واقع البيئة في العراق .... تحديات و معالجات تنتظر التنفيذ

الأستاذة الدكتورة جيهان بابان

 

تمثل التحديات البيئية التي تواجه العراق خطرا كبيرا  يهدد الأمن الوطني و  الصحي و الغذائي  نتيجة تصاعد معدلات التلوث للماء و الهواء و التربة و الاختلال الكبير في التوازن البيئي ,اما التصدي لها و معالجتها فهي مهمة جميع مؤسسات  الدولة  التنفيذية و التشريعية و القضائية  و لا  تقتصر فقط على وزارة الصحة و البيئة بل بالتنسيق مع جميع الوزارات الخدمية بحيث تؤدي كل منها دورها بمسؤولية عالية من خلال برامج واقعية و مؤثرة , من اجل بيئة نظيفة.

 وما يعطي لهذا الموضوع أهمية انية  ان  عددا قليلا جدا من الاف من المرشحين للانتخابات البرلمانية القادمة في مايس  2018   الذي قدم برامج مشاريع  انتخابية فعلية   و لكن نجدها تخلوا من  رؤية لمعالجة واقع البيئة في  العراق  .

السؤال الأول ماهي مسببات هذا التدهور البيئي :

 1-هي  امتداد للظواهر العالمية  التي  تهدد الكوكب الأرضي كالتصحر و الجفاف نتيجة  الاحتباس الحراري و التغيير المناخي .

2-نتيجة  سياسات النظام السابق  مثل  تجفيف الأهوار و المسطحات المائية وقطع الملايين من أشجار  النخيل  و حرق آبار النفط في الجنوب  و استخدام السلاح الكيمياوي   .

3-الدمار الذي الحقته  الحروب المتعاقبة و خاصة في استخدام اليورانيوم  المنضب  و نشر الألغام  و جرائم  داعش  كحرق آبار النفط و تدمير المناطق السكنية و البنى التحتية . لقد اصبح العراق حالة مميزة لدراسة تأثير الصراعات المسلحة على البيئة.

4-فشل نموذج الدولة العراقية  الجديدة بعد عام  ٢٠٠٣ في إقامة ركائز سياسة بيئية  ذات طابع مؤسساتي , منظمة قانونيا وذات  دور فعال في  رفع مستوى  التوعية المجتمعية  و معاقبة  المخالفين و المتجاوزين على البيئة و اتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم  مثل تجريف البساتين و التجاوز على الأهوار و إلقاء المخلفات الصناعية و الكيمياوية في نهري دجلة و الفرات و الأمثلة عديدة.

5-النمو السكاني المتزايد في العراق  الذي  شكل قوة ضاغطة على الموارد الطبيعية و البيئة.

6-تفاقم مشكلة الملوحة و شحة المياة  نتيجة سياسات البلدان المجاورة و خاصة تركيا في إقامة سدود جبارة  مخالفة للقوانين الدولية و ايران في تجفيف الأنهار و الروافد مما قلل و بشكل خطير معدلات المياه التي  تصل العراق و ستزود سوء بعد   دخول سد اليسو التركي  في الخدمة .

و تتجلى  مظاهر هذا التدهور  في الواقع  البيئي   كالتالي:

. تزايد حاد في معدلات  تلوث الهواء و الماء و التربة  و استمرار تأثيرات التلوث الكيمياوي و الاشعاعي  و المساحات الواسعة التي تغطيها حقول الألغام  .

. الخلل في التوازن الإحيائي المتمثل في تدني  الغطاء  النباتي  وفقدان البساتين و الغابات تسبب تهديدات المخزون الوراثي  للبذور   وتدني الأنواع  الحيوانية البرية  و انقراض بعضها  و زيادة معدلات التصحر  و الجفاف والتي  احد مظاهرها حدة العواصف الغبارية و الترابية  و الرملية .

. تأثيرات التدهور  البيئي على الصحة العامة للمواطنين  كزيادة معدلات الإصابة الحادة و المزمنة بأمراض الجهاز التنفسي و  القلب و انتشار الأمراض المعدية  كالكوليرا و التيفويد و الدزنتري  و الأمراض الجلدية و السرطان و التشوهات الخلقية.

. انتشار التلوث  البصري و الضوضائي خاصة حاليا في انتشار عشرات الالف من الإعلانات و الملصقات الدعائية للمرشحين في بغداد و المحافظات الأخرى  .

اما الهدف من هذه المقالة  هو محاولة  لرسم خارطة طريق  لتحسين واقع البيئة في العراق و نأمل  أن تجد لها صدى في السياسات المعتمدة من قبل الحكومة الجديدة و  بما ينسجم و الخطط الاقتصادية و الاجتماعية  و إعمار المناطق المحررة    و تحسين البني التحتية وزيادة الغطاء النباتي و إيقاف امتداد التصحر و الجفاف و إصلاح  الخلل في  التنوع الإحيائي و مراقبة و معالجة مستويات التلوث بكافة أنواعها في الماء و الهواء و التربة  و الربط السليم بين متطلبات الاستثمار في التنمية المستدامة  وإعادة إعمار المناطق التي دمرها الاٍرهاب و الصراعات المسلحة و انعكاساتها البيئية  و استخدام الطرق و الوسائل (لزيادة معدلات انتاج و تصدير النفط و الغاز ) التي تحافظ على البيئة و صحة المواطنين  وأخيرا حماية المتطلبات و التوازن البيئي  في الأهوار و المسطحات المالية ومنع الإهدار و الإفراط  بمكونات البيئة في العراق كالمياه على سبيل المثال و ليس الحصر.

 وفي الوقت الذي نؤشر على بعض الإنجازات و المبادرات الا انها مازالت لا ترتقي الى مستوى التحديات .

الاتجاهات العامة للتعامل مع  التحديات البيئية في العراق ( المعالجات) :

. رسم سياسات و سياقات  تعتمد على دراسات و تقييم علمي رصين للواقع البيئي في العراق   بالاعتماد على الدراسات و البحوث العلمية الرصينة التي تنشر في المجلات  العلمية و الأكاديمية الدولية و العراقية و بناء قاعدة معلومات لما يصدر  من بحوث و إطاريح عن البيئة في العراق  من قبل وزارة البيئة و الصحة  ووزارة التعليم العالي  لتكون مرجعا علميا  مهما .

. دراسة و تقويم عمل المؤسسات الحكومية المهتمة بشؤون البيئة  ومنها وزارة الصحة و البيئة  و بالاعتماد على المعايير المهنية و الكفاءة  و الإنتاجية و الجودة و النوعية   و التخلص من الترهل الاداري الذي هو عامل معيق في تنفيذ البرامج  لتكون دوائرها  مؤهلة فعلا  للتعامل مع التحديات البيئة و على أساس خطط قصيرة المدى و متوسطة و بعيدة الآماد   

. تشكيل لجنة وزارية  عليا  للبيئة في العراق تضم ممثلين عن الوزارات المعنية  مهمتها رسم السياقات العامة و تقييم معدلات النجاز في تحقيق البرامج و تقدم تقاريرها الى رئاسة الوزراء .

. الاستمرار في اصدار تقارير سنوية عن واقع البيئة في العراق من قبل وزارة الصحة و البيئة و ايضا من قبل مجالس المحافظات  يتناول الإنجازات و المعوقات و الأهداف العملية و البرامج الملموسة القادمة.    

. ان يقوم البرلمان العراقي و خاصة لجنة الصحة و البيئة بدراسة القوانين و المواد المتعلقة بالبيئة  و حمايتها  في  كافة المحافظات و  على أساس الاولويات و  السياقات المقرة لحماية  البيئة و اعادة صياغة قانون خاص وشامل لحماية البيئة  و تشكيل  محكمة متخصصة  في التعامل مع المخالفين و المتجاوزين  و ايضا التصدي للفساد المالي و الاداري و التنسيق مع وزارة الداخلية لتشكيل مفارز بيئية كجزء من الشرطة المجتمعية مهمتها رصد و   القبض على المخالفين واتباع الإجراءات وفق الضوابط القانونية .

. .تحديد  وتدقيق  نسب و مصادر  تلوث الماء و الهواء و التربة  وباستخدام أجهزة حديثة و متطورة و إقرار سياسات للمعالجات الفعالة   ومنها  منع التلوث البيولوجي و الجرثومي و الكيمياوي كنفايات المعامل   او استخدام البنزين  الذي يحوي على  الرصاص   والتقليل من انتشار  المركبات العضوية و الدقائق  الترابية و الغبار  مثلا  نتيجة وسائط النقل و معامل الطابوق  و المولدات الكهربائية   و  الخلل في التعامل مع مياه الصرف الصحي و تنقية المياه و مع النفايات  بشكل عام و الصحية منها بشكل خاص  و اتباع لسياقات و الاليات الحديثة لتدويرها او التخلص منها  و أيضا نفايات البلاستيك التي تجد طريقها للأنهار  .

. تحديد حقول  الألغام في العراق و التخلص منها بالتعاون مع المجتمع الدولي و المنظمات المتخصصة في هذا المجال.

. دراسة ظاهرة  تصاعد العواصف الترابية و الرملية و تحديث أجهزة المراقبة  و التنسيق مع وزارة الصحة للتعامل مع اثارها الصحية الانية و البعيدة المدى.

. مراقبة مساهمة  القطاع  النفطي  في زيادة معدلات التلوث  في مراحل لاستكشاف و الاستخراج و التصدير و التأثيرات على الصحة العامة للمواطنين الذين يعيشون على مقربة من الحقول المنتجة للنفط و الغاز.

10. التعاون الوثيق مع منظمات الامم المتحدة المعنية بالبيئة و منظمة الصحة العالمية المشاركة الفعالة في الجهود الدولية للتصدي  للاحتباس الحراري و التغيرات المناخية  و الاستفادة الفعالة من دراساتها و استنتاجاتها و تطبيقها بكفاءة و بالاستفادة من الخبرات العالمية و العراقية   .

11. التعاون مع منظمات المجتمع المدني  الدولية و العراقية المختصة بالبيئة  و على كافة المستويات و دعمها ماديا و معنويا والارتقاء  بها لحد أشكال الرقابة المجتمعية على الأداء البيئي للحكومة المركزية و الحكومات المحلية كونها مكون أساس للمجتمع المدني في العراق

12.   يبدا  الوعي في المحافظة على البيئة   مع الطفل من خلال أسرته ثم مدرسته و  رفع  مستوى الوعي البيئي في   المدارس الابتدائية و الثانوية و المعاهد   عبر تعديل المناهج الدراسية و تدريب الكادر التدريسي  وبالتعاون مع المنظمات العالمية كاليونسكو  و نقابة المعلمين البريطانية ( ناسوت) وإقامة معاهد تطبيقية متخصصة بالبيئة لإعداد كادر مهني عملي .

13. زيادة الوعي المجتمعي و الترويج شعبيا  لأهمية و متطلبات سلامة و الحفاظ على البيئة  كمسؤولية تقع على عاتق جميع  المواطنين عبر  برامج إعلامية  متخصصة .و يمكن مثلا الاستفادة من المناسبات الوطنية كعيد الشجرة مثلا او العالمية  كيوم الارض في  22 نيسان او البيئة  العالمي في 5 تموز و يركز هذا العام على مشاكل  التلوث البلاستيكي وسبل التغلب عليه  و بهدف تحشيد الجهود الإعلامية على موضوعات  لرفع مستوى الوعي المجتمعي البيئي .

14. اعطاء اهتمام خاص في مرحلة ما بعد داعش لإعادة إعمار البني التحتية و البناء العمراني  في المناطق المحررة و  ضمان اشراك   متخصصين بالبيئة  و علومها في مراحل التخطيط و التنفيذ  و التسليم للمشاريع .

15. تعتبر مشكلة شحة المياه من اكبر المخاطر التي تهدد البيئة في العراق   بسبب انخفاض كم الموارد المائية  و التي تتطلب إدارة فاعلة و حكيمة للموارد المائية عبر ترشيد الصرف  ووقف الإهدار و استخدام الطرق الحديثة  و العناية بمخزون المياه الجوفية .و تعتبر  المسطحات المائية و الأهوار ثروة وطنية وعالمية  خاصة بعد ادراجها في لائحة التراث العالمي في 17/6/2016  الامر الذي يتطلب تنفيذ الاستحقاقات المترتبة على الحكومة العراقية جراء تسجيلها  دوليا و معاقبة المتجاوزين عليها  لأغراض تجارية و اعتماد سياسيات و مشاريع سياحية ملائمة للبيئة و منها الحفاظ على التنوع الإحيائي و معاقبة   اللذين  يقومون  بالصيد  الجائر للطيور المهاجرة او الأسماك . إضافة الى  تحسين و تعزيز السياحة البيئية  في الأهوار و المناطق الأخرى.

16. معظم المشاريع الحكومية و الخاصة ,الهندسية و الكيمياوية  مثل معامل الإسمنت و الاسمدة  و  الدباغة و الجلود و معامل الطابوق   لا تراعي متطلبات البيئة  من حيث اختبار موقعها  او تصريف نفاياتها  التي اغلبها تصب في المحيط المائي  و الذي يتطلب فرض رقابة شديدة و إجراءات  قانونية قاسية  ورفض تمديد او إعطاء تراخيص اذ لم تراعي هذه المؤسسات متطلبات السلامة البيئة.

17. التلوث الإشعاعي من اخطر انواع  التلوث  الامر الذي يتطلب  سياسة علمية لإجراء الممسوحات   و بفترات زمنية محددة  للماء و الهواء و المحاصيل الزراعية  و التربة خاصة في المواقع التي يتواجد فيها اليات عسكرية  من بقايا حرب الخليج الاولى و الثانية   و توفير الأجهزة الحديثة ورسم سياقات لمعالجة مصادر التلوث  الاشعاعي و تبعاتها الصحية على المواطن العراقي   .

18. مع تصاعد معدلات تهريب و تصنيع و استخدام  المخدرات  هناك تبعات بيئية و صحية لذلك  خاصة في معامل استخدام المواد الكيمياوية لتصنيع المخدرات.

19. الاهتمام الجدي  بدراسة ووضع مشاريع  للطاقة البديلة و المتجددة واتخاذ التدابير و الإجراءات اللازمة  و منها الأنظمة و التعليمات  لتحقيق التنمية المستدامة مثلا مشاريع  لتوفير الطاقة الشمسية  و بناء محطات  لإنتاج الطاقة الشمسية و توليد الكهرباء واستخدامها في تحلية المياه  و ربطها بالشبكة الوطنية للكهرباء , اذ ان العراق ينعم بأشعة الشمس في معظم  أيام السنة.

 

20. استخدام   تقنية تحويل النفايات الى وقود و منها النفايات العضوية ( تحويلها الى الوقود الحيوي  الغازي) و النفايات الصلبة المنزلية و نفايات المصانع الصلبة و الورق و تحويلها الى طاقة متجددة حرارية و كهربائية . و  استعمال احدث التقنيات كالتغويز للنفايات العضوية و الانحلال و التكسر الحراري  لمنتجات البلاستيك وتدويرها و تحويلها الى طاقة متجددة.

 

21. التواصل و التنسيق مع الأمم المتحدة و منظمات المجتمع الدولي  لمعالجة التغير المناخي و ظاهرة التصحر  واتخاذ التدابير الفعالة المعتمدة دوليا . و يشكل ازدياد  التصحر في العراق خطرا بيئيا جسيما و الذي يحتاج الى معالجات حاسمة و بالاستفادة من الخبرات الدولية

 

22. العمل على انشاء مدن صناعية مطابقة للمواصفات   خارج الحدود البلدية لمدينة بغداد و بعيدة عن الاحياء السكنية للتقليل من ارتفاع في نسب  التلوث الضوضائي. و المنع من انتشار المولدات القديمة التي لا تحتوي على كواتم الصوت  او تلك التي تسبب بارتفاع نسب التلوث الضوضائي 

 

23. رفع أبراج الهاتف النقال من داخل المدن و استبدالها بأبراج خارج المدن  و الأكثر امانا.

24. الحفاظ على المظهر اللائق للمدن العراقية لكي تحتفظ بهويتها و منع التلوث البصري كالأحياء السكنية العشوائية و الشوارع الضيقة المتداخلة و اكوام القمامة المنتشرة في الازقة التي تبعث على التشاؤم و الحفر التي تملء الشوارع و الانفلات في النشر الإعلاني و الصور و اللافتات و التجاوز على الأرصفة و أعمدة الانارة العالية التي لا تتناسب مع الشوارع و غياب  التناسق في التصميم و الألوان ما يودي الى إصابة العين بتلوث بصري حاد ينعكس على التفكير و المزاج و يؤدي للإصابة بالكأبة والتذمر و السخط .

 

ختاما ان تحقيق مهمة الحفاظ على البيئة  كي تكون  آمنة وسليمة و خضراء  في العراق هي  حق من حقوق الانسان  تهم الجميع حكومة وشعبا والأجيال القادمة.