سرية عقود وزارة النفط ومخالفتها للتوجيهات؛ لماذا ولمصلحة من؟

احمد موسى جياد

 

تستمر وزارة النفط وباصرار، منذ التعديل الوزاري الاخير في شهر اب 2016 ولغاية اليوم، على تجاوز تعليمات مجلس الوزراء وعدم الالتزام بها، كما وانها تنكث حتى بتعهداتها وتناقض التزاماتها وممارساتها السابقة مما يدلل على استمرار  السياسة المناوءة للشفافية في الصناعة النفطية؛ فلماذا وبتوجيه من ولمصلحة من؟

تعتمد هذه المساهمة  على شواهد وأدلة ومعلومات رسمية تتعلق بمجموعة من العقود والالتزامات وكما مدون ادناه.

اولا: عقود استثمار الغاز المصاحب

بموجب متطلبات قرض البنك الدولي لتقليل حرق الغاز المصاحب فقد اقترحت وزارة النفط على مجلس الوزراء (بموجب المراسلات السرية 686 في 2/11/2017  و 713 في 19/11/2017  ومرفقاتها) ما يلي:

" تقوم وزارة النفط بتنفيذ اجراءات احالة عقود معالجة الغاز الطبيعي ( SNG PCS ) فيما يخص الغاز المصاحب على ان يتم احالتها لمستثمرين مؤهلين من خلال مناقصة تنافسية وشفافة تلتزم بافضل المعايير الدولية"  و "لمصلحة الشعب العراقي"

وقد صادق مجلس الوزراء بموجب قراره رقم (51 ) بتاريخ 30 كانون ثاني 2018 على مقترح الوزارة اعلاه وألزمها بتنفيذه.

ان مقترح الوزارة ومصادقة مجلس الوزراء عليه يتضمن من النواحي العملية والقانونية والاجرائية المباديء والخطوات الاساسية الملزمة التالية التي يجب الامتثال لها في كل عقد :

1-  ان تقوم الوزارة باعداد نموذج (او نماذج) العقود الخاصة بالموضوع وحقيبة المعلومات ووثيقة وشروط المناقصات المعنية؛وان تقوم الوزارة باعلان هذه الوثائق بشكل كامل؛ 

2-ان تقوم الوزارة بتحديد ودعوة وتقييم واعلان اسماء "المستثمرين المؤهلين"؛

3-ان تكون هناك "مناقصة" عامة يتم الاعلان عنها بشكل واضح ووفق جدول زمني محدد؛

4-ان تتم جولة "التنافس" بين "المستثمرين المؤهلين" الرغبين في تنفيذ المشروع المعني بشكل مفتوح وفي يوم يعلن عنه مسبقا وبوقت كافٍ ويتم تغطية التنافس بواسطة وسائل الاعلام وتعلن نتائج المنافسة على الموقع الالكتروني للوزارة وغيرها ؛

5-اعتماد الشفافية الكاملة بكل ما يتعلق في اي عقد وذلك بنشر وتوفير كافة المعلومات ذات العلاقة بالمشروع المعني والشركات المؤهلة واعلان المناقصة ومسودة نموذج العقد و الشروط الاساسية التنافسية والتي يتم بموجبها اختيار افضل المتنافسين؛

6-على الوزارة ان تحدد وبشكل علمي ومهني وتخصصي الى اكبر حد ممكن ما هي "افضل المعايير الدولية" التي يجب الالتزام بها وما هي المؤشرات وقياساتها والمصادر التي يسترشد بها اضافة الى ضرورة تأكيد المبدأ العام الذي يلزم المستثمر باتباع "افضل المعايير الدولية"؛

7-على الوزارة ان تبين وبشكل علمي ومهني وبموجب حسابات الجدوى الاقتصادية كيف ان احالة المشروع الى المستثمر يمثل افضل بديل لخدمة مصلحة الشعب العراقي.      

في الواقع والممارسة العملية لم تلتزم وزارة النفط بمقترحاتها ولا بتوجيهات مجلس الوزراء ولم تقم باي من المؤشرات او الالتزامات السبع المذكورة اعلاه، وكما موضح في المثالين التاليين:

عقد اًستثمار الغاز المصاحب لحقلي الغراف والناصرية مع شركة بيكر هيوز

أعلنت وزارة النفط، في 2 نيسان 2018 عن توقيعها عقداً مع شركة بيكر هيوز أحد الأذرع المهمة لشركة جنرال الكتريك الأميركية لاستثمار الغاز المصاحب لحقلي الغراف والناصرية في محافظة ذي قار.

والغريب في الامر ان الوزارة سبق وان اعلنت عن توقيع نفس العقد لنفس المشروع مع نفس الشركة الامريكية وذلك في 13 تموز 2017!؟

والاغرب ان هذا العقد قد تم مناقشته والاتفاق علية بشكل سري وخلف الابواب المغلقة وبذلك لم تقم وزارة النفط بالالتزام باي من الاسس السبعة المذكورة سابقا.

مذكرة تفاهم مع شركة اوريون الامريكية لاستثمارالغاز في حقل نهر بن عمر

وقعت الوزارة مذكرة تفاهم مع شركة اوريون الامريكية يوم 22 كانون ثاني 2018  لاستثمار الغاز في حقل نهر بن عمر في محافظة البصرة بحضور وزيرالنفط والسفير الامريكي في بغداد دوكلاس سيليمان وعدد من المسؤولين في الوزارة والامانة العامة لمجلس الوزراء.

وكما هو الحال مع عقد بيكر هيوز لم تلتزم الوزارة بأي من الاسس المذكورة اعلاه؛ والغريب ان مجلس الوزراء لم يعترض على تجاوز الوزارة لتوجيهات المجلس ذاته؛ والغريب ايضا ان البنك الدولي لم يعترض لحد الان على انعدام الشفافية والتنافسية التي اصر عليهما ضمن ضوابط تقديم القرض المقدم من قبله لهذه المشاريع. ربما لان الامر يتعلق بشركتين أمريكيتين!!!!!

ثانيا: عقود جولة التراخيص الخامسة

ارسلت  دائرة العقود والتراخيص البترولية الى الشركات المؤهلة  يوم الجمعة 13 نيسان 2018  ، وثيقة المناقصة النهائية وشروط المناقصة ونموذج لعقدين، الاول يشمل استكشاف وتطوير وانتاج الرقع الاستكشافية، والنموذج الثاني يشمل عقد تطوير وانتاج. علما ان عدد الشركات المؤهلة التي اشترت حقائب المعلومات (14) شركة من جنسيات مختلفة وذلك حسب اعلان وزارة النفط.

وعند طلب نسخ من " وثيقة المناقصة النهائية وشروط المناقصة ونموذج العقدين"  كان جواب دائرة العقود كما يلي:

"العقود التي تم إرسالها الى الشركات هي جزء من حقيبة المعلومات التي حصلت عليها الشركات بعد ان دفعت كل منها الرسوم المقررة ،وبعد توقيع اتفاقية سرية المعلومات وفِي الوقت الحاضر تعتبر تحت السرية لحين تنفيذ عملية التنافس واستلام عروض الشركات وإعلان الفائزة بالعقود حيث يمكن بعدها نشر العقود"

تعقيبا على اجابة دائرة العقود لابد من القول ان "توقيع اتفاقية سرية المعلومات " من قبل الشركات التي اشترت حقيبة المعلومات صحيحة وملزمة وضرورية من النواحي القانونية والعملية؛ لان كل حقيبة تتضمن معلومات خاصة بالرقعة او الحقل المعني وعليه لابد من حماية تلك المعلومات ما لم يتم شرائها.

اما  وثيقة المناقصة النهائية وشروط المناقصة ونموذج العقدين، فان كل من هذه الوثائق هي "عامة" بحكم طبيعتها القانونية ولا تتضمن خصوصيات الرقع الاستكشافية او الحقول المشمولة بجولة التراخيص حيث لا يمكن استخدام أي من هذه الوثائق في التنافس بدون حقيبة المعلومات التي يجب شرائها ! اضافة الى ضرورة تاهيل الشركة قبل السماح لها بالمشاركة في التنافس.

وهذا يعني ان "اتفاقية سرية المعلومات" لا يمكن من الناحية القانونية والمنطقية  ان تشمل او تسري على وثيقة المناقصة النهائية وشروط المناقصة ونموذج العقدين!

ان عدم نشر واعلان وثيقة المناقصة النهائية وشروط المناقصة ونموذج العقدين وكذلك عدم نشر اسماء الشركات التي اشترت حقائب المعلومات:

1-يتناقض بالكامل مع  ممارسات الوزارة خلال جولات التراخيص الاربع السابقة؛ حيث تم وفي كل جولة توفير جميع المعلومات المتعلقة بالجولة وبوقت كافٍ مما اتاح لجميع المعنيين والمختصين ابداء الراي مما ساهم في تقييم تلك العقود و تشخيص مالها وما عليها؛

2-يخالف ما تعهد به وزير النفط (9 كانون ثاني 2018) بان وثائق ونماذج العقود سيتم نشرها على الموقع الالكتروني للوزارة؛

3-يتناقض بالتأكيد مع تعهدات الوزارة بتبني الشفافية الكاملة وذلك بعد ان علقت مبادرة الشفافية للصناعات الاستخراجية ( EITI) لعضوية العراق. فقد تضمن كتاب وزارة النفط الموقع من قبل الوزير بتاريخ 4 كانون ثاني 2018 الموجه الى "جميع الشركات .." " الالتزام بكافة المباديء والمتطلبات والمعايير المعتمدة لدى المبادرة ..." كما وألزم  "دائرة العقود والتراخيص البترولية .. تضمين عقودكم الحالية والمستقبلية بفقرات تضمن الالتزام بما ورد اعلاه". ومن المعلوم ان الافصاح الكامل عن العقود ومكوناتها وشروطها تعتبر من المتطلبات المهمة للامتثال لمتطلبات المبادرة؛

4-يشكل تهديدا  خطيرا على جهود العراق ومساعيه لاسترداد عضويته في المبادرة المذكورة ويتعارض مع ما اكد عليه كتاب الامانة العامة لمجلس الوزراء (عاجل جدا) المرقم 40397 في 14 كانون اول 2017 المتضمن "خارطة الطريق لمتابعة الاجراءات التصحيحية".

ان اصرار الوزارة على عدم نشر واعلان مضامين الوثائق ونماذج العقود يوفر فرصة قوية ودليل دامغ على استمرارية انعدام الشفافية في وزارة النفط مما قد يقود الى انهاء عضوية العراق في المبادرة مع الاسف؛

اضافة الى ماذكر اعلاه فان وزارة النفط لم تعلن لحد الان صيغة عقد تطويرحقل شرقي بغداد الجزء الجنوبي مع شركة جنهوا الصينية الذي وقعته مع وزارة النفط بالاحرف الاولى بتاريخ 25 كانون الاول 2017 ثم تم احالته الى لجنة الطاقة الوزارية والتي قررت إحالة العقد إلى مجلس الوزراء للمصادقة عليه في 28 اذار 2018.

يتضح مما تقدم ان وزارة النفط تستمر وباصرار على مخالفة توجيهات مجلس الوزراء وعلى عدم الالتزام بمقترحاتها نفسها وممارساتها الفعلية في كافة جولات التراخيص السابقة وترسخ سرية العقود وعدم شفافيتها.

من اهم فرضيات الشفافية والحكم الرشيد ان الاصرار على السرية وعدم الشفافية ان هناك شيء ما يتم اخفاءه من قبل شخص او جهة ما ولمصلحة ما؛ فماذا تخفي الوزارة وبتوجيه من ولماذا ولمصلحة من؟

ام انها ممارسة عقلية ادارية من "ايام زمان"!!

النرويج

  17 نيسان  2018