التاريخ لن ينتهي بعد الحرب القادمة

 

يارون لندن

 

يديعوت مقال افتتاحي -8/5/2018

بين اسرائيل وايران تدور رحى حرب ملجومة، وبين اسرائيل وتركيا يدور رحى عداء؛ بالمقابل تتوثق علاقاتنا مع الجيران السنة. هذه التطورات قلبت رأسا على عقب سياسة "حلف الاقليات"، التي طورتها الدبلوماسية الاسرائيلية على مدى عشرات السنين الاولى لوجودها. في ضوء عداء جيرانها بحثت، بل ووجدت احيانا ايضا، حلفاء سريين وعلنيين ليسوا سنة وليسوا عربا. هكذا ارتبطنا بايران في عهد الشاه، بتركيا في العهد الذي سبق اليقظة الدينية، بالاكراد في العراق، باثيوبيا التي بسيطرة المسيحيين وبالمارونيين في لبنان.

اما الان فاصدقاؤنا هم بعض من الدول التي تحد بنا، واعداؤنا هما بالذات الدولتان الكبيرتان في الدائرة الخارجية.

ان تطوير صداقة مع أعداء اعدائك هو خطوة مفهومة من تلقاء ذاتها أكسبتنا فضائح عديدة، ويخيل لي أن في حالة واحدة فقط الحلف مع المسيحيين في لبنان فاقت الخسارة الربح. فقدنا هناك الكثير من الناس، استثمرنا مقدرات هائلة، أثرنا الشيعة، وعلى ما يبدو سرعنا سيطرة حزب الله على الدولة المجاورة. في اساس الامر نبعت هذه الخسارة من الارتباط بالعنصر المستضعف وليس مع العنصر المتعاظم. فسياستنا لم تأخذ في حساباتها الدونية الديمغرافية للمسيحيين، الانشقاقات في معسكرهم وفسادهم.

ان ديمغرافيا لبنان هي معطى تأثيره كان يمكن توقعه، ولكن ينبغي الاعتراف بان تأثير المعطيات الاخرى كان من الصعب تقديره وبالتالي يمكن المغفرة للمقدرين الوطنيين على الخطأ في التوقع. المشكلة هي أنهم لم يعنوا بذلك ابدا. فالشيعة وارتباطاته بايران لم يذكروا في الجدالات العاصفة التي سبقت حرب لبنان الاولى، ولا حتى بعد سنوات من ذلك.

ورطتنا في لبنان هي مثال على تجاهل المستقبل المبطن، الذي لعله يلزم بتغيير في الفكر. لا اقول انه يحتمل ان تكون اضطرارات الحاضر تفرض علينا سلوكا يتميز بردود فعل على تحديات عاجلة. اقول انه ينبغي التصدي للافكار للمدى البعيد، لان التاريخ لن ينتهي بعد الحرب التالية.

أقصد التخوف الذي لا نأخذ فيه هذه المرة ايضا بالجدية المناسبة معنى حلفنا مع الطرف المستضعف في الصراع الجاري في منطقتنا. فالطرف المستضعف هو الدول العربية السنية، بينما الطرف المتعزز، المفعم بالطاقة، عظيم الاحتمالات، هو ايران وتركيا. وينبع تفوقهما من مكانهما على الخريطة، من امكانياتهما الاقتصادية، من حجم طبقة المثقفين في اوساط سكانهما، ومن احساس الغاية الذي يحركهما. فضلا عن ذلك، رغم عداء حكام ايران وتركيا للغرب، فان امتيهما منفتحة على روح الحداثة اكثر من الامم العربية السنية.

ان ضعف "طرفنا" واضح. فوضع مصر فظيع ومستقبلها يتخذ صورة المصيبة. وهاكم جملة معطيات: قرابة 106 مليون شخص يكتظون في نطاق قاطع يشكل نحو 2 في المئة من مساحة البلاد. معدل الولادة الذي هبط عاد وارتفع. نحو 40 في المئة من قوة العمل تعمل في الزراعة المتعلقة تماما بنهر مياهه تتلوث وتقل. وتيرة التصنيع بطيئة جدا، وذلك ايضا لان نصف السكان لا تعرف القراءة والكتابة. التعليم الاكاديمي في أسفل الدرك. معظم الشباب عاطلون عن العمل. الجيش يدير نصف الاقتصاد، وفشله كقوة مقاتلة يتجسد في المعركة البائسة التي يخوضها في سيناء. معظم السكان يؤيدون حكم الشريعة، والغالبية الساحقة من اولئك يؤيدون قتل المسلمين الكفار في دينهم. مصر توجد في المرتبة الـ 106 بالتصنيف العالمي في مقياس التنمية البشرية.

وبالنسبة لصديقتنا الاخرى، السعودية، هناك من يعلقون الامل في التغييرات التي تجري فيها بالهام من ولي العهد الصاعد محمد بن سلمان، ولكن في هذه الاثناء تعيش المملكة المطلقة هذه في العصور الوسطى. وحتى لو جرت فيها السياقات المرجوة، حتى لو اعفيت من العنف الذي تنطوي عليه التغييرات الاجتماعية المتطرفة، فستمر أجيال حتى تصبح دولة حديثة ومنيعة.

الواقع ربطنا باصدقاء بائسين، ولكني لست واثقا من أننا نفعل ما يكفي كي نغير موقف اعدائنا الاقوياء والمتعززين.