مقدمة عن دعوة اليهود للعودة إلى مصر!

محمد عبد الحكم دياب

 

 

 

وصلت تعقيدات السياسات العربية، وتَفَاقُم الصراعات الدموية؛ وصلت لطريق مسدود، بتماهي الوهابية مع الصهيونية، وكلاهما صانع ومحرك للعنف والعدوان على القارة العربية، وهذه سياسات صاغها الغرب، ولعب فيها الدور المركزي لعدة قرون، وزادت بتنامي دور الولايات المتحدة، واحتلالها موقع القوة العظمى الأولى بعد الحرب العالمية الثانية.. وفي فترة الحرب الباردة تصاعد الصراع الأمريكي السوفييتي، وظهرت حركات التحرر والاستقلال الوطني على مستوى آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية، ولعبت مصر وقوى التحرر العربية دورا متميزا في مدها ودعمها وتزكيتها.. وسرعان ما تحول المد إلى جزر حاد بعد حرب 1973.. وبدء دفع الفواتير السياسية المؤجلة لنكسة 1967؛ تباعا على مدى أكثر من أربعة عقود مضت، وما زال الدفع مستمرا.

وصل التماهي الوهابي الصهيوني حد تهويد السياسات العربية في مجالات الإدارة السياسية والاقتصاد والمال.. والفكر والثقافة والفنون والآداب.. ولعبت عوائد النفط أخطر الأدوار في الوصول إلى هذه المرحلة المتردية.. وأخذت على عاتقها توكيد الشراكة الرسمية العربية مع الحركة الصهيونية العالمية، وروجت في الداخل والخارج على أنه عمل لرد الاعتبار لليهود، ومعه زاد الابتزاز من أجل الحصول على نصيب الأسد في مشروعات المياه والطاقة والغاز والكهرباء والنقل البري والبحري والجوي؛ على أن تتحمل دول النفط العربية تكلفة حروب أمريكا في العراق وسوريا والمتوقع منها ضد إيران.. ومن انعكاسات هذا التماهي على مصر سريان نغمة ولغة جديدة تدعو لعودة اليهود إلى مصر، والادعاء بأنهم طردوا وعليهم استرداد ممتلكاتهم فيها‏.‏

ويعلم المخضرمون وتؤكد التطورات التاريخية والمحفوظات الموثقة بأن مصر لم تجبر اليهود على المغادرة، ورحلوا بمحض إرادتهم؛ نتيجة تغير المزاج العام بسبب الحرب العربية الصهيونية، وما ترتب عليها من نكبة 1948، وضياع فلسطين، وتوالي شن الغارات على غزة، وكانت تحت الإدارة المصرية، واستهداف من تعاطف مع العمل الفدائي، وأيد الحق الفلسطيني من العرب فلسطينيين ومصريين، وتصرف اليهود في ممتلكاتهم بالبيع أو التنازل قبل الرحيل الطوعي، ومن بقي منهم لم يمسسه ضرر.

وهذا يقتضي التعرف علـى هذه الدعوة المثيرة للجدل، وكشف العلاقة التي ربطت اليهود بمصر، في مراحل المد وحقب الجزر.. وسوف نجد أن المروجين لهذه الدعوة يعتمدون إما على معلومات ناقصة أو مشوشة أو مغرضة أو على كل ذلك مجتمعا.. واليهود رحلوا بإرادتهم؛ حين استشعروا ان المناخ العام في مصر لا يناسبهم، ولا يساعد على البقاء، فأهل البلاد تطلعوا إلى التحرر والاستقلال والتنمية والوحدة الوطنية في الداخل، والاستجابة لمطلب التوحيد العربي؛ على المستوى القومي، وكلها تطلعات مشروعة لمواطنيها ومنفرة لأعدائهم، وتضعف قبضة الاستعمار وهيمنته على مصر الفتية، وقد كفلت لليهود الحماية ومكنتهم من اغتصاب فلسطين.

وتاريخ اليهود مع مصر متخم ومليء بتناقضات ومحشو بأساطير تغطي وقائع وأسانيد مؤكدة وموثقة لا حصر لها تُغَرِّبهم عنها.. خاصة أن التاريخ المصري معروف عنه التدوين والتسجيل منذ فجر التاريخ.. وأضحى علما يتم تدريسه في جامعات العالم.. ولا يتوقف كثيرا أمام مرويات شفاهية وأقوال مرسلة، ومشكلة الأحبار والمَؤرخين اليهود أنهم يتعاملون مع التاريخ اليهودي معتمدين على أدلة ظنية وتخمينات؛ لسد ثغرات ومعالجة فجوات زمنية جعلت التاريخ اليهودي مهلهلا، وفشلت عمليات ترقيعه؛ رغم الإمكانيات الهائلة المتوفرة لهم؛ خاصة في ذلك الزمن المُهَوّد، وتعسفه في ربط أحداثه بسلسلة أساطير؛ أضافها الأحبار ورجال الدين إلى التوراة والتلمود وبروتوكولات حكماء صهيون.

والآثار المصرية، ومثلها كثير من الآثار البابلية والآشورية.. موثقة ومدونة على مسلات وجدران ومعابد، ومقابر محصنة عملاقة (أهرامات)، وعلى أحجار (حجر رشيد مثلا)، وعلى أوراق البردي والجلود؛ ذلك حَوَّل مصر لأكبر متحف للتاريخ في العالم.. وكل ذلك تميز بدقة وحرص في التدوين، وهذا عكس المحفوظات اليهودية؛ بطبيعتها القبلية واعتمادها على المرويات الشفهية بين أجيال السلالة الواحدة؛ هكذا يدعون؛ إنها سلالة يعقوب بن إسحاق.. إسرائيل.

وقبيلة بني إسرائيل تقاوم الاندماج وتنفر منه ولا زالت، ومثل أي قبيلة لا ولاء لديها لأرض أو لوطن، وتنتسب لسلالة وعرق حتى أنها جعلت من الدين وطنا وقومية. وتاريخها هو تاريخ أسرة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل؛ من زوجته السيدة سارة. وارتقى أحد أبنائه يوسف الصديق منصب خازن أموال عزيز مصر، وترتيب يوسف الحادي عشر بين أبناء يعقوب (إسرائيل) الاثنى عشر، والابن الأول لزوجته راحيل، ولحق به باقي الإخوة بحثا عن طعام قد شح، وهروبا من مجاعة ضربت الأرض المعروفة حاليا بالمشرق العربي، والوجود اليهودي بمصر قد يكون الأقدم في المنطقة والعالم؛ حتى لو قورن بالوجود اليهودي في فلسطين، فالوصايا العشر؛ البداية الحقيقية لليهودية نزلت على طور سيناء، وشبه جزيرة سيناء جزء من مصر منذ عصر الأسرات الفرعونية إلى عهد السيسي، الذي شرع في بيعها والتنازل عنها للسعودية والإمارات، والأدلة الأثرية في سيناء تؤكد مصرية الوصايا العشر. بما لا يعني تمصير أو تعريب الدين اليهودي ولا اليهودية السياسية (الصهيونية)، التي ترفض الاندماج والعيش المشترك.

بعد هزيمة الكنعانيين حل اليهود بفلسطين، فلم يختلطوا ولم يندمجوا، وحين تركوا مصر تراوحت العلاقة معها بين الجوار المهادن أو القتالٍ الدامي؛ في الأولى تزوج سليمان؛ ثاني ملوك بني إسرائيل، من إبنة فرعون، وهذا وارد في سفر الملوك الأول، الفصل الثالث، وتم عقد تحالفات مصرية مع ملوك من نسل داوود؛ لكنها أُدينت من أنبياء بني إسرائيل كما جاء في التاناخ (كتاب اليهود المقدس). وفي الثانية تفاقم العداء بعد انتصار الملك مرينبتاح ابن رمسيس الثاني، ونقش إنتصاره بالقول: إسرائيل هَزَمْتُها لم يعد لساكنيها من وجود. وبقيت هناك تعاملات بين تجار من مصر ويهود من فلسطين؛ بجانب يهود عملوا كمرتزقة مع جيوش الأسرة السادسة والعشرين الفرعونية، وأقيمت لهم مستوطنة في جزيرة الفنتين ـ فيلة ـ في جنوب مصر، وسمح لهم ببناء معبد فيها، وإغلق المعبد في عصر الملك الفارسي داريوس، ودُمرت المستوطنة وانتهى وجود اليهود من بدايات القرن الرابع قبل الميلادي.

ومن نزح من اليهود الناجين من السبي البابلي إلى مصر في عصر النبي إرميا، توزعوا على أنحاء البلاد، ومنهم من استقر بمنف وتانيس، ومنهم من انتقل للدلتا والصعيد.. وتأثر نظام اليهود الديني بعقائد بابل وآلهتها المتعددة، فعبدوا الإله البابلي المحلي مع إلههم الخاص.

ونقفز إلى علاقة مصر الحديثة باليهود، وكانت قد اقتربت من العدم؛ أقل من مئة شخص عام 2004. وما بين 75 ـ 80 ألف عام 1922، وأغلبهم يهود يتحدثون العربية؛ معروفون بالربانيين القرائين، وانضم إليهم سفارديم؛ نزحوا من إسبانيا.

وبازدهار التجارة مع افتتاح قناة السويس وفد إليها يهود أشكناز؛ هربا من مذابح أوروبا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين وجدوا في مصر ملاذا آمنا، وأقاموا في منطقة درب البرابرة بالقاهرة؛ إلى أن ساءت أوضاعهم بعد الحرب العالمية الثانية، ونتيجة حرب 1948 وإعلان قيام الدولة الصهيونية، وازدياد وتيرة التخريب الصهيوني، الذي وصل ذروته بـفضيحة لافون عام 1954، وبعدها حدث تواطؤ صهيوني بريطاني فرنسي؛ تم بمقتضاه العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.