وشهد الشاهد الاول

كاظم الموسوي

 

 

 من ابرز سمات السياسة التي تمارس في المنطقة العربية الكذب والرياء والتضليل والخداع والتخادم والارتهان، سواء من داخل المنطقة او خارجها، لاسيما من القريبين منها وعند من يرغبون ان يزعموا بقدرات لهم أو خبرات مجربة في تمرير ما يسعون اليه. . والرئيس التركي رجب طيب اردوغان برع في هذا المجال. واصبحت التناقضات في تصريحاته وأعماله لا تحتاج الى إشارة او دليل. وفي القضية السورية وما حصل فيها منذ اندلاع أزمتها عام 2011 والى اليوم لعب الرئيس التركي أدوارا متناقضة وأصبح بحق الشاهد الاول والمتهم في استمرارها والمآسي التي اكتنفتها. وليس اخرها ما يمارسه بالفعل في الشمال السوري، رغم كل المتغيرات التي أسهم فيها في إطار التعاون الثلاثي، الروسي الإيراني التركي، او في إطار التصدي للمشاريع الأمريكية المقابلة لمشاريعه وخططه التي لا تخفي أحلامه او اوهامه، التي يقولها في فترات او أزمات داخلية.

معروف أن الإدارة الأمريكية تلعب هي الأخرى بدور لها في المنطقة والشمال الشرقي السوري خصوصا، وكانت قد أسهمت مع غيرها من حلفائها او متخادميها على الأراضي التركية في إنشاء الغرف الأمنية لتنفيذ الخطط الاستعمارية وتدمير المنطقة، سواء المتواجدة عليها عسكريا او المحيطة بها، ومنها ما أعلنته في تدريب قوات كردية وتنسيق مع بعض الاكراد في الشمال السوري في احتلال استعماري وخطط تقسيم جغرافية للدولة السورية. وقد رأت تركيا واردوغان في هذه التحركات الأمريكية تهديدا لها، وتضامنا مع قوة كردية تعتبرها إرهابية وتحاربها علنا، وهو ما يتناقض مع المشروع الامريكي، ويدفع الى صراع بين عضوي حلف الناتو، من جهة، ويضرب على خطط وأوهام أردوغان في المنطقة وما بعدها ايضا، من جهة اخرى، ولهذا يناور اردوغان بمنعرجات حادة لكسب الوقت والارض، مرة بالتحالف مع روسيا وإيران او مع أحدهما أو مغازلة الامريكان والضغط على توجهاتهم الأخرى، وكلما تحتد الأزمة ينفس عنها، بتصريحات، تفضح ما قام هو بها معها، من بينها تأكيده على نقل آلاف من الدواعش من الرقة الى سيناء بطائرات أمريكية. وليس اخرها ما صرح به في مقابلة بثتها قناة "NTV" التركية؛ أن الولايات المتحدة أرسلت 5 آلاف شاحنة أسلحة وألفي شحنة جوية تحمل أسلحة إلى شمالي سوريا بذريعة مكافحة تنظيم "داعش" الإرهابي. وحسب وكالات الانباء، لفت اردوغان الى أن الولايات المتحدة أقامت 20 قاعدة عسكرية في الشمال السوري، متسائلا: "ضد من هذه القواعد؟". وفي الوقت نفسه قال عن توسع عملية"غصن الزيتون" إلى مدينة منبج السورية إنه ينتظر تعيين وزير الخارجية الأمريكي الجديد ومباشرة مهامه، لمناقشة الموضوع، وكأن دخوله مشروع او قانوني. وأعرب عن أمله في عدم اتخاذ فرنسا خطوات يمكن أن تتأسف عليها في وقت لاحق، تعقيبا على تصريحات الرئيس الفرنسي ماكرون التي قال فيها إن بلاده تدرس إرسال قوات فرنسية إلى منبج. الامر الذي يكشف عن صراعات هذه القوى وتجاوزاتها القانونية واستهتارها بالشرعية والقانون الدولي، رغم كل ادعاءاتها. كما يدلل على اختيار اردوغان نهجه السياسي المخادع، مثلا، قوله إن تركيا تتلقى مطالب شعبية من أهالي منبج، يدعونها فيها إلى تخليصهم من الإرهابيين، مؤكدا استعداد سكان المدينة لتقديم الدعم للقوات التركية(!).

بماذا تختلف هذه التصريحات عن العديد مما قاله اردوغان؟!، شهادة أخرى جديدة من شاهد أسهم بنفسه بدور كبير في كل أحداثها، او دليل اخر على ما اقترف فيها. تثير الكثير من الأسئلة عنها وعما أعلنه فيها. المعتقلون من الصحافيين والصحف التي اغلقت بسببها دقت الاجراس على دور تركيا في فتح الحدود ونقل الأسلحة وتهريب البترول  وبيعه، وتسهيل نقل الافراد من المسلحين وعوائلهم عبر أراضيها الى العراق وسورية، وكل هذه بعلمه وبقراره، حسب موقعه ومنصبه ورغباته. وما شهد به لا يغير كثيرا من المشهد المعقد الذي لعب أدوارا فيه، مما اضطر حتى وزارة الخارجية الأمريكية إلى الاعتراف ببعضها، ورد تركيا عليها بشكل لافت، ساعية الى تفنيد فقرات البيان الأمريكي.

أوضحت الخارجية التركية في بيانها أنّ ما ورد في التقرير حيال حقوق الإنسان في تركيا، تمّ صياغته استنادا إلى ادعاءات أطراف لها علاقة بالإرهاب. وأعرب البيان عن خيبة أمل تركيا من التقرير الأمريكي، مبينةً أنّها تواصل التزامها بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون، رغم التهديدات الإرهابية التي تواجهها. وأضاف البيان أنّ تقرير الخارجية الأمريكية الصادر يوم 20  نيسان/ أبريل الجاري، مليء بالاتهامات والادعاءات والتعريفات الخاطئة حيال تركيا. وتابع البيان قائلاً: "تحدث التقرير عن التدابير المحقة التي تتخذها تركيا في إطار مكافحة التنظيمات الإرهابية (داعش، "بي كا كا/ ي ب ك"، غولن، "د ه ك ب ج")، بشكل منحاز وبعيد عن الحقيقة". ولفت البيان إلى أنّ التقرير الأمريكي تجاهل التطرق إلى كفاح تركيا ضدّ منظمة غولن الإرهابية المتطرفة، التي تغلغلت في دوائر ومؤسسات الدولة وقامت بمحاولة انقلاب فاشلة(منتصف 2016). (!) وذكر البيان أنّ تقرير الخارجية الأمريكية أخطأ في وصف كفاح تركيا ضد الإرهاب، بأنه حرب داخلية، واستند في هذا الوصف إلى روايات مجموعات لها علاقة بمنظمات إرهابية. ونوّهت الخارجية التركية، أنه ليس من قبيل الصدفة أن يصدر مثل هذا التقرير عن دولة تحتضن زعيم منظمة غولن الإرهابية "فتح الله غولن". وأوضحت أنّ التقرير الأمريكي حول حقوق الإنسان، فقد اعتباره بسبب ابتعاده عن معايير الحيادية والشفافية. وأوصى بيان الخارجية التركية، الدول التي تتهم أنقرة بانتهاك حقوق الإنسان، بالامتناع أولا عن الانتهاكات الممنهجة التي تمارسها في حق مواطنيها(!).

 كما ينتقد حلفاء غربيون لتركيا مرارا قانون الطوارئ، الذي شهد اعتقال حوالي 160 ألف شخص، من بينهم صحفيون وأكاديميون وأعضاء من المعارضة السياسية والبرلمانية. ومازالت اعداد كبيرة رهن الاعتقال دون محاكمات، كما لازالت حالة الطواريء مستمرة.

واضح أن الرد التركي لا يبتعد عن شهادة الشاهد الاول ولا يعفيه عما ارتكبت يداه في الأزمات المستفحلة في المنطقة، ولكن ما ورد أعلاه دليل اخر على التورط التركي والتواطؤ الدموي، والتاريخ لا ينسى.