مسيرة العودة الفلسطينية

كاظم الموسوي

 

 

منذ أكثر من أربعة عقود من الزمن تخرج الجماهير الفلسطينية في كل تواجد لها، داخل فلسطين وخارجها، لتجدد تمسكها بحقها في أرضها فلسطين، كل فلسطين، وتحتفل بذكرى اليوم الذي سمته باسم يوم الارض، وتضيف عليه هذا العام اسم مسيرة العودة الكبرى، ليصبح يوم الارض في الثلاثين من آذار/ مارس هذا العام يوما اخر للعودة واقرار هذا الحق وتفعيل القرار الذي حمل عنوانه ومعناه، وتسجيل إرادة شعب لن ترهبها طائرات الكيان الإسرائيلي ولا رصاصه الحي ولا قناصيه المدججين بأحدث الأسلحة.

قام الشعب الفلسطيني اكثر من مرة، وبدعم من حلفائه الحقيقيين، من حزب الله في لبنان ( في ذكرى يوم النكبة عام 2011) ومسيرة القدس عام 2012  وتجديدها في الأعوام التالية ( من شمال فلسطين، عبر الحدود مع لبنان والجولان السوري) قام بمسيرات شعبية سلمية للعودة واجتياز حواجز الاحتلال وكسر الصمت والتواطؤ الرسمي، واليوم تتصاعد الهبة الشعبية حاملة اسم المسيرة الكبرى، من كل حدود فلسطين، ومن ارضها في الجنوب، من غزة، مجددة المبادرات وعازمة على المضي حتى العودة والتحرير والاستقلال.

تؤكد جماهير الشعب الفلسطيني انها تحمل طيلة عقود نكبتها مفاتيح بيوتها وخرائط ديارها وان يوم عودتها مسجل في ضميرها وعبر أجيالها. لا تنسى ولا تهدأ يوما. قرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية ومنها القرار 194  الذي يقر علنا باسم العودة للديار تدفع بالإتجاه وتعلم المسيرة وتخطط الطريق، إضافة لادراكها بحقها الإنساني والطبيعي.

في ظل الظروف المركبة التي تحيط بالشعب الفلسطيني تعطي فكرة المسيرة واجراءاتها وما أقدمت عليه والدماء التي روّت تراب فلسطين عزم الشعب الفلسطيني والرد على معاناته وقسوة ما يحاك ضده ويخطط له. فالمسيرة  في هذا العام وفي ذكرى يوم الارض رد واضح على قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باعتبار القدس عاصمة الكيان الصهيوني وانهاء او تصفية القضية الفلسطينية برمتها عبر ما تسميه وسائل الاعلام بصفقة القرن او صفعة القرن. وهي في كل الاحوال صرخة غضب فلسطيني واضحة واعلان قاطع في رفض كل ما تسعى إليه سياسات الولايات المتحدة الأمريكية ومؤامراتها في فلسطين والمنطقة.

كما تبين هذه الموجة الجديدة من انتفاضة الشعب الفلسطيني المستمرة إصراره على المطالبة بحقوقه المشروعة وتحرره الوطني من الاحتلال الصهيوني وبناء دولته واستقلاله وحريته كاي شعب آخر في العالم. وما يقدمه من تضحيات جسيمة يؤكد استعداده الكامل للتضحية في سبيل حقوقه وعدالة قضيته وفضح الاستعمار الاستيطاني وحلفائه والتخادم معه، سواء من دول في المنطقة أو من الدول التي تتلاعب بدجلها السياسي في اعلاناتها عن دفاعها عن حرية الشعوب وحقوق الإنسان والديمقراطية وتمده بوسائل القهر والاستيطان والتدمير والعدوان.

كانت اللجنة التنسيقية لمسيرة العودة الكبرى قد أعلنت في بيانها الأول؛ "بزوغ فجر العودة إلى الديار، وأن حراكا جماهيريا قد انطلق وسيتصاعد لينسج خيوط العودة من آمال شعبنا المشرّد، ومن تضحيات شهدائنا وأسرانا وجرحانا، ومن نضالات شعبنا عبر مسيرة الكفاح الممتدة، وعبر مسيرة العودة عام 2011، وعبر المسيرة العالمية للقدس عام 2012". وذكر البيان أنّ حرب عام 1948 توقفت منذ سبعين سنة، ولم يعد هناك أي مبرر لبقاء اللاجئين بعيدين عن ديارهم، مذكراً بالقرارات الدولية التي صدرت وأبرزها قرار 194 القاضي بعودة اللاجئين، مشيرا في الوقت نفسه إلى انّ القرار الآن أصبح لهؤلاء اللاجئين، وهم من سيمارسون حق العودة بطريقة سلمية متى أرادوا.

ولفت البيان إلى أنّ اللاجئين لم يبتعدوا كثيرا عن ديارهم، بل لا تفصل بعضهم عن أرضه سوى عدة مئات من الأمتار، أو مجرد سياج شائك، وقد جاء أوان العودة، مؤكداً أنّ "أراضي اللاجئين وقراهم ومدنهم وبلداتهم لا زالت تنتظرهم، لم يسكن بعضها أحد منذ النكبة، ومفاتيح بيوتهم وأوراق ملكياتهم لا زالت بأيديهم".

أكدت الجماهير الفلسطينية انها لن تتخلى عن حق عودتها مهما طال الزمن او تعقدت الاحوال. وهذه المسيرة تثبت ذلك وترسم الآفاق. صمودها او اقدامها على الاستمرار في مسيرتها الكبرى يقدم للجميع ولاسيما للدول الغربية عدالة القضية الفلسطينية وحقوق شعبها المشروعة وقرارات الشرعية الدولية والاتفاقات المعروفة في مثل هذه الشؤون التي بقيت وحيدة في تاريخ الاستعمار والاستيطان واللجوء والهجرة. ولهذا تعبر المسيرة الكبرى عن تمسك الشعب الفلسطيني بحقوقه، في حريته وكرامته واستقلاله وأمنه وسيادته على أرض وطنه، فلسطين، بكل حروفها، من إلفاء الى النون.

ممارسات الاحتلال ضد المسيرة السلمية الشعبية تواصلت بوحشية كاملة، واستشهاد وإصابة المئات من المشاركين في المسيرة الكبرى توضح طبيعة العدو الصهيوني و تكشف ممارسته الوحشية عنوانه السياسي ودوره الإجرامي في المنطقة أمام العالم. وليس الفضح هذا جديدا ولكنه تأكيد على دلالة الاحتلال وممارسته لاساليبه في القتل والتدمير والتقييم والاضطهاد والحرمان. وما تكشفه وسائل الاعلام عن يوميات المسيرة الكبرى يجدد حقيقة الاستعمار الاستيطاني وضرورة استمرار حركة التحرر الوطني. وهذا الامر يتطلب ايضا من جماهير الشعب الفلسطيني شحذ وعيها لمهماتها الراهنة وتحديد شروطها، التي تبدأ بوحدة قواها وفصائلها وتنظيم طاقاتها وجهودها والانطلاق بالمبادرات التي تتراكم في تاريخ نضالها الوطني ومسيرتها الشعبية المتواصلة من ايام النكبة الكبرى الى مسيرة العودة الكبرى.

دماء الشهداء وجراح المشتركين في تنفيذ المسيرة تتقدم كمشاعل طريق طويلة للتحرر، وتتجاوز حسابات الهدر، كي لا تذهب هدرا، بل تكون كما هي تعبيرا عن خيار وإرادة واصرار على المقاومة، مهما كانت ومهما تكون. لان القضية والأهداف اكبر والامال اعظم في هذه الظروف والإمكانات الراهنة والتعقيدات المتلازمة. ولابد من العمل على استخدام كل وسائل المقاومة والردع دون تردد في حالة ضرورتها وتطورها وتمكنها من أجل التحرر الوطني والانجاز الشعبي القادر على تحقيق الأهداف الوطنية المشروعة. ودروس هزيمة العدو الصهيوني في حروبه التي شنها منذ سبعين عاما تضيف لدروس المسيرة عزيمة اكبر واقرارا بالنصر وبشائره القادمة والوعد الحق فيها.