسنوات طويلة في شركة نفط عملاقة قبل ان يضعونه وزيرا، رئيساً للشركة، فالمنصب وشروطه مفصلة على حجمه بالضبط. في اللحظة المناسبة سوف يعلنون اكتتاب أسهم الشركة ويقدمون ذلك ايضا بمسرحية "إعادة نفط الشعب للشعب" على اساس ان "الشعب" هو من سيشتري تلك الاسهم!

هذه هي النظرية الأخرى، وهي لا تتطلب منا ان نؤمن بمعجزة حولت حيتان المجلس الأعلى والعراقية إلى ملائكة تناضل من اجل القضاء على ميزاتها بالقضاء على الفوارق، ومجلس النواب الغارق في الفساد يصادق! إنه تآمر جديد لذات العصابات القديمة وهجمة هي الأقوى لتقاسم ما بقي للشعب من مصدر حياة وتنفس!

قد تبدو "نظرية مؤامرة" متشائمة لكنها بالتأكيد أسهل تصديقاً من قصص الأطفال التي تريد منا أن نصدق خرافات لذيذة عن لص يلعب دور روبن هود، وأن نحسب أن 30 دولاراً في العام كفيلة بالقضاء على الفقر الشديد!

ليختر كل مواطن ما يراه قابلا للتصديق وفق خبرته وتحليله، وليتخذ موقفه على أساس ذلك!

 

(1) عادل عبد المهدي صندوق الاجيال.. ترف ام ضرورة؟

https://www.facebook.com/Adil.Abd.Al.Mahdi1/posts/1880636338667564

 (2) بحر العلوم: المؤمنون بالاقتصاد الريعي يسعون للطعن بقانون شركة النفط الوطنية

 http://www.almaalomah.com/2018/03/29/295623/

(3) قانون شركة النفط الوطنية ثورة على الدولة الريعية / عدنان الجنابي

 http://www.iraqicp.com/index.php/sections/orbits/2830-2018-03-27-19-23-24

 (4) قانون شركة النفط الوطنية العراقية بين الرفض والقبول

https://rawabetcenter.com/archives/64631

 (5) هذا ما يحصل - Mustafa Jabbar Sanad

https://www.facebook.com/mustafa.jabbar.sanad/posts/1658587257518167

 (6) عادل عبد المهدي يتغزل بعلاقته بأياد علاوي

https://www.facebook.com/Adil.Abd.Al.Mahdi1/posts/1875540575843807

 

 

محضر جلسة التصويت على قانون شركة النفط الوطنية

http://ar.parliament.iq/2018/03/05/محضـر-الجلسـةرقـم-14-الأثنين-5-3-2018-م/