قصة تزوير الانتخابات بالحاسبات في العراق

صائب خليل

 

 

8 مايس 2018

قال النائب حاكم الزاملي، ان هناك "مخطط تقوده جهات سياسية متنفذة" لتعطيل أجهزة التصويت الالكتروني، بهدف "اللجوء الى العد اليدوي" لغرض "تزوير النتائج"(0). وقد أثار هذا التصريح ذكريات احتيالات رئيس مفوضية الانتخابات السابق فرج الحيدري. كما اثار ذكرى أول خيبة أمل لي بالتيار الصدري في ذلك الحين، عندما وقف فريقه البرلماني ليصوت لمنع سحب الثقة عن مفوضية كشف فسادها بشكل يجعل الإنسان يستغرب ان يوجد إنسان ينعدم فيه الحياء إلى درجة أن يدافع عنها.  ورغم إني كتبت مستهجنا، (ورسمت كاريكاتيراً)، فقد اعتبرتها كبوة جواد مؤسفة في وقتها، لأنها حادثة مفردة للتيار الذي كنت مستعداً للتحيز لتفسير قراراته بالحماقة والزلة، فهو من وقف لوحده مصراً على خروج قوات الاحتلال، وذلك دين في رقبة العراقيين لا ينسى. لكن الأمور تغيرت كثيرا.

من المفيد اليوم أن نلقي نظرة على تاريخ الصراع في العراق حول تزوير التصويت بالحاسبات، والذي شاركت فيه بنشاط، فهو اختصاصي ايضاً.

في 2008 كتبت مقالة بعنوان "استخدام الإلكترونيات في الانتخابات ليست حضارة وإنما محاولات تزوير" (1)

وكانت حول حيلة المفوضية لاختيار موظفي مراكز تسجيل الناخبين بنظام "القرعة الإلكترونية"، وبينت أن القرعة الالكترونية ضحك على الدقون، وأن مسرحية "تجربتها" امام الصحافة، استخفاف بعقول الصحفيين واستغلال لجهلهم بعمل الحاسبات، فكيف يمكنك ان تعرف ما تقوم به حاسبة، من خلال النظر اليها؟!

بعثة الأمم المتحدة في العراق يونامي، كانت دائما من الجهات المشجعة لاستخدام الحاسبات والتصويت الالكتروني، وعلينا ان ننتبه أنها ليست موضع ثقة ابداً. فبعد اغتيال رئيسها الأول سيرجيو دي ميلو، كان كل من جاء بعده من أصدقاء إسرائيل المعروفين، وهذا موضوع خطير آخر. لكنها حذرة أكثر من المفوضية ومن الزاملي، فلا تقول إن الحاسبة أكثر اماناً من العد اليدوي، بل تكتفي بامتداح سرعتها وقلة كلفتها، (2) لأن، لا أحد في العالم يصدق أنها أكثر أمناً من العدي اليدوي إلا الزاملي وامثاله.

 ويذكر أن خبراء من الرافضين لاتهامات الحكومات الغربية لإيران بالتزوير في انتخابات المرحلة الثانية لنجاد، أشاروا إلى حقيقة أن إيران تستخدم العد اليدوي ولا تستخدم الحاسبات، واستندوا إلى ذلك لتبيان أنه يستحيل تحقيق تزوير واسع النطاق لأنه يتطلب تآمر عدد كبير جداً من المراقبين. أما التزوير بالحاسبات فليست لديه مثل هذه المشكلة، لأنه يعمل داخل صندوق مغلق. فمن السهل جداً أن تبرمج الحاسبة على إشارة تأتيها عن طريق الـ (Wifi) لتغيير مسار برنامجها، ليعدل الأرقام بالكمية الضرورية لفوز من يريد المسيطر على الحاسبة ان يفوز.

لا يقتصر التزوير على البلدان الصغيرة. ففي مقالتي "مبرمج يعترف بتزويره حاسبات الانتخابات الأمريكية" (3) اشرت الى فضيحة نشرت في اميركا حول تزوير انتخابات عام 2000، بين "الغور" و "بوش" حيث تعاونت أنواعا عديدة من الغش لكي يفوز الأخير، لكن ما يهمنا هنا الأدلة الموثقة بالاعترافات بالتزوير بالحاسبة أمام أكبر الجهات القضائية في أميركا! (4)

حيث اعترف "كلنت كيرتس" في صحوة ضمير، بقيامه بقلب نتيجة التصويت، عند الضغط على زر مخفي في شاشة حاسبة التصويت التي تعمل باللمس، من خلال زر مخفي في الشاشة، يقوم بضغطه شخص يقوم بالإدلاء بصوته، ويحرص على ان يفعل ذلك في نهاية يوم التصويت ليغير النتيجة وبنسبة محسوبة لكيلا تثير الشبهات هي 49% - 51%.

وقد استعمل ذلك البرنامج لتغيير النتيجة لصالح بوش وضد جون كيري في انتخابات 2004 في الولايات الحرجة.

بعد تقديم شهادته، تم طرد "كيرتس" من شركته وملاحقته وتشويه سمعته، لكنه اثبت صدق كل ادعاءاته، وأبرز رسالة من الشركة لإقناعه بترك الموضوع والعودة إلى عمله! وقال إنه رفض عرضاً بمليون دولار مقابل التراجع.

وقد أكدت جامعة برينستون إمكانية التزوير ونشرت فلماً على يوتيوب بين اختراق الحاسبات خلال أقل من دقيقة، وبدون ترك أثر. وفي مقاطعة ماهوني، أكدت لجنة الانتخابات حدوث أخطاء في 20 إلى 30 من الحاسبات حيث كانت تحيل أصواتاً موجهة للديمقراطيين إلى الجمهوريين.

ولاحظ الصحفي براد فريدمان في انتخابات 2004 أنه في الولايات التي كانت تستعمل حاسبات التصويت، فأن النتائج كانت تختلف تماماً عن نتائج الاستبيانات، بينما في الولايات التي كانت تستعمل الأوراق في تسجيل الأصوات، فأن النتائج كانت متطابقة بشكل كبير.

ويمكننا هنا ان نتخيل مزوري الحاسبات قد يخشون الانكشاف حين تكون الفوارق كبيرة، لكنهم في البلدان التي تخلوا من تلك الاستبيانات، او يسيطرون هم عليها، مثل العراق، فأن التزوير يكون أكثر حرية.

المزورون يدافعون عن أنفسهم بالقتل إن تطلب الأمر. لقد وجد ريموند ريمي الذي كان يحقق في عمليات تزوير الانتخابات في أميركا مقتولاً في غرفته في الفندق، ذبحاً بموس حلاقة في تموز 2003، وسجلت الحادثة كعملية انتحار! وتم كشف كذب الشرطة التي حاولت إخفاء حقائق الحادثة. وساد الاعتقاد بأن ريمي قد قتل بعد أن توصل إلى معلومات كانت ستعرقل فوز جورج بوش، وتسبب احراجاً في الحرب على الإرهاب. (5)

لحسن الحظ، نحن أيضا لدينا، نشطاء يخاطرون بحياتهم من أجل كشف الحقائق. فبعد مقالتي "الحاسبة المزور الصامت.." (6) وصلتني من أحد أصدقائي في العراق، وجبات من معلومات خطيرة عن منظومة الانتخابات، كان يمكن ان تؤدي بحياته!

والمعلومات تقول إن النظام الحاسوبي الذي تستعمله المفوضية قد تم شراؤه من قبل بعثة الامم المتحدة لمساعدة العراق (UNAMI) من شركة تسمى "ناشيتا" (Nashita) (7) وأن تلك الشركة تجهز المفوضية بكافة أجهزة الاتصالات بين مراكزها في المحافظات وبين المركز في بغداد، بواسطة شبكة اتصالات من خلال الأقمار الصناعية (VSAT) والذي يجهز اتصالات الإنترنت.

ومن الطبيعي أن استعمال المفوضية لشبكة اتصالات فضائية للحاسبات بين مراكزها يتيح للآخرين، وخاصة الشركة التي تشرف على تلك الأجهزة، ليس فقط التجسس على ما يدور داخل الشبكة فقط، وإنما ألتدخل وتغيير المعلومات داخل الشبكة والحاسبات أيضاً!

النقطة الأخرى الأشد خطورة في كل تلك المعلومات هي أن هذه الشركة مملوكة لمنظمة مجاهدي خلق! وأن حساباتها المالية تدار من معسكر أشرف، وبمساندة من منظماتهم في الخارج!

ثم وصلني أن "ناشيتا" أو "ناشطة" تؤمن أيضاً اتصالات جهات أمنية خطيرة مثل وزارة الدفاع. وأن مسجل الشركة والمسؤول الفني لموقعها يدعى (سعيد كاظم ((يحتمل أنه أسم مستعار يستعمل في المخاطبة وليس إسم رسمي) وأن هذا الشخص مرتبط بمنظمة مجاهدي خلق، وأن لديه رقم هاتف من أمريكي (أحتفظت به لحين ورود طلب من جهة رسمية). وعرفنا أن الشركة لم تكن تمتلك موقعاً على الإنترنت قبل عام 2006، مما يعني على الأغلب انه تم انشاءها من قبل جهة معينة خصيصاً من اجل العراق.

وقد تمكنت من التحقق من أهم هذه المعلومات من مصدر ثان، إلا أني تركتها كـ "معلومات تحت الفحص للجهات الحكومية والجهات المعنية بسلامة الإنتخابات."

بعد نشر هذه المعلومات في مقالتين (8) و (9) أرسلت لي الشركة رسالة تهديد بالملاحقة في المحاكم الأمريكية والدولية، إن لم اسحب مقالاتي من مواقع النشر وأكذب ادعاءاتي خلال 72 ساعة، فقمت بنشر الرسالة (10) بعد استشارة محامي في بروكسل، ورددت على ادعاءات الشركة ونشرت تلك الردود، ولم ينتج عن ذلك ملاحقة. لكن أي تحقيق حكومي لم يجر في الأمر، وهكذا خاطر صاحبي بحياته دون فائدة.

ما نريد قوله هو أن الشعب العراقي تعرض ومازال يتعرض لتزوير كبير تسيطر عليه اميركا بلا شك. وفي ذلك الوقت كان الحيدري يستغل جهل الناس، بمثل هذه الأمور ليصرح أيضا بأن الحاسبات "لا تعرف الانحياز"، والتهويل حين قال: "إن الإصرار على إعادة الفرز يدويا يعني إعادة العملية الانتخابية برمتها من جديد"! (11)

من هولندا يأتي برهان دامغ على كذب سلامة استعمال الحاسبات في الانتخابات. فبعد صراع دام سنين طويلة، خاضه الناشطون الذين "لا يثقون بحاسبات التصويت" قرر البرلمان الهولندي (12)، استناداً إلى دراسة أعدتها لجنة متخصصة، بأن حاسبات التصويت لا يمكن الوثوق بها. وهكذا تقرر منذ 16 مايس 2008، إلغاء جميع الحاسبات التي كانت تستعمل لحساب التصويت في الانتخابات في هولندا، والعودة إلى استعمال القلم! (13) هذه الوثائق باللغة الهولندية، لكن يمكن مشاهدة هذا الفيديو المترجم إلى الإنكليزية (14) لمعرفة بعد المشكلة وخطورتها، حتى في بلد مستقر ومتقدم مثل هولندا! الفلم يبين عملية تغيير برنامج الحاسبة ببرنامج "مغشوش" حيث يتم التصويت لجميع الأحزاب عدا واحد، لكن الحاسبة تجعل ذلك الحزب هو الفائز! إذن فالنتيجة تعتمد كلية على البرنامج، فمن يعلم ما هو البرنامج الذي يحرك الحاسبات لدى المفوضية في العراق؟

عندما يخبرنا حاكم الزاملي (دون مصادر محددة) أن هناك من يريد ان يعطل الحاسبات ليزور، وأنه "اعتاد التزوير منذ الانتخابات السابقة"، ولا يريد للعملية ان تتم بنزاهة وأن التعطيل يخطط له ليكون "قبل إجراء الانتخابات بساعات معدودة"، فإنه، يقوم بأكثر محاولة للضحك على الدقون بؤساً في العراق حتى اليوم! فكل القصة هي ان من اثار الشكوك بالحاسبة هو المالكي، وهذا يعني بالنسبة للزاملي (ولمعظم الصدريين كما افترض) أن كل شيء مباح لمنعه بما في ذلك كل أنواع القصص المختلقة. ولم يكن الزاملي وحده، فقد شارك المسرحية حسب الخبر "الامين العام للاتحاد الاسلامي لتركمان العراق النائب جاسم محمد البياتي". 

وكان المالكي قد طلب فقط تثبيت حق طلب "إعادة فرز الأصوات يدويا، في حال اكتشاف تباين في عدد الأصوات بين سجل المراقبين، والعد الالكتروني"، مشيرا إلى إمكانيات اختراق الحاسبات من جهة دولية باعتبار ما حدث من عمليات اختراق وتزوير الانتخابات الأمريكية ذاتها.

ومثل مفوضية الحيدري، تؤكد المفوضية الحالية أن الاليات وأجهزة عد وفرز الأصوات، لن "تترك مجالا للتزوير".

ولا ندري من أين جاء كل رئيس المفوضية والسيد الزاملي وجاسم البياتي بالثقة بالحاسبات ومن أين لهم العلم الذي عجزت كل من هولندا وأميركا عن تأمينه، بل ان هولندا اضطرت الى الاعتراف باستحالته؟ من نصدق عندما يتعلق الأمر بالتكنولوجيا؟ هولندا ام حاكم الزاملي؟ وإذا كان الزاملي قد اكتشف طريقة لحماية الحاسبات فلماذا لا يسجلها كبراءة اختراع أو يمنحها للعالم ويعلمها للجهلة في هولندا لكي يعودوا لاستعمال الحاسبات؟

دعونا نتخيل جهة بالعراق تريد التزوير، وإنها قادرة ان تصل الى الحاسبات لتخريبها كما يقول الزاملي والبياتي، فلماذا تخربها لتقوم بالتزوير المعقد اليدوي؟ لماذا لا تستغل الفرصة لتغير برنامجها ليمنحها ما يكفي من الأصوات للفوز؟

هذا يثير السؤال: ما هو البرنامج الحالي الموجود في الحاسبة؟ من الذي وضعه؟ كل ما أبلغونا به أنها "شركة إماراتية"! وحين احرجت المفوضية السابقة بالسؤال عن السبب، قالوا إنهم فاتحوا الجهات العراقية ولم يجدوا اية جهة قادرة على كتابة ذلك البرنامج. وطبعا هذا كلام سخيف، لأن هذا البرنامج لا يكاد يزيد بعد ادخال المعلومات- عن عمليات الحساب الأربعة. وبالفعل أعلنت وزارة العلوم والتكنولوجيا أن احداً لم يطلب منها كتابة البرنامج!

إذن فقد تمت بالفعل عملية السطو وتخريب الحاسبة التي تخيلناها، لكنها تمت بتواطؤ المفوضية! وقد أسهم في التغطية على تلك الفضيحة المكشوفة والتي تفوق الخيال في حجمها، عدد من الكتل بينها التيار الصدري إضافة إلى المجلس الأعلى وقائمة علاوي والفضيلة. وما تصريح الزاملي اليوم إلا تكرار الشيء ذاته لحماية تزوير المفوضية الجديدة. وفي الحالتين يتحجج التيار بأن هناك مؤامرة من المالكي!

يقول أحد الناشطين الأمريكان الذين كشفوا التزوير: "لا أستطيع أن افهم كيف يمكن أن يقبل الناس أن يتم حساب أصواتهم بواسطة حاسبات تعمل بشكل سري ببرامج سرية.. هذا جنون". لكن حينما يكون للجنون من يدافع عنه، فكل شيء ممكن.

 (0) الأمن النيابية تكشف عن "مخطط" لتعطيل أجهزة الاقتراع الالكتروني

http://www.iraqicp.com/index.php/sections/news/4430-2018-05-05-16-07-39

 (1) استخدام الإلكترونيات في الانتخابات ليست حضارة وإنما محاولات تزوير

http://www.m.ahewar.org/s.asp?aid=135177&r=0

 (2) صائب خليل: خطر التزوير الأكبر للإنتخابات: الحاسبات

http://www.almothaqaf.com/freepens/freepens-09/4268-2009-08-13-04-15-40

(3)  صائب خليل - مقالات: مبرمج يعترف بتزويره حاسبات الإنتخابات الأمريكية

 http://saieb.blogspot.nl/2014/09/blog-post_25.html

(4)Murder, Spies, Voting Lies: The Clint Curtis Story

http://www.scoop.co.nz/stories/HL0810/S00072.htm

 (5)The Significance of the Death of Raymond Lemme to the 2004 Election

http://www.democraticunderground.com/discuss/duboard.php?az=show_mesg&forum=104&topic_id=5567680&mesg_id=5567680

(6) الحاسبة .... المزوّر الصامت لأصوات الناخبين!

http://www.almothaqaf.com/new/index.php?option=com_content&view=article&id=11881:2010-03-15-02-20-38&catid=36:2009-05-21-01-46-14&Itemid=54

(7) موقع شركة ناشيتا:

http://www.allisps.com/en/m/Nashita

(الموقع في ذلك الوقت كان: http://nashita-ict.com/)

(8)  "شركة حاسبات واتصالات مفوضية الانتخابات مملوكة لمنظمة مجاهدي خلق وتدار من معسكر أشرف!"

http://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=11969

(9) "معلومات جديدة هامة عن شركة حاسبات المفوضية (ناشطة)"

http://almothaqaf.com/new/index.php?option=com_content&view=article&id=12318

(10) شركة "ناشطة" تتهم صائب خليل بالتجاوز وتهدد بالملاحقة وصائب يرد

http://www.almothaqaf.com/index.php?option=com_content&view=article&id=12514&catid=207&Itemid=447

 (11) رئيس مفوضية الانتخابات: من المستحيل إعادة الفرز يدويا.. ونحن لا نعمل بـكيف المالكي

http://archive.aawsat.com/details.asp?section=4&issueno=11439&article=562336#.WvHAJ-nBCUk

(12) http://wijvertrouwenstemcomputersniet.nl/images/c/c5/KST118412.pdf

(13)  http://wijvertrouwenstemcomputersniet.nl/Wij_vertrouwen_stemcomputers_niet

(14) http://www.veoh.com/browse/videos/category/news/watch/v505707dgewqMsB#

(15) دولة القانون: المالكي يريد فرزا يدويا لنتائج الانتخابات ورفع شكوى قضائية بشأن ذلك

 https://baghdadtoday.news/news/43641/