مسعود، أصغر أخوته

حاتم جعفر

 

 

)نصف السرد محض خيال ونصفه الآخر ما أسعفتني به الذاكرة واعذروني إن أصابها بعض عطب(

ندّا أبو داود اللذان خاضا النقاش معه نهار البارحة هما مسعود وكريم ويشبهانه في العديد من طباعه وعلى رأسها العناد وما يتبعه، لذلك بات من الصعوبة بمكان أن يتفقا أو على اﻷقل أن يلتقيا على رأي مشترك واحد. انهما شابان يافعان تفوح من عمرهما رائحة الورد والحماسة، لم يبلغا من العمر بعد العقدين من السنين بل هما على أعتابه إن أصبت التقدير. الأول ولإعتبارات عديدة وجدَ نفسه وقد تحول ومن حيث لا يدري أو يرغب، ورغم صغر سنه، حيث يُعَد الأخير في قائمة أشقاءه من الذكور، نقول وجدَ نفسه مسعود في موقع المساعد الأول لأخيه الأكبر في إدارة شؤون المطعم العائد للعائلة، من طبخ وتسوق وتلبية متطلبات الزبائن وما الى ذلك من مهام، هذا إذا استثنينا إثنتين أو ثلاثة من الإناث، توزعن في تسلسلهن بين اﻷخوة الذكور، ولم يتسنَ لي أو تتوفر الفرصة للتعرف عليهن ولا حتى على أسمائهن، رغم طول فترة صداقتي الوطيدة مع أوسطهم من البنين بشكل خاص.

 

)ملاحظة سريعة وأظنها مهمة: لأن رجعي بعيداً والذاكرة لم تعد تسعفني على استدعاء الكثير من الأحداث والأسماء و بتفاصيلها، فقد اختلطت عليَّ الكثير من الأمور وأخذتْ تتداخل فيما بينها، دون ان أتمكن من المسك بها على نحو دقيق. ومن بين ما ضاع عليَّ على سبيل المثال، هو مدى صحة الأسماء التي سترد تباعاً، فحين أردتُ التثبت مثلاً من الأسم الذي طاف ذاكرتي بُغية إحضاره، احترت بين اثنين، هل ان الاسم المراد هو مسعود أم محمود، علماً ان الوقائع التي سترد في هذا الفصل سوف لن تتأثر كثيراً بالإسم، فهو ليس بالأمر المهم، إن كان اسمه فلان أو فلان، فالذي يعنيني أقولها ثانية الحدث وما جرى. لذلك وحسما للإشكال، فقد رجحت أن يكون الأسم الذي اخترته هو مسعود، وعسى أن تكون ذاكرتي قد أسعفتني هذه المرة. المهم لا فرق ان كان هذا الأسم أو ذاك كما قلت، ولا أظنه موضع خلاف فكل الأسماء سيحميها الرب ولنواصل رحلتنا معاً(

 

ومادمنا نتحدث عن مطعم الشباب، هذا هو إسمه الحقيقي وكما هو مُثبَّت على الواجهة العلوية له، كذلك بحسب ما كنّا نتداوله ولا أعتقد اني قد أخطأت في ذلك. وللدقة أكثر فهو يقع  بالقرب من مقهى منطقتنا الذي لم تَغِبْ عنه عيون الرقيب وصبيانه، لكنه ورغم كل المخاطر التي كانت تحيط به فقد بقي محافظا على سمعته كسالف عهده، ومركزا ثابتا للقاءاتنا وشاهد عصرنا أيام الصبينة وما يرافقها من تحدٍ. لا يفصل بينهما (المطعم والمقهى) سوى أربع أو خمس محلات تجارية، متنوعة المهن والإختصاصات، ربما تحول بعضها الى أثر بعد عين أو جرى تبديلها الى مهن أخرى، قد تكون أكثر فائدة وتلاؤما مع أسباب العيش وضروراته، فضلا عن تغيرات العصر وما يقتضيه.

 

كيف إختص اﻷخ  الأكبر لمسعود بهذه المهنة فهذا ما لا نعرف خلفياته، ولكن ما يمكننا القول وما هو مؤكد، فإنَّ أصحابه أو مالكي المطعم، كانوا قد قدِموا ومنذ سنين بعيدة من إحدى القرى النائية الواقعة في أقصى شمال الوطن، ليجلبوا معهم عبق إحدى كنائس الشرق القديمة، وليستقروا آمنين بين ظهراني أهل مدينتهم الجديدة. إسم كبير اخوة مسعود من أسماء الورد الشائعة والمنتشرة في ربوعنا، ذات عطر نفّاذ وأكاد أشمُّ رائحتها الآن. لا تستغربوا ولا تستكثروا عليَّ إن قلت لكم وبحق بأن عبق تلك الوردة قد عصف بي وأنا أكتب هذه السطور وربما سيعصف بكم أيضا. تجدها (الوردة) على الأغلب بيضاء أو حمراء أو زهرية في لونها، تمتاز بطول العمر وكذلك التصالح مع ما يحيط بها، وبسبب من وداعتها وجنوحا للسلم فمن الصعوبة بمكان أن تقاوم وتضع حدّا لتلك التجاوزات والإعتداءات التي كثيراً ما تطالها. أمّا أنت يا صاحب الذكر الطيب فَلكََ كل الورود.

 

مسعود وأخوته وُلدوا في قرية وديعة، لا تغيب عنها الشمس ولا الوداعة. تنام مطمئنة، راضية على سفح جبل، تطلُّ على عرائش غنّاء من الكَرْم، اعتاد مالكها أو لنقل ذلك البستاني الذي يشرف على رعايتها الى حفظ الفائض من أعنابها بهدوء وروية في أحد سراديب قريته العتيقة، الباردة، ليقدم فيما بعد على تعتيقها وتعبئتها في أوعية خاصة وعلى نحو واضح من الأناقة، أسوة ببعض كبار تلك القرية، لتتحول بعد برهة من الصبر الى نبيذ عالي الجودة، قوامه من زلال ومحبة ومذاق يشبه أهله.

 

أوصى رب العائلة أبناءه قبيل مغادرتهم نبعهم الأول ومرتع طفولتهم، بأن يحافظوا على صلة الوصل بين بعضهم بعضا وكانوا كذلك. ومن وصاياه أيضا أن يرعى كبيرهم اخوته ما دام حيا، وإذا ما ضاقت بهم الأرض بما رحبت فعليهم حطَّ الرحال في بقعة مزروعة بين نهرين، سترى فيها خليطاً عجيباً ساحرا، أبواب مدينتها مشرعة للغريب قبل اﻷهل ومن غير حدود أوشروط، فهم قوم لا يعرفون الكراهية ولا الحقد، بل هم مسالمون، تغلب على طباعهم السماحة حتى تأصلت فيهم وباتت عنواناً وعلامة فارقة لهم، قد يشتركون فيها مع مدن أخرى، ليورثوها الى أبناءهم وأحفادهم من بعدهم. هَمَّهم وشاغلهم محبة البشر، عملا بما جاء في كتب الأولين وما أنبأنا به التأريخ. لا يفرقون بين هذا وذاك بسبب إختلاف الجنس أو العرق أو اللون أو الفكر أو الديانة أو أو .. . ، وظني بهم أن لا زالوا على ذلك العهد ومنذ التقيتهم وحتى لحظة مفارقتهم إضطرارا.

 

آخر ما قاله الأب لكبير أبنائه: يا ولدي وقرة عيني وضلعي القوي، وانت ذاهب  الى أرض الله الواسعة، إخترْ منها ما يطمئن لها قلبك وتطيب لها روحك.كُن كما عهدتك وما جُبلتَ عليه، صادقاً أميناً، مسالماً، إستنهضْ همم أخوتك، إيّاك والذّل فَفِيهِ فنائك وضياعك. وبعد أن أخذَ الوالد قسطا وفيرا من الراحة راح مواصلا: لا تبخل بنثر شذى عطرك أينما تحلُّ وترحل. لا تقلق ولا تحزن فلا فرق بين أن تكون هنا أو هناك، فالأرض واحدة، رحبة وتتسع لأحبتها، ومعيار جمالها سوف لا يقاس بأهلها فحسب بل بالقدرة على التفاعل مع المكان وساكنيه، وإذ ذاك ستعطيك كما تعطيها، وربما ستراها أسخى مني ومنك إن أحسنت التقاط اللحظة المناسبة. لا تَجزع ولا تَمل ولا تتراجع فالطرق ليست كلها سالكة بإنسيابية وراحة، وقد تبدو في خطواتها الأولى وعرة طويلة، صعبة وشاقة، وهذا ﻷمرٍ مفروغ منه، لذا خُُذ من الصبر صبرا وَزد على الحب حبا حتى وصول مبتغاك. أمّا أنا يا ولدي فسأبقى هنا لأقضي ما تبقى من عمري، ناذراً روحي وجسدي  لكنيسة السيدة العذراء. ثم ختمها بالقول: ليحميك ويحمي اُخوتك الربُّ والصليب وكتب السماء الثلاثة.

 

هذا الـ(مسعود)، الولد اﻷصغر بين أخوته، ولأنه على ما أظن قد حُرمَ أو لنقل على نحو أدق لم يُوفق في تكملة مشواره الدراسي، فبالكاد وعلى مضض ومن غير رغبة إستطاع أخيراً إجتياز مرحلة الأول متوسط وفي الدور الثاني، بعد أن تعمَّد عدم حضور الإمتحانات المقررة وفي موعدها المحدد ولمادتين دراسيتين، على أمل ممارسة المزيد من الضغط على عائلته، ساعيا الى التوقف عن مواصلة الدراسة، ليكتفي بهذا القدر من التعليم، وليأتي كذلك رفعاً للعتب واللوم المسلطان عليه من قبل اخوته. أمّا عن الأسباب الحقيقية التي وقفت وراءذلك العزوف، فهو وعلى لسانه: انه لمن الإجحاف حقاً أن ينصاع المرء وهو على هذا المستوى من الوعي لمناهج دراسية كهذه التي تُملى علينا وتُحشّى بها عقولنا، فعلى الرغم من التحولات التي يشهدها العالم وفي كل يوم وعلى مختلف المجالات، فلا زلنا نعتمد منهجاً متحجراً، كان قد عفا عليه الزمن،  وتراكم فوقه ذلك الكم الهائل من التطورات والمتغيرات السريعة، حيث بُتنا عاجزين عن اللحاق بها وعن مواكبتها.

 

الطريف في الأمر وعلى الرغم من تسببه في زعل اخوته عليه نتيجة قراره هذا والتي أدَّت الى مقاطعته لبضعة أسابيع،الاّ انه وبمجرد أن عادت العلاقة ثانية بهم ومن خلال أحدهم والذي يأتي في تسلسله الأقرب اليه، وتربطه به علاقة خاصة لتقارب عمريهما، تجد مسعود وقد عاد الى نفس أساليبه السابقة وفذلكاته وفي طريقة التعامل مع اُخوته، بل الأنكى من ذلك راح محرضاً أخيه على ضرورة ترك المدرسة كما هو فاعل، مستشهداً بما كان يردده الشاعر الفرنسي وأظنه رامبو: بأن سراويلنا قد بُليت، جراء الجلوس الطويل على مقاعد الدراسة ومن دون فائدة. ثم يختم قوله وبطريقة يهدف من وراءها إحراج أخيه حين يسأله: هل أنت في وضع ومستوى ثقافي ومعرفي، تؤهلك لأن تكون في أحسن حال وشهرة من رامبو؟.          

 

لم يفوّت أية فرصة مهما كانت من الصغر الاّ وتحيّنها، فما ان يرى أخاه منشغلاً بأمر ما داخل المطعم الذي يديرانه سوية، حتى يباغتك مسعود بحضوره المفاجئ وحيث مكاننا المفضل والمتفق عليه سلفاً، وبإبتسامة عريضة  تعلو وجهه،، وليقتحمك رويداً رويدا، تبدو في بداياتها مسالمة، ناعمة، لطيفة، الاّ انها سرعان ما تنتقل الى مرحلة أكثر تقدما، ليشاركك بعد ذلك الحوار الدائر وبحماس عالي، على الرغم من انه كان قد إبتدأ ومن قبل حضوره، وعلى الرغم أيضا من عدم معرفته وبشكل دقيق حيثيات ما يدور ولا بأصله ولا إذا كان يستحق كل تلك الإندفاعة من قبله.

 

المهم بالنسبة لمسعود وما يشغله هو أن يُفرغَ ما في جعبته من معلومات كان قد خزنها وبأية طريقة وكيفما إتفق، حتى لو انطوى ما يقوله على الكثير من الأفكار البسيطة والسطحية، أو على بعض المغالطات والتعابير العفوية وغير المقصودة والمتداخلة في موضوعاتها، بل حتى لو لم تَرُق  للمتحاورين. وفي كثير من المرات كان يباغت طرفي النقاش بوجهة نظر أو رأي لا يمت بصلة لأصل ما يخوضون فيه. وبسبب من اسلوبه هذا، كان كثيرا ما يؤدي الى حنق المحيطين به، غير انه أيضا كان يعالج (زعلهم) على عجل وقبل تفاقمه وبشتى الطرق، كإن الإنسحاب من الحوار بهدوء كما دخله أول مرة.

 

تنتاب مسعود وبشكل خاص في لحظات الصفاء وخلو المطعم من الزبائن، بعض الأفكار التي لا يجرؤ الإفصاح عنها حتى لأقرب أصدقاءه، لكنه في إحدى المرات ومن غير أن يدرك ما سيترتب على شكواه وتذمره من نتائج، فلتت من على لسانه وفي حالة غضب بضعة كلمات، حاول تداركها والإلتفاف الى تداعياته وما كان يقصده غير انه لم يوفق. لقد ابتليت في هذه المهنة وأخشى أن ترافقني حتى كبري، هذا ما قاله مسعود، ثم عاد ليستدرك وباسلوب بدا كما الذي يحدّث نفسه ولكنه تقصد أن تكون بنبرة صوت عالية، هادفاً على ما أعتقد إيصالها، واضحة صريحة، لا لبس فيها الى صديقه الذي يقاسمه جلسته: في كل الأحوال فالعمل في المطعم، أفضل بكثير من مضيعة الوقت في ذلك البناء الذي يسمونه بالمدرسة، وأفضل كذلك من ذلك الطقس الصباحي المفروض علينا والذي نساق فيه الى الصفوف كالنعاج، وتحت هراوة وتهديد مدير المدرسة أو مَن يحل محله.

 

وكي يداري ملله وضجره من هذا العمل الرتيب والذي لا جدوى يُرتجى منه، فقد كان مسعود وجرياً على عادته وبين حين وآخر يتحين الفرصة وتحت ذرائع وحجج واهية، من أجل التسلل والإطلالة على رواد المقهى والقاء نظرة سريعة على طبيعة روادها. وإذا كان من بين جلاسها مَنْ يثير إهتمامه، عند ذاك سيقرر دخولها، ليلتحق بنقاشاتهم، محاولا تسيدها ومن غير إستئذان. أمّا إذا تعذر عليه تحقيق ذلك فسيعود أدراجه من حيث أتى وبسرعة ومن قبل أن يكتشفه أخاه، آملاً الإحتفاظ بفرصة زيارة المقهى الى وقت آخر.

 

أمّا إذا ضاق به الأمر ووجد نفسه محاصراً بأعداد كبيرة من الزبائن، ويكون قد مضى عليه المزيد من الوقت وهو على هذا الحال، بحيث صار من المتعذر بل المستحيل الوصول الى المقهى كعادته كل يوم وﻷكثر من مرة، خاصة في أيام العطل والأعياد ونهاية الأسبوع وما يرافقها من تصاعد في وتيرة العمل وتزايد حجم الضغوط عليه، فإنَّ مسعود وفي هذه الحالة سيضرب عرض الحائط كل تلك الإلتزامات والضوابط، خاصة إذا ما وصل مسامعه وإشتم رائحة حوار ساخن، ليترك أخاه وحيداً في مواجهة وتدبير متطلبات المطعم، وكم من مرة وجد نفسه ( أي أخيه) مضطراً الى الإستعانة ببعض الرواد والزبائن، ممن تربطهم به علاقات خاصة ومتميزة، من أجل مساعدته في تدبير شؤون المطعم.

 

وفي مناسبات عديدة كالتي نتحدث عنها، وعند البحث عنه وفي تلك الساعة من الإزدحام، وبسبب معرفة أخيه المسبقة والواثقة بأماكن تواجده أو تواريه، تجد مسعود جالساً في الركن المعهود من المقهى وقد غاص في حوار فلسفي عميق مع أحدهم، سوف لن يوقفِه الاّ بعد إجبار الطرف الآخر على الإستماع والإصغاء الى كامل رأيه وبالتفصيل الممل، وكذلك سوف لن يسمح بإضافة أي تعليق أو تداخل معه، سيؤدي الى قطع سلسلة أفكاره، عازيا ذلك الى إنشغاله بالمطعم وضرورة الإستفادة من الوقت قدر إستطاعته، خشية مَقدم أخيه الأكبر وما يمكن أن يترتب على ذلك من نتائج، قد تأتي لغير صالحه.

 

 

 

جزء مقتطع من عمل سردي طويل

 

مالمو - السويد