انتخابات 2018 لنوجهها نحو هدف مقدس - إنهاء مسلسل التعيين الأمريكي لحكام البلاد

صائب خليل

 

 

في مقالة سابقة لي "انتخابات 2018 - العراقي يدخلها محملا بأربع عشرة كارثة كبرى" (1) تحدثت عن وضع العراق عشية الانتخابات، وعددت الكوارث التي تفتح فمها لتلتهمه. وكنت اقصد إثارة القلق والخوف اللازم لوعي الأخطار ونتائجها المنتظرة، وتوجيه الخيار الانتخابي لدرء أشدها عن البلد.

في مقالتي تلك، تركت عمداً كارثة هي أم الكوارث التي ندخل الانتخابات بها، وهي خضوعنا لنظام يقوم الأمريكان فيه بتعيين رئيس الحكومة العراقية تعييناً، بغض النظر عن نتائج الانتخابات! والأدهى منه هو قبول الشعب لهذا الأمر وكأنه طبيعي، رغم ان الجميع يعلم أن حيدر العبادي قد تم فرضه أمريكيا وتحت تهديد الشعب بداعش!

إنه حال مؤسف وخطير، لكن الكارثة تأخذ حجمها المرعب حين نعرف كيف ولماذا يختار الأمريكان قادتنا لنا، بأن ننظر إلى خيارهم عندما كانوا يمتلكون الحرية الكاملة لتعيين من يريدون: أياد علاوي.. رجل الأمن والتعذيب في قصر النهاية، والمتخلف الإرهابي منذ كان طالباً في كلية الطب، والمتهم بعملية قتل سادية في العامرية بعد 2003. إنه دليل قوي على نوعية الشخص الذي يريده الاحتلال، وبالتالي نوايا الاحتلال وخططهم بالنسبة للعراق.

وبالفعل شكل علاوي (أو شكلت له) أول وأفسد حكومة في تاريخ العراق كان حيدر العبادي ضمنها، وهو الذي سلم عقود شركات النقال التي فاحت منها رائحة الفساد الشديد، وكذلك أشهر الفاسدين حازم الشعلان وأيهم السامرائي الذين قامت القوات الامريكية بتهريبهما وكذلك عادل عبد المهدي وهوشيار زيباري. وقد أتم علاوي في فترته القصيرة تثبيت الفصل السابع رافضاً الفرصة التي فتحتها المانيا وفرنسا في وقتها لإنهائه، وتم وضع الأسس لأسوأ ما اريد للعراق من مؤسسات وقوانين ودستور.

حين فاز الجعفري لم يعجب الأمر الامريكان فقاموا بإزاحته خلال أشهر بعد حث توابعهم من الكرد وقادة السنة. وتم تنصيب المالكي الذي قبلته أميركا دون ان يكون المفضل لديها، فقد كان الأمل ان يفوز تابعهم الآخر عادل عبد المهدي الذي لم يكن يرفض لهم أي طلب مهما كان مخجلا (أنظر مقالتي على كوكل: "متى يرفض عبد المهدي ومتى يقبل").

 وأخيرا قام الأمريكان بتعيين حيدر العبادي بمؤامرة مفضوحة ومباشرة هذه المرة لاستعادة ذات فريق علاوي، وباستخدام نفس توابعهم الجاهزة وبالذات الرئيس الكردي (معصوم هذه المرة). وفي الوقت الذي قبل المالكي بكل مذلة منصب نائب رئيس الجمهورية الذي كان يتهمه بأنه يقوم بمؤامرة على حقه وعلى الدستور، كشفت النائب حنان الفتلاوي، وحدها تفاصيل تلك المؤامرة بكل دقة. لكن الشعب المغيب الوعي عن الاخطار التي تحيط به، لا يكترث ولم يكترث وهو يرى اصواته الانتخابية تهمل، ويعامل كشعب محتل، ينصب عليه حاكم فرضاً.

ملأ العبادي وزارته (أو ملئت له) بفاسدي المجلس الأعلى والكرد وكذلك وزير الدفاع المفضوح، العبيدي، (الذي التحق بتحالفه الحالي، تحالف النصر) وقام بتوقيع اتفاقات مدمرة مع كردستان، وأخرى لا يعلم بها الا الله مع المؤسسات المالية الدولية الخطرة، وحمل الكثير من المشاريع التدميرية للبلد لم ينجح في تمرير بعضها لحسن الحظ مثل "الحرس الوطني".

فالكارثة الخامسة عشر التي لم اذكرها في مقالتي السابقة، هي كارثة التعيين الأمريكي لرئيس الوزراء، تجاوزاً لنتائج الانتخابات. فعلاقة أميركا بالعراق علاقة من النوع "الخطر الصامت"، خاصة لما للولايات المتحدة من ارتباطات تدفع بها الى تدمير هذه البلدان، وهي لا تجد أي حافز للامتناع عن الاستجابة لتلك الارتباطات.

لقد أوضحت في مقالة سابقة (2) تعريف العلاقة الجيدة والسيئة، وقلت ان أسوأ العلاقات، العلاقة الخطرة الساكنة، لأنها تقوم باستنزاف البلاد وتحطيمها بعد نزع وعيها بالسيطرة على اعلامها، ونزع أية قدرة لها على الرفض والرد. إن تلك العلاقة كالورم الخبيث يعمل صامتاً، فلا تبدي الضحية الشعب - حراكاً ولا تشعر بشيء، إلى أن يكون الوقت قد فات على العلاج. خير مثال هو حالة العلاقة الأمريكية السعودية اليوم، والتي وجهت ثروات البلاد لقرن كامل، لتحطيم دول أخرى حسب المشيئة الامريكية، ومنع الشعب من بناء أي شيء من شأنه ان يساعده على البقاء على قيد الحياة عند نضوب النفط.

بالمقارنة فأن العلاقات "السيئة" الكلاسيكية التي تقوم على وجود نسبة من الاستقلالية والإرادة لدى الحكومة تكفي للغضب والزعل والاعتراض وربما استدعاء سفير او سحب سفراء، هي الأقل خطراً، رغم التوتر المكشوف، أو حتى التهديد بالحرب، كما في العلاقة الأمريكية الإيرانية أو الأميركية الكوبية. أن اية علاقة دولية لا يمكن ضمنها تخيل إمكانية طلب السفير مغادرة البلد، هي علاقة ابتزاز واضطهاد أكيدة. هي علاقة خطرة على وجود الدولة الصغيرة، كما هي العلاقة الأمريكية السعودية. ان البلادة والشلل الحكومي ضروري لبقاء تلك العلاقة، لذلك تجد الاحتلال يستميت من أجل اختيار وفرض أضعف وأغبى من يجده في البلاد ليحكمها كوكيل له.

ما الذي جعل العلاقة العراقية الامريكية هكذا؟ وكيف يمكن تغييرها؟ في مقالتي عن العلاقة مع اميركا (3) قلت ان العلاقة الحالية لا يمكن بأي شكل أن تكون في صالح العراق، ولا توجد أية حكومة أو قدرة تفاوضية يمكنها ان تعدلها إلى علاقة منفعة متبادلة، ما لم تشعر أميركا أنها مضطرة لذلك. ومادامت اميركا تعين رؤساء الحكومات العراقية فليس هناك ما يضطرها لأية علاقة "منفعة متبادلة" يتقاسم فيها الطرفان الفوائد. فلا يقتسم الكعكة من يستطيع ان يأخذها كلها.

إذن سواء كان الهدف طرد الأمريكان من البلاد أو الطموح إلى تحسين العلاقة معهم إلى علاقة طبيعية، فيجب أولا وقبل كل شيء آخر، على الوطنيين، حتى المؤمنين منهم بضرورة الوصول إلى صداقة أميركا، استئصال قدرتها على تجاوز نتائج التصويت وتعيين تابع لها، كما حدث في كل انتخابات حتى اليوم.

لكن هذا يتطلب تضحية وتحملاً ووعياً جديداً يعيد ترتيب الأولويات في أذهاننا. فكيف سنقنع السنة أو الصدريين مثلاً، بالدفاع عن الخيار العراقي، حتى لو كان المالكي نفسه؟ إنهم يبدون مستعدين لبيع البلاد الى الشيطان شرط ألا يكون خصمهم اللدود في الحكم! وكيف سنقنع "المدنيين" بضرورة الإصرار على رفض من يختاره الامريكان للبلاد، إن كان هذا الأخير يعدهم بحرية الشراب واللباس، والحاكم الإسلامي يهدد بالمنع وبقوانين متخلفة؟

أنا اعتبر المالكي محتالا وغبيا، ولا آمل الخير في حكم ديني، لكن هذا لا يعني أن "أحرق بيتي" لكي "أخيف الفئران"، كما يقول المثل الإنكليزي، بقبول شخص يأتي به الأمريكان أو غيرهم من وراء الكواليس. أنا أدرك أن أي حاكم مهما كان غبيا او متخلفاً، لا يمكن ان يكون بذات الضرر والخطر على البلاد مثل شخص تأتي به حكومة ترمب الذي يتحدث عن محاصرة آبار النفط العراقية بقوات أمريكية والاستيلاء عليها، والذي جعل السعودية الحليفة له، تزوع نفط اجيالها في صفقات فارغة! رئيس تعينه دولة امسكت عشرات المرات متلبسة بضرب قوات البلد أو إنقاذ قيادات الدواعش. حكومة ترمب التي تفرض نفسها بلطجياً يحطم سوريا ويتعاون مع داعش ويتبرع بالمدن العربية لإسرائيل. حكومة لا تختار لنا إلا حكومة همها إفشال الوزارات والمؤسسات وكل شيء، من اجل خصخصتها. دولة تحرص على تكبيل البلاد بعقود مع صندوق النقد الدولي الخطير، تذكرنا بروايات القاتل الاقتصادي المروعة. حكومة باعت الصناعة وتنهش الكهرباء والتعليم والصحة وتتجه لتغرس انيابها في النفط بقانون شركة النفط الوطنية. إرهاب يبدأ بمجندين بريطانيين في البصرة وأسلحة كشف متفجرات فارغة، لينتهي بدخول لا تفسير له، لقوات داعش إلى البلاد. وقادة عسكريين عملاء مستعدين لتسليم مواقعهم واسلحتهم إلى داعش بدون قتال. يرتكبون خيانتهم ويفلتون بلا حساب، بل يوضعون في المناصب الأخطر، استعداداً للمرة القادمة. رؤساء حكومات يحملون على كتفهم مشاريع الحرس الوطني لتقسيم بلادهم إلى أشلاء مبعثرة، لكل منها جيشه الخاص. وأعضاء مجالس محافظات لا يتحدثون إلا عن سلخ محافظاتهم بشكل أقاليم، وآخرين يسلمونها إلى داعش ثم يعلنون نيتهم تقسيمها إلى ستة أجزاء وتقاسمها مع كردستان، وإرهابيين يحصلون على العفو العام، بل ويعودون لممارسة السياسة العلنية غصباً عن الشعب وعن القانون، وبنك مركزي خارج سلطة الدولة ومؤسساتها وموظفيه محميون بحصانة بريمر من القانون الشبيهة بحصانة القوات الأجنبية، تقيهم الحساب وتطميناً لهم على الفساد! وغيرها كثير وكثير.. قائمة رهيبة لا نهاية لها!

ما الذي يعنيه ذلك؟ هذه الكوارث، تعني أولاً أن كل نائب أو كتلة أو تحالف يعد الشعب بأشياء عظيمة وبراقة، هو محتال بالضرورة، ومشبوه بالضرورة، ويجب استبعاده من الانتخاب. فالطبيب الذي يعد مريضاً بشلل الأطفال بأنه سيجعل منه متسابقاً للركض، طبيب محتال يجب طرده بسرعة، حتى لو امتع المريض هذا الوهم اللذيذ. يجب ان نفهم أن خمسة عشر عاماً من علاقة من النوع المدمر، أمر لا يمكن تجاوزه بلا خسائر كبيرة، وأن خير ما يمكن ان نفعله هو السعي لإنقاذ البلاد من القادم من الكوارث.

 

إن اتفقنا على ذلك فما هي الخطوة الأولى التي تستحق اولويتنا لتعديل هذه العلاقة والاستفادة من الانتخابات التي تطرق الأبواب؟

قلنا إن هذه كلها كانت نتائج حكام قام الأمريكان بتعيينهم دون استثناء، وبالتالي فإن استمرار هذه الحال انتحار حقيقي بطيء، يقرض البلاد دون ان يحدث ضجة، لذلك فوقفها يجب ان يكون الأولوية رقم 1 لكل عراقي.

يجب أن نبدأ تعديل العلاقة مع اميركا بتخليص البلاد من التأثير الأمريكي المباشر، بانتخاب أكثر المرشحين وعياً لخطر تلك العلاقة، وأبعدهم عن تنفيذ اجنداتها التي أوصلت البلاد إلى هذه الحال أولاً. وأن نقوم بقطع الطريق على الأمريكان لاستبدال المنتخب بمن يريدونه، أي كان، ونشر الوعي بتلك الحقيقة وخطورتها، وتكوين الزخم الشعبي اللازم لمنعها.

إن تحقيق ذلك يتطلب من الكثير منا أن يعدلوا أولوياتهم لصالح هذا الهدف، ولن يتم ذلك إلا بوعي الخطر، وتغلب الخوف منه على مخاوفهم من بعضهم، وتعهد جميع الكتل عهد شرف، بالوقوف مع المنتخب حتى لو لم يعجبها، وحمايته من أية محاولة أمريكية لتغييره! عندها فقط يمكن أن نأمل أن توافق اميركا على تغيير علاقتها معنا إلى شكل أقل خطورة وضرراً، وربما أكثر فائدة.... إن الانتخابات هي الفرصة لنبدأ ذلك.  (يتبع)

 

(1) صائب خليل - انتخابات 2018 - العراقي يدخلها محملا بأربع عشرة كارثة كبرى

 https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/1804665092923885

(2) صائب خليل- أيهما أفضل علاقة السعودية بأميركا أم علاقة إيران بأميركا؟

https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/1805513519505709

(3) صائب خليل - الصداقة مع اميركا من يمنعها؟ وما هي الخطوة الأولى نحوها؟

 https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/1807596882630706