الكيمائي والخوذات البيضاء المزعومة وبعض النقاط المنهجية

 

أ.د. محمد أشرف البيومي

 

 

استضافني الإعلامي المحنك سامي كليب في "لعبة الأمم" أحد برامجي المفضلة علي قناة الميادين لمناقشة قضيتان متداخلتان هما العدوان الأمريكي ألأخير وما إذا كانت منظمة الخوذات البيضاء منظمة إنسانية تنقذ الآلاف من السوريين أم أداة من أدوات العدوان علي سوريا. كان اللقاء بمثابة محاكمة للخوذات البيضاء الذين لم يساهموا في البرنامج رغم دعوتهم كما ذكر السيد كليب.  ورغم انحيازي المعلن للحكومة السورية في صراعها ضد اعداءها فإن التزامي بالصدق وقول الحقيقة يمنعاني من الإدلاء بمعلومات غير حقيقية مهما كان الامر.  شعرت بعد انتهاء البرنامج بضرورة التأكيد علي بعض الحقائق والمبادىء المنهجية  التي يجدرأخذها في الاعتبار في حواراتنا.

  اولا - ضرورة تنشيط ذاكرتنا التاريخية عند تناول أي حدث هام. ليس معني ذلك ان نحول الحوار الي سرد تاريخي ولكن من المهم في أي محاكمة ان نقيم مصداقية المدعين فإذا أثبتنا ان لهم سجل حافل من الاكاذيب والسلوك الإجرامي فهذا يدعم وجهة النظر المضادة.

ثانيا ان الدلائل مجتمعة وليس أحدها فقط تثبت الحقيقة. علينا أن نتنبه أن من حيل المتامرين  اختزال الموضوع في بند واحد مثل علاقة الخوذ البيضاء بالقاعدة خصوصا وان المنظمات الإرهابية تغير أسماءها وتحالفاتها للتمويه. كذلك فإن المهتم بالدليل ينتظر قبل أن يشن العدوان ولا يستخدم منهج "إضرب أولاً ثم إسئل لاحقاً".

ثالثا لقد طرَحت مجموعة من المعايير للحكم علي اي منظمة علي شكل تساؤلات وليست كأسئلة للحوار. تتلخص هذه المعايير في عدة نقاط أهمها: الجهة المستفيدة والطرف المتضرر- مصدر التمويل- سلوكيات سابقة- ضعف او غياب دليل الإتهام - وازع الجريمة والجهة المستفيدة منه- توقيت الجريمة- الجهة التي تقوم بالاتهام-  الجهة التي تقدم الدعاية للمنظمة وتمنح الجوائز لها – مصدر ونوعية الدعاية المضادة- سلوك المنظمة وما يصدر عنهامن تصريحات- مدي التزام المنظمة الإنسانية بالحياد السياسي - نشأة المنظمة وخلفية قياداتها. هذه المجموعة من المقاييس كفيلة باثبات الحقيقة في أي محاكمة عادلة

رابعا - مصدر تمويل اي منظمة او مجموعة يظهر انحيازها وانتماءها فمن يتلقي اموالا من دولة او مؤسسة سياسية فهو بالضرورة منحازاً لها. لايتساوي في ذلك من يعمل مع جهاز استخباراتي مثل السي اي آيه CIA او موسسة عسكرية مع من يعمل في مؤسسة أكاديمية. وفي نفس الوقت لا يبريء ذلك بالضرورة بعض العاملين في المؤسسات العلمية او الجامعية.

خامسا ما الغرابة او الدهشة في خلق منظمات تابعة للسي اي آيهCIA  أو منظمات مشابهة فهذا يقع في صلب نشاطها فهناك شركات وصحافة واعلام تابع لها بل حكومات تابعة توظفها عند الضرورة.

سادساً- من الطريف أن يتهم أحد المشاركين في البرنامج سكوت لوكاس (الذي نصب نفسه محاميا للخوذات البيضاء) المعارضين أنهم يسوقون معلومات كاذبة ومضللة في ظل السجل الحافل من الأكاذيب من قبل الحكومات الغربية مما أدي إلي وصم رئيس الوزراء السابق توني بلير بالكاذب “Bliar”  من قبل العديد من البريطانيين أنفسهم. هناك أمثلة موثقة كثيرة للأكاذيب الغربية اذكر منها مصنع أدوية في السودان الذي زعمت الحكومة الأمريكية انه مصنع للسلاح الكيمائي وفوجيء المفتشون بغبار الأسبرين عندما دخلوا المصنع بعد ضربه بصواريخ الكروز. ولنتذكر أكذوبة خليج تونكن بفيتنام ومسحوق الأنثراكس الذي عرضه كولن باول لتبرير احتلال العراق و فضيحة حضانات الأطفال بالكويت وقصة الطفل عمران الذي تجاهلت وسائل الإعلام الغربية شهادة والده بجنيف.

سابعاً- طرح ما يسمي بنظرية المؤامرة كلما تعرضت دولنا للإعتداء أصبح ممجوجا وكأنه وهماً أو خيالاً. دعاني ذلك بتذكرة لوكاس بمثال واضح وهو التأمر الثلاثي في سيفر بفرنسا عام 56 والذي شارك فيه سلوين لويد البريطاني وبن جوريون الذي تلقي مفاعل ديمونا كهدية فرنسية مكنت الكيان الصهيوني من صنع أخطر سلاح دمار شامل "القنبلة الذرية".

ثامناً- كان من الواضح أن شريط الفيديو الذي رأيناه وسنراه عشرات المرات للهجوم الكيمائي المزعوم مفبرك وغير محبوك مما يفضح المسئوولين عنه كما أن تخبط كبار المسؤولين الأمريكيين حول نوع الغاز فتارة هو غاز السارين وتارة غاز كلور وتارة خليط منهما رغم ان عوارض الكلور تختلف كثيراً عن السارين. الشريط يظهر أشخاص في قلب الحدث بحالة جيدة ولم يتأثروا بالغاز الخطير.

تاسعاً- لعل أهم ما جاء بالبرنامج هو عرض صوراً لأشخاص لهم انتماءات مزدوجة فتارة يظهرون كأتباع للنصرة الإرهابية وتارة كخوذ بيضاء، كما أن رغبة الخوذ الفرار الي أدلب مع النصرة كما ذكرت الدبلوماسية الروسية المشاركة في البرنامج تفضح انحيازهم.

عاشراً- المبالغة الدعائية بانجازات الخوذ بإنقاذ 70 الف بمعدل 60  يوميا اثناء فترة نشاطهم! وكأنهم رامبو الخيالي.

من المهم التأكيد علي أن مسرحية استخدام الحكومة السورية للسلاح الكيمائي ستتكرر وفي اماكن اخري بسوريا فصحيفة النيويورك تايمز تعرض الإعتداء الأخير كانتصار كبير وفي نفس الوقت تبقي الباب مفتوحاً لاعتداءات مستقبلية بالتأكيد أن سوريا لآ تزال تملك سلاحاً كيمائيا منتشرا في أماكن عديدة بسوريا.