انتخابات 2018 - العراقي يدخلها محملا بأربع عشرة كارثة كبرى

صائب خليل

 

 

27 نيسان 2018

جاءت الانتخابات، والعراقي محبط لكثرة مشاكل بلده، وممتنع غالباً عن الإدلاء بصوته لأنه يائس من تحقيق ما يصبو اليه. إنه لا يدري من ينتخب، وهو محق من هذه الناحية. لكن السؤال عن "من ننتخب" يجب ان يسبقه: "ماذا نريد"؟ من الطبيعي أن من يغرق في المشاكل سوف يريد لها ان تحل، لكن ما هي الأولويات التي يجب الانتخاب على أساسها؟ الحقيقة ان المواطن لا يدرك كل أجزاء الكارثة التي يعيشها بلده، فما خفي عنه منها كان أعظم، ولو أدركه لأصابه الهلع! هذا موجز بأهمها حسب تقديري.

 

1.    انهيار القانون واستبداله بسلطة العشائر وفي اتجاه مستمر للعودة إلى عصور ما قبل الإسلام. اتجاه إلى الخلف لم يقاومه المدنيون الذين يباهون بالحضارة، ولا يبدو الإسلاميون معنيون به رغم صراحة مخالفته للدين الذي يفاخرون به ووضع نص دستوري يمنع ما يخالفه. فهم لا يعرفون الإسلام إلا في شرب الخمر والسفور. تحطيم القانون يجري أيضاً بسلسلة من قرارات العفو العام التي تمحو قرارات القانون وتلغي سلطته كل حين. هذا ما أنتج عدم ثقة المواطن بالدولة والقانون. وهذا الأمر يدعم المشكلة ويثبتها ويحتاج الى وقت طويل للحل. إن إعادة البلد 1500 عام قضية لا يستطيع العقل تخيلها، وهي تبني مجتمعا جديداً متخلفاً بتوزيع جديد للقوى، سيدافع عن نفسه بوجه أية محاولة للتحضر.

 

2.    هناك كارثة المهجرين والمدن المهدمة التي استطاع أعداء العراق إنزالها به بسلاح مبتكر اسمه داعش. كارثة مازال إدراك حجمها قاصراً وستلقي بآثارها على كل مستقبل العراق. فليس من السهل ان تعيد بناء مدينة، وليس من السهل ان تعيد بناء نفوس ابناءها، خاصة في مجتمع مشلول لا حكومة فيه ولا مؤسسات، يعجز عن التخطيط والتنفيذ كما هو العراق.

 

3.    السفارة المهيمنة التي لا يعلم أحد ما في داخلها ولا من في داخلها ولا ما هو دورها بالضبط، رغم كل الشكوك التي تحيطها. وانتفاء الحديث عن هذا الأمر في الجدل السياسي العراقي، وكأن هذا الأمر أصبح راسخاً، أمر يثير القلق. هناك مشكلة تدني الإحساس بأهمية الاستقلال وخاصة عند المثقفين، وتجنب الساسة الحديث عنه إلا بشكل عام وضبابي ونادر، ونمو الإحساس لديهم أن رضا السفارة عنهم أهم من الناحية العملية من رضا الشعب عنهم، أو في الأقل مساو له.

 

4.    الإعلام المسيطر عليه من قبل عدو يوجهه كما يريد. ببساطة لا أحد يعلم من يمول وسائل الإعلام، وبالتالي فأهدافها مجهولة، وهي بالتأكيد ليست خدمة الشعب كما يفترض، فلا أحد يدفع أموالا لخدمة شعب ما. وقد أنتج هذا الحال الضياع التام للشعب وعدم قدرته تمييز ما هو مهم وخطير عما هو تافه لا قيمة له يركز عليه الإعلام عمداً (قانون سانت ليغو مثالا). النتيجة حتى الآن أن الشعب ليس فقط في حال سيئة، إنما تم توجيهه عمداً نحو الضياع. فالغالبية الساحقة تعتقد ان "الكتل الكبرى" و "الأحزاب" هي المشكلة (وبالتالي فالكتل الصغرى والمستقلين هما الحل)، وأن النظام الانتخابي وعدم استقلالية موظفي مفوضية الانتخابات هما السبب في سيطرة الكتل الفاسدة على مقدراتهم. وكل هذه أوهام لا تقل في سخفها عن الإيمان بأن المرض سببه العفاريت! وبالتالي يستحيل الوصول إلى الشفاء. الإعلام العراقي سلاح تدمير شامل موجه ضد الشعب.

 

5.    الجهاز الانتخابي مؤسس عمداً لتأمين التزوير. فالمرة تلو المرة يثبت أن موظفي المفوضية قد اختيروا من اشد الفاسدين. كما أن استخدام حاسبات لا يعرف أحد ما يدور فيها من برامج ولا حتى اسم الشركة المصنعة لتلك البرامج، ويمكن تغيير النتائج فيها عن بعد بكل بساطة، وبأي شكل يريد من صنعها، أمر غريب عجيب. فهذا لا يحده في كمية التزوير سوى حرصه على ألا يكون التزوير مفضوحا بشدة. حتى الآن حسب علمي لا يوجد من يطرح هذا الأمر بشكل جدي ومحدد سوى دولة القانون ربما لخبرتها في التزوير الذي سبق ان تم ضدها وكتبنا عن ذلك عشرات المقالات في الماضي (سأجمعها خلال أيام في كتاب الكتروني) وكتب غيرنا كذلك، اما اليوم فلا يدور الحديث عن هذا الأمر. لذلك فالتزوير القادم مضمون وكبير، أكثر من اية انتخابات ماضية، والسؤال فقط هو ما هي حدوده التي سيعتبر فيها "مفضوحاً بشدة".

 

6.    الخصخصة التي تأكل البلاد بسرعة ونشاط لا تعرفها بقية أنشطة الحكومات، تخلق طبقة ثرية فاسدة كسولة تعيش على النهب وتهاجم الخدمات الأساسية من الكهرباء إلى التعليم المنهار عمداً إلى الصناعة التي يتم تدميرها بمنهجية مدهشة وأخيراً الهجوم الأكثر خطورة وجرأة على ثروة البلاد الوحيدة، النفط، من خلال قانون يمنح تلك الثروة إلى شركة غامضة وهائلة الصلاحيات، باسم "قانون شركة النفط الوطنية"، تم تمريره خلسة وبأكثر الطرق غرابة.

 

7.    تحطيم الدولة ومؤسساتها أصاب الشعب بالشلل تجاه التهديدات التي تواجهه على كافة المستويات: الاجتماعية مثل العنوسة والفقر والجهل، والدولية مثل مشكلة المياه مع تركيا وإيران ومشكلة الأراضي التي تستولي عليها الدول المحيطة به تباعا والاتفاقات الغريبة المضادة لمصالحه مثل دعم حكومة الأردن بأسعار النفط رغم حالة الفقر، والتخلي عن الأراضي والمياه لصالح الكويت وغيرها. لذلك نرى البلاد تسقط في القروض واملاءات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، رغم توفر المال الذي مازال الفساد والاتفاقات الغريبة تبذره، ورغم علم الشعب وكتله السياسية بتاريخ هذه المؤسسات المالية الدولية المعروف والمعلن، والمليء بدماء الشعوب ودموعها.

 

8.    الجيش المليء الجهاز الأمني المليئان بالعملاء. فقيادات القوات المسلحة التي سلمت الموصل والرمادي وغيرها، مازالت تقود تلك القوات ولم يعاقب أي منها ولم يتغير فيها شيء، إلا اللهم أن من زرعها بالعملاء قد أخذ المزيد من الوقت لإغراقها بهم أكثر وأكثر، كما ان العملاء اطمأنوا إلى سلامتهم وصار استعدادهم للخيانة أكبر. وفي أية لحظة مستقبلية فأن تلك السيناريوهات الدموية الكارثية جاهزة تماما للتكرار. ويؤكد هذا، ذلك الظهور الغريب المستمر لقادة عسكريين يتم نفخهم في الاعلام ويستلمون النياشين من دول اجنبية (معادية) وكأن هذا شرف لهم وتقييم. من جهة أخرى لدينا كردستان مخترقة تماما من قبل جهة معادية وفي خدمتها، الآن أو في المستقبل كقنبلة موقوتة في يدها. وأخيراً فأن داعش التي هزمت بعد انجاز مهمتها في تدمير المدن، تم انقاذها واخفاؤها في خلايا تنتظر الإشارة، إضافة إلى عودة بعض قياداتها اليوم الى المنافسة السياسية بكل صلافة.

 

9.    الإرهاق النفسي للشعب والإحباط الشديد واليأس العام بسبب كثرة المشاكل من جهة وضياع الطريق الى الحل من الجهة الأخرى. ولا تبدو الأحزاب، حتى تلك الأشد عراقة وثقافة، بحال أفضل أو اقل ضياعا من المواطن، فكأن الجميع قد تعرض لتجربة اجتماعية قاسية من تلك التي تفرض على السجناء لتحطيم ارادتهم ليتنازلوا ويقدموا الاعترافات.

 

10.             ربما تكون الانشقاقات الطائفية قد خفت، لكنها تركت مكانها لانشقاق بين الدين والعلمانية، وانشقاقات أخرى كثيرة تسببت في حرف تركيز الشعب عن مشاكله بل كوارثه، والإلتهاء بمناقشة تلك الانشقاقات وجعلها موضوع القياس في الانتخابات وغيرها، مما يثبت تلك الإشكالات الخطيرة ويعطيها الوقت اللازم لتحطيم المجتمع.

 

11.             الضياع العام للمبادئ وللخطوط الحمراء في السياسة وقبول الشعب لذلك الموقف من ممثليه وتطبيع هذا الخلل الخطير بثقافة من الوهم والهلوسة. فحتى اشد الساسة إخلاصاً للشعب ومخاطرة بالنفس من اجلهم، لا يمانع أن يضع نفسه في قائمة أو يتحالف مع قائمة كثيرة الفساد أو ان يقبل في قائمته فاسدا أو يمتدحه وأن يتحدث بكل طلاقة عن "عدم استبعاد أحد" وعن "علاقات مع الجميع"، وغيرها من علامات انعدام الشخصية السياسية والهلامية القاتلة في المواقف. من ناحية أخرى نجد أن الأسس الأكثر أهمية قد ضاعت تماما، ووجد كل لنفسه هدفا آخر غير الوطن، وإن كان يخلطه به بشكل ما. فالصدريون مستعدين لتوزير اشد الفاسدين والعملاء، شرط ألا يكون المالكي، والكثير من السنة يقبلون اميركا ولا شيء له علاقة بإيران، ومن يسمون أنفسهم المدنيين قد يرحبون بإسرائيل إن كان ذلك يبعد عنهم سلطة الإسلاميين... وهكذا، بمساعدة الإعلام والساسة المندسون ضاعت كل الخطوط الأساسية.

 

12.             الشعب يجهل تماما فنون القتال في الديمقراطية، لا يدرك أن عليه ان يستلم السلطة بنفسه وأن يكون المحاسب وأن تقصيره في دوره سيقتله مثلما يقتل أي حاكم آخر يقصر في متابعة متوجبات حكمه. بدلا من ذلك، مازال الشعب يتقمص دور من يعيش تحت دكتاتورية ويبحث عن بطل منقذ، وينقسم إلى ولاءات غير قادرة او راغبة في محاسبة قياداتها، وهذا يشمل الصدريين واتباع المالكي والحكيم وحتى الشيوعيين. ونتيجة ذلك، وعلى العكس من بقية العالم الديمقراطي لا يبدو أن هناك أية جهة قد درست يوماً كيف يمكنها كسب الآخرين وما هي تصرفاتها ومواقفها التي ابعدتهم عنها، ولا حتى درست كيف تحافظ على ناخبيها وماذا يريدون ويفكرون وفي أي اتجاه تتحرك بوصلتهم، فهم واثقون ان ناخبيهم سينتخبونهم في كل الأحوال، وهم محقين في ذلك غالباً، إلا في حالات محدودة.

 

13.             وأخطر نتائج هذا الجهل لفنون الصراع الديمقراطي إهمال الشعب لمعرفة ما يجري في مجلس النواب وسماحه بترسيخ تراث التصويت السري الخطير. فحتى الآن لا يعرف الشعب من صوت حتى على القوانين المصيرية الخطيرة مثل قانون شركة النفط الوطنية المشبوه أو القانون المدني الجعفري أو العفو العام. فكيف سيعرف الشعب من يجب ان ينتخب للدورة القادمة حين لا يعرف ولا يهتم بماذا صوت النواب بالإيجاب أو بالسلب؟ ولماذا يجب ان يهتم هؤلاء النواب برأيه ويصوتوا لصالحه، إن لم يكن هو نفسه يهتم بما صوتوا عليه؟

 

14.             هناك كارثة مالية نائمة لا يعلم بها إلا القليل. قنبلة تنتظر ان تنفجر في الوقت المناسب، وهي أن النظام المصرفي خارج عن سلطة الدولة وبشكل خطير تماما وغير مفهوم الأبعاد أبدا. فربما لا يعلم العراقيين ان موظفي البنك المركزي لهم قانون وضعه بريمر يعطيهم حصانة من القانون العراقي، حتى في حالة ارتكابهم "خطأ" بسبب تقصير ومعرفة! إنه نظام خطر وغامض الولاءات حتى على دولة عظمى، أما على دولة صغيرة وضائعة ومستهدفة فهو قنبلة ذرية موقوتة. وإن كانت هذه القنبلة لم تنفجر بعد فهي تنزف باستمرار سيلا من الدولارات، يضمن أن يبقى العراق تحت براثن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وألا ينهض ابدا. وهناك من وضع نصب عينيه هدفا محددا للعراق: ألا ينهض أبداً!

 

هذه هي الحقائق المرة، وهي بالتأكيد ليست كلها، فهل تذهب للانتخاب رغم كل هذا؟ افعل ما تراه مناسبا لوطنك... جد له حلاً.. (يتبع)