مثقفونَ بكاؤون وندّابـونَ، بلا نَظير !

رواء الجصاني

 

   والمثقفون الندابون، والبكاؤون في العراق، - دعوا عنكم الشتامين- متنوعون، ومتباينون، منهم السياسيون والدينيون والاجتماعيون والأكاديميون، ومابين اوئك وهؤلاء كثير متعدد .. وكم مشيّنا على نهجهم، وبينهم، في احيان وحالات ليست قليلة، وإن حاولنا مراتٍ ومرات ان نهذب النفس والكتابة، ولعلنا نجحنا في حالات، وخبنا في أخــرى ..

    والندابون المعنيون هنا، الذين راحوا، وما فتئوا، مساهمين في اشاعة اليأس والقنوط، برغم ما يعول عليهم، بأحتسابهم طليعةً منوّرة - كما هو مؤملٌ ومرتجى- للفئات الشعبية الاقل معرفة، وفهماً في البلاد .. وما أبلغ الحكمة العريقة التي تقول: ان توقـدَ شمعة صغيرة، خير الف مرة من ان تلعن الظلام .

  وعلى الرغم من بُعدنا عن الاستقصاء، سأزعمُ بأن المثقفين والبكائين في العراق يتفوقون عددا وعدة بين اقرانهم العرب الاخرون، ومؤكدٌ أن ذلك تمَّ، ويجري، بسبب ما مرت به البلاد من أهوال وكوارث، طوال عقود وسأقول قروناً، ولن أخف مقارنة ببلدان الجوار، وشعوبها..

   وندابو"نـا" نقادٌ حيناً لظواهر وحالات محقون فيها تماما، ولكنهم  كما ندعي-  يبتعدون عن الموضوعية في حالات ومرات متقابلة .. بل انهم بكاؤون حيناً اخر، ولكن دون ان يبرروا دوافـع ما يبكونَ وينحبون عليه من احداث ووقائع، سوى العمومية منها..

   وعوضاً عن اشاعة "الحياة وزهوها في موطنٍ يشكو الجفافـا" لا يبخل الكثير ممن نعني، في المبالغة، حد الإتخام، بهدف كسب الاكثر من الجمهور والمستهدفين.. ويبرز هنا بشكل أشد، المثقفون السياسيون، الطامحون، والطامعون، لغاياتِ وأهداف محددة، وهكذا هناك عديدٌ غير قليل وليس بمقدور أحد أن يبخس مواهبهم-  يندفع للتهويل، أو يعتمد السماع لا غيّر، لبدء العويل والنحيب، وكأن ما في البلاد من جروح ومآسي ونكبات، لا يكفي ..

    وللبعض ربما أعذار اذا ما ندبوا ويندبون- بسبب ما عانوا، ويعانون منه، بشكل شخصي، ومعاش، ولكن من غير الطبيعي اسقاط ذلك على العموم، من خلال التعميم، والافتراض الشمولي، وبما يوهمُ الكثيرين، لينقادوا الى اليأس الأمرّ والخيبة والأحباط الأشد، عوضاً عن مساعي نشر التفاؤل  والفرح، أو الاحلام على الاقل  ..

    ولربما مما يثير التساؤل الاكثر، حين يقوم اصحابنا بندبِ احوال وظروف ووقائع لولاها لما كانوا بمثل ماهم عليه الان، من احوال، بل وحتى اموال ! .. وقد يرصد المتعني حالاتٍ يبكي فيها اولئك الندابون، بأكثر مما يبكي وينوحُ من يعيش المعاناة ويتوسطها حقاً، وليس تخيلاً او سماعا ..

   وقد يبالغ البعض فيقول بأن مقصودين هنا لا يندبون، ولا يبكون، بأنفعال وتأثر، إلا وهم بين اجواء محببة ومميزة، وفي مدن تختال جمالاً وأمنا، وكأن هناك معادلة متعاكسة: زدْ راحةً وسعادةً، تزددْ بكاءً ونحيبا..

 ومن الامثلة التي لا تخفى على الكثيرين، ان عدد من الندابين، يستقدمون ما في مخيلتهم وحسب، وذلك اذا ما لم يجدوا حالاً يبكون عليها، بل ولحد الافتعال حتى، لكي ينسجموا مع ما يريدون، ويتصدون، ويحترزون وفي الادنى داخليا ونفسيا - لما قد يواجهونَ به، ويحاججون عليه..

   ثم هناك من يزعمُ حقاً أو باطلاً- ان من بين اولئك الندابين من يبالغ لاستدرار التعاطف، واستقطاب من يهدف اليهم في كتاباته ومواقفه، المعلنة والمبطنة، وما أكثر الاخيرة! .. وكمْ وكمْ بكوا ويبكون على اطلال الماضي، ناسين أو متغافليــن ان عشرات من تلكم الاطلال المندرسة، حـلّ في مكانها أمس واليوم- واقع أجمل وأحلى، لمن يريد ان يرى بعين الرضا، وليست  الكليلة .!

ولكي لا يؤخذ الجميع بقياس واحد، لا بدّ من استثناء الكثير من المبدعين الذين يرسمون لوحاتهم بالقلم، او الفرشاة، ليعبروا بغير المألوف، والمعهود، ولهم السبق والفضل.. وكذلك الذين يبتغون التحريض الايجابي، عبر استظهار الاحزان والمبالغة والتسويد..

   أخيرا، يعنّ لي القول بمعرفة ان مثل هذه الكتابة ستشحذُ ألسنة واقلاما للردّ والدفاع، وبخاصة من جمعِ الذين (يكاد المريبُ ان يقولَ خذوني). ومع ذلك فقد جاءت هذه السطور مع احتساب تلك العواقب المفترضة.. وللأحتراز الأكثر، أعيـدُ ما قد بدأت به: أن الكاتب هنا لا يُعفى من سوابق ندبٍ هنا واخرى هناك، وإن حاول التشذيب والتهذيب، ولعلّ هذه السطور تأتي مساهمة على تلكم الطريق ..