رسالة المرجعية: باتجاه تكريس الدولة الطائفية كنسخة مخففة من "ولاية الفقية"!

 

علاء اللامي

 

1--لنبدأ من السطر الأول في الرسالة التي قرأها الشيخ عبد المهدي الكربلائي ممثل المرجع السيستاني في خطبة الجمعة 4 مايس الجاري، فمنذ السطر الأول تقفز الرسالة على واقع الاحتلال الأميركي وتداعياته المدمرة ومنها إقامة حكم المحاصصة الطائفية، فتبدأ الرسالة بعبارة "منذ سقوط النظام الاستبدادي السابق" ولهذه البداية دلالاتها، فكاتب الرسالة - وأنا أشك بقوة في انها مكتوبة مباشرة من قبل المرجع علي السيستاني إذ أن الأسلوب الصحافي الحديث والمصطلحات المعاصرة واضحة فيها وربما كتبها ابنه محمد رضا وحاشيته - يقفز هنا على أكبر جريمة في تاريخ العراق الحديث أدت فيما أدت إليه إلى قيام نظام طائفي رجعي لا يتلاءم مع طبيعة المجتمع العراقي التعددي الذي كان بحاجة إلى نظام ديموقراطي دستوري مواطني يسعى إلى قيام دولة مواطنة. لقد نشأ هذا النظام بدعم كاسح من المرجعية وها هي تحاول اليوم إعادة تسويقه كنظام ديموقراطي لا بديل له وهو في حقيقته نظام محاصصة لصوصية طائفية ودولة مكونات متهرئة وملطخة بالدماء وهي في الواقع وعلى الأرض ليست دولة واحدة بل ثلاث دويلات طائفية غير معلنة رسميا ومتصارعة على الريع النفطي والامتيازات والمناصب: دولة في الإقليم وأخرى في الجنوب والوسط وثالثة في ما تبقى من العراق.

2-وبعد أن تفاخرت المرجعية بدورها وسعيها إلى إقامة النظام السياسي الحالي بدعوى أنه (نظامٌ يعتمد التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة عبر الرجوع الى صناديق الاقتراع، في انتخابات دورية حرّة ونزيهة) تسجل الرسالة تحفظها وتعتبر كل ما حدث من كوارث في العراق بسبب هذا النظام مجرد "إخفاقات" بل وتؤكد انها ماتزال (عند رأيها من ان سلوك هذا المسار يُشكّل ـ من حيث المبدأ ـ الخيار الصحيح والمناسب لحاضر البلد ومستقبله، وانه لا بد من تفادي الوقوع في مهالك الحكم الفردي والنظام الاستبدادي تحت أي ذريعة أو عنوان). فهل العراق مهدد فعلا بنظام حكم فردي استبدادي؟

هل هناك خطر من هذا النوع ولو بنسبة 1% ؟ أم أن العراق وشعبه مهددان بنظام حكم فاسد ورجعي يحكمه فعلا وينهب ثرواته بشكل "لا سابق له" بعبارة المرجعية نفسها؟ لماذا، إذن، التهويش والتخويف بخطر قيام نظام استبدادي فردي لا وجود له والسكوت على نظام مجرم قائم فعلا ولا يقل شرا ودمارا عن النظام الفردي الاستبدادي؟

3-تضع المرجعية عدة شروط لكي يؤدي المسار الانتخابي ( الى نتائج مرضية) ومنها : توفر القانون الانتخابي العادل. وأن تتنافس القوائم الانتخابية على برامج اقتصادية وتعليمية وخدمية قابلة للتنفيذ بعيداً عن الشخصنة والشحن القومي أو الطائفي والمزايدات الاعلامية وأن يُمنع التدخل الخارجي في أمر الانتخابات سواء بالدعم المالي أو غيره، وتُشدّد العقوبة على ذلك. ومنها: وعي الناخبين لقيمة اصواتهم. والسؤال هو:

* لماذا تأخرت المرجعية في مطالبتها بقانون انتخابي عادل حتى الآن ولم تطالب به في وقت صدور أو على الأقل في فترة مناسبة قبل الانتخابات فقد يتدارك أهل الحكم موضوعه؟

*وإذا كان النظام قائم أصلا وبرضا المرجعية ومباركتها على المحاصصة الطائفية ودولة المكونات فكيف لها ولنا أن ننتظر من هذا النظام قانون انتخابات عادل ومفوضية انتخابات غير طائفية؟

*وإذا كانت المرجعية نفسها سكتت على حرب احتلال العراق سنة 2003 وعلى هيمنة دولة الاحتلال ومعها إيران على مفاصل الحكم والاقتصاد والأمن فكيف لها أن تشجب التدخل الأجنبي ودعم الدول الأجنبية لبعض القوائم الانتخابية؟

*وبهذا الصدد هل قالت المرجعية شيئا عن لجنة الخبراء السداسية الأميركية المقيمة الآن في السفارة الأميركية في بغداد ومهمتها كما قيل في الإعلام الإشراف على الانتخابت؟

*أليس وجود هذه اللجنة تدخلا اجنبيا فظا ام أن المرجعية لم تسمع بعد بوجود هذه اللجنة؟

4-وعن إخفاقات النظام والمسار الانتخابي تقول رسالة المرجع (ومن المؤكد ان الاخفاقات التي رافقت التجارب الانتخابية الماضية ـ من سوء استغلال السلطة من قبل كثيرٍ ممن انتخبوا او تسنّموا المناصب العليا في الحكومة، ومساهمتهم في نشر الفساد وتضييع المال العام بصورة غير مسبوقة، وتمييز أنفسهم برواتب ومخصصات كبيرة، وفشلهم في اداء واجباتهم في خدمة الشعب...) ورغم أن الصورة التي ترسمها المرجعية ليست دقيقة لأن واقع الحال أكثر قتامة وسوادا منها بكثير ولكن لنقبل بهذه الصورة ولنتساءل : ألا يستحق هذا الواقع أن تكشف المرجعية لجمهورها عن المسؤولين عن هؤلاء الفاسدين الكبار او أحزابهم أم انها اكتفت برفض استقبالهم ونثر بركاتها عليهم؟ ألا يستحق هذا الواقع المظلم وقفة جدية تدعو إليها المرجعية أو تحرض عليها انصارها "ومقليدها من جمهور المؤمنين" على الأقل ومن باب الواجب الديني؟

5-تذكرنا المرجعية بانها (ومراعاة لتركيبة العراق الدينية والاجتماعية وتأثيرات الاوضاع الخارجية لم تترك مراقبة ومتابعة وملاحقة مسار العملية السياسية وما شابها من أخطاء وتعثرات اثرت بشكل كبير فكانت تنصح وتنشد بلغة مناسبة وتؤشر مكامن الخطأ). ونتساءل هنا: ما معنى مراعاة تركيبة العراق الدينية والاجتماعية ؟ أليس هذا تسويغا وتأييدا صريحين لدولة ودستور المكونات الذي يلح على موضوع المحاصصة لتحقيق التوازن بين المكونات وليس لتحقيق الاندماج المجتمع في هوية عراقية واحدة رئيسية؟ ثم عن ماذا أسفر هذا النصح الذي قدمته المرجعية وإلى أين انتهى النظام في الواقع؟

6-لم ينتظر أشد العراقيين تفاؤلا بان المرجعية قد تدعو الناس الى مقاطعة الانتخابات والمطالبة بتعديل الدستور وقانون الانتخابات والأحزاب وتشكيل مفوضية مستقلة من رجال القضاء المستقلين ولكن ما حدث هو أن المرجعية شجعت في الحساب الأخير العراقيين على المشاركة فيها رغم كل تحفظاتها عليها ولكن بطريقة غريبة. فهي اعترفت بأن التصويت حق ومن حق المواطن ألا ينتخب ويمتنع عن التصويت ثم عادت لتحذر من عدم التصويت حتى لا تسقط أصوات الممتنعين في حساب الفاسدين أي ان المرجعية شجعت التصويت حين التفت على إباحة عدم التصويت بتحذيرها من ان عدم التصويت قد يؤدي الى استفادة الفاسدين من أصوات الممتنعين. فأي منطق هذا وأي استقامة في التعامل مع الناس؟

وحين تفاخر المرجعية بأنها ومن خلال صبرها (نال العراقيون ثمرة الصبر والتحمل وهي الحفاظ على وحدة العراق) فهي لا تعلم ربما أن هذه الوحدة مهددة وهشة وتمزقها التناحرات والاستقطابات الطائفية والقومية وان فترة الهدوء لما بعد داعش لن تدوم طويلا والسبب هو أن في العراق ثلاث دويلات طائفية على الأرض ولكنها غير معلنة رسميا لا دولة واحدة وموحدة ومندمجة وقائمة على أساس المواطنة.

7-وختاما: فلا أرى جديدا في خطاب المرجعية سوى أمرين: الأول هو أن الجرعة الدينية السلفية في التعاطي مع الشأن السياسي قد ازدادت كثيرا عن السابق واقتربت كثيرا من خطاب ولاية الفقيه الإيرانية وأصبحت تحصر قضية الإصلاح بالأنبياء والأئمة وبعدهم بالعلماء فأي علماء تقصد؟ الأكيد أنها لا تقصد علماء الفيزياء والفقه الدستوري وعلم الاجتماع...الخ، بل تقصد نفسها بوصفها مرجعية مؤلفة من علماء الدين والفقه الديني بوصفهم ورثة الأنبياء والأئمة. والجديد الثاني هو أنها أزالت المسافة القصيرة أو رفعت الجدار الرقيق الذي يفصلها عن الحكم ومؤسساته ورجاله والذي كانت تحتجب خلفه وها هي تدافع عن النظام بل وتفاخر بدورها في قيامه وتأسيسه وتدعوا إلى التفاؤل في أن هذا النظام يمكن ان يصلح من داخله حين تقول (ولكن يبقى الأمل قائماً بإمكانية تصحيح مسار الحكم وإصلاح مؤسسات الدولة من خلال تضافر جهود الغيارى من ابناء هذا البلد واستخدام سائر الاساليب القانونية المتاحة لذلك). فهل هذا ممكن؟ أمن الممكن للفاسدين أن يصلحوا ما أفسدوه فينتحروا سياسيا وماليا ويتنازلوا عن امتيازاتهم ومناصبهم وثرواتهم التي نهبوها من الشعب من تلقاء أنفسهم ودون ضغوطات وتحركات شعبية ودون موقف من المرجعية التي لها صوت مسموع بين الناس الذين دفعت بهم إلى التصويت لهذا النظام ودستوره ومؤسساته؟

لقد أصبحت المرجعية النجفية، ومرجعها الأعلى السيستاني، جزءاً من نظام الحكم القائم بل هي أهم جزء فيه وأكثرها فاعلية وأثراً وعليها أن تتحمل المسؤولية كاملة عن واقع الحال الكارثي والخطير أمام الله والتاريخ، وأمام الشعب العراقي الذي من حقه منذ اليوم فصاعدا أن ينظر إليها كنسخة مخففة وغير معلنة من دولة ولاية الفقيه الدينية الاستبدادية. وإن دولة استبدادية كهذه لن يكون لها مكان في العراق التعددي إلا بزوال العراق نفسه كبلد وكشعب وهذا ما لن يسمح بوقوعه العراقيون رغم كل التضليل الطائفي المهيمن اليوم والقمع المليشياوي والدعم الأميركي للنظام والتآمر الإقليمي ضمن الصراع الطائفي بين السعودية وإيران.

 

رابط يحيل الى نص رسالة المرجع السيستاني في أول تعليق.

http://www.albadeeliraq.com/node/1199