بولتون والعرب

كاظم الموسوي

 

 

يوم 2018/4/9  ذكرى احتلال بغداد عام 2003 يستلم جون بولتون منصبه الجديد، مستشارا للأمن القومي بقرار الرئيس الامريكي دونالد ترامب، وهو أحد مهندسي وداعمي غزو واحتلال العراق. وكنت قد كتبت هذا المقال عنه ونشر في  16/4/2005 ، قبل 13سنة، واعيد نشره الان للاطلاع.    

اثار  اختيار الرئيس الأمريكي بوش الابن لجون بولتون إلي وظيفة سفير الولايات المتحدة في الأمم المتحدة استياء العديد من الدبلوماسيين الأمريكيين قبل غيرهم من المتضررين سابقا من عمل بولتون أو مستقبلا. من هو جون بولتون ولماذا تم هذا الاختيار وهذا الاحتجاج عليه؟.

يعد بولتون أحد أبرز زعماء المحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية، وقد عبر وهو المحامي، وخريج جامعة ييل الأمريكية، دارسا الحقوق فيها، عن استهزائه بالقانون الدولي وبعمل ومواثيق المنظمات الدولية، خاصة الأمم المتحدة، وبالمحكمة الجنائية الدولية وميثاق روما لها، ولديه أقوال وآراء مشهورة فيها. وخدم في الإدارات المختلفة موظفا بامتياز لتنفيذ المصالح الأمريكية والإسرائيلية، وقبول كل تكليف له بغض النظر عن مستواه الإداري، وسجله في القضايا الدولية والمتعددة الأطراف التي تعامل معها مزعج ومشهود له بنهاياتها المريحة للاستراتيجية الإمبراطورية، كما أشار العديد من المحللين السياسيين الأمريكيين خصوصا.

شغل العديد من الوظائف المساعدة لوزير الخارجية، وآخرها في قضايا الحد من التسلح والأمن الدولي، وقد اعترض وزير الخارجية السابق الجنرال كولن باول على تعيينه، ولكن الوزيرة الحالية الدكتورة رايس، لم توافق وحسب وإنما قدمته كرجل من مساعديها الجدد في إدارة جانب مهم وحساس من السياسة الخارجية للولايات المتحدة. وفي تقديمها له ذكرت ما قاله رئيسها بوش في اجتماع الجمعية العامة في ايلول/ سبتمبر الماضي من رغبة بلاده في تمتين العلاقة مع الأمم المتحدة وتعاونها مع أعمالها وتمني النجاح لمهماتها كأساس مهم في الدبلوماسية الأمريكية. وبعد حديث صار متكررا عن أعمال بلادها في نشر الحرية والديمقراطية في العالم، لاسيما في ما يسمونه غربيا الآن بالشرق الأوسط الكبير، وذكرت أسماء بلدان متعددة، لو شرحتها لوقعت في تناقض مع ما تدعيه ووقائع الأحوال فيها، ولكنها وهذه ضمن إطار سياستها الجديدة تعتمد على الصورة التلفزيونية لما تريده واشنطن منها والإيحاء بها أمام العالم، سواء كانت لها يد فيها أو الادعاء بنتائجها. وعند وصولها لتقديم السفير الجديد الذي رشحه رئيسها بوش وصفته بالخبير والدبلوماسي البارع، والشخص المناسب لمهمته في الأمم المتحدة. وأفادت بأنها مع الرئيس بوش اختارا جون بولتون لهذا المنصب لأنه يعرف من أين يؤكل الكتف فيها. وعددت مناقبه في تشكيل تحالفات دولية لخدمة مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وتنفيذ سياساتها.

ما يهم العرب منها ما ذكرت من نجاحاته فيما قام به في التفاوض مع ليبيا لتجريدها من مشاريعها في بناء أسلحة دمار شامل، وفي عمله المستمر لتغيير المنظمة الدولية وادانة عمل وكالاتها ومنظماتها المتعددة التي تقدم خدمات انسانية عامة. والقضية الأخرى الأساسية هو ما قام به عام 1991، حيث كان مفتاح ومخطط الحملة وراء إلغاء قرار الأمم المتحدة رقم 3379 الذي يعتبر الحركة الصهيونية حركة عنصرية. ومن بعدها عمل خلال فترة 1997- 2000 مساعدا لمبعوث الأمين العام للأمم المتحدة، وزير الخارجية الأمريكي السابق جيمس بيكر، في قضية الصحراء الغربية.

وفي رده الدبلوماسي على تقديم الوزيرة أعاد تذكيرها بسجله الحافل بمساهماته في المنظمات الدولية وقضايا التعاون والحد من التسلح والأمن الدولي ونقده لسياسات الأمم المتحدة ومنظماتها التي تنتقد الولايات المتحدة باستمرار، ومواقفه منها، ولاسيما قرار عام 1975 الذي ساوى بين الصهيونية والعنصرية وعمله على إلغائه، الذي به مسح اعظم وصمة لحقت بسمعة الأمم المتحدة، كما قال حرفيا.

لماذا كرر بولتون ورايس هذه القضية، التي تهم العرب أساسا، ونضالهم المشروع من اجل حقوق الشعب الفلسطيني العادلة وقرارات الأمم المتحدة، الشرعية الدولية المعترف بها؟. بالعودة إلي القرار وكيفية إصداره تعرف الإجابة عن السؤال وعن مستقبل غيره من الأسئلة المشابهة التي سيقوم بها بولتون في منصبه الجديد.

 

القرار 3379 صدر عن الأمم المتحدة في 10 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1975 اقر اعتبار الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري. بالاستناد إلي قرارات سابقة أصدرتها المنظمة عام 1963 داعية إلى القضاء على كل أشكال التمييز العنصري، وقرارها عام 1973 الذي أدانت فيه في جملة أمور التحالف الآثم بين العنصرية والصهيونية، وإعلان المكسيك بشان مساواة المرأة ومساهمتها في الإنماء والسلم عام 1975 والذي أعلن المبدأ القائل بان "التعاون والسلم الدوليين يتطلبان تحقيق التحرر والاستقلال القوميين، وإزالة الاستعمار والاستعمار الجديد، والاحتلال الأجنبي، والصهيونية، والفصل العنصري والتمييز العنصري بجميع أشكاله، وكذلك اعتراف بكرامة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها". ومعتمدة على ما صدر من دورة رؤساء دول وحكومات الوحدة الأفريقية في آب/ أغسطس 1975 والذي رأى أن: "النظام العنصري الحاكم في فلسطين المحتلة والنظامين العنصريين الحاكمين في زيمبابوي وجنوب أفريقيا ترجع إلى اصل استعماري مشترك، وتشكل كيانا كليا، ولها هيكل عنصري واحد وترتبط ارتباطا عضويا في سياستها الرامية إلى إهدار كرامة الإنسان وحرمته". وكذلك الإعلان السياسي واستراتيجية تدعيم السلم والأمن الدوليين وتدعيم التضامن والمساعدة المتبادلة فيما بين دول عدم الانحياز اللذين تم اعتمادهما في مؤتمر وزراء خارجية دول عدم الانحياز في أغسطس 1975 واللذين أدانا الصهيونية بوصفها تهديدا للسلم والأمن العالميين وطلبا مقاومة هذه الأيديولوجية العنصرية الإمبريالية". ولهذا عمل بولتون إلى إلغاء هذا القرار في 16 ديسمبر عام 1991، وهنا لابد من التساؤل عن معنى هذا العمل ووصفه وتوقيتاته والانتباه لها ولما وراءها من دلالات سياسية وتاريخية. أليس هذا الإلغاء حاملا لأكثر من معنى وعلى اكثر من صعيد، ولماذا هذا القرار بالذات؟. لاشك في معرفة سيرة حياة ومواقف الذي يحتفي بتعيينه في هذا المنصب وما قدم به وعلى أساسه اختير لهذا الموقع المباشر والمؤثر على مصير المنظمة الدولية وميثاقها وقراراتها، تعكس دلالات عديدة، بل ولها معاني خطيرة وأبعاد أخرى، ليس اقلها أنها تنذر بعواقب شديدة وربما تأثيرات على مصائر شعوب، لا قرارات وحسب. فهو كما وصف بأنه حاد في أحكامه ويُحل الحرام ويحرم الحلال، كما يوصف، وإذا كان هذا موقفه من المنظمة ومن قراراتها فماذا يمكن التوقع منه ومن مواقفه من قرارات أخرى متواصلة مع قرار إدانة الصهيونية وتعريفها واستغلال التغيرات في موازين القوى واغتنام الفرص في إلغاء أو تحوير قرارات الأمم المتحدة رغم كل الملاحظات والاحتجاجات على ازدواجية المعايير في التعامل مع بعضها وبعض تطبيقاتها مع بعض البلدان، وفي خصوص العرب ماذا عليهم أن يتوقعوا من هذا الرجل وماذا يتوجب عليهم من استعدادات لإنجازاته القادمة؟!.