انتخابات 2018 النصر و إرادة

صائب خليل

 

9 مايس 2018

عندما يراجع المواطن العراقي أسماء المرشحين في القوائم الانتخابية، فإنه يشعر أن جميع القوائم قد قبلت شخصيات مشبوهة تثير القلق والتردد، شخصيات تبدو مناقضة تماما بطبيعتها وأهدافها لأهداف تلك القائمة المعلنة، وتثير الشك فيما ينتظره المرء من انتخابه لهذه القائمة او تلك.

ومن ناحية أخرى تجد شخصيات كنت تأمل بها خيراً، تدخل نفسها في قوائم تضعها انت في أسفل السلم الأخلاقي والوطني للعراق، فتصيبك بصدمة، وأنت الباحث عن أمل أو رجاء ولو بالحد الأدنى، في كتلة ما أو شخصية ما. وهكذا تكتمل خيانة تحيط بك وتخنق فرصك.

ومن الناحية الثالثة فأن التنازل عن حقك الانتخابي أشد مرارة. فالانتخاب هو الأداة الوحيدة لديك، والتي لا تأت إلا مرة كل أربع سنوات، وفي كل مرة تضيع الفرصة، تجد أن الخناق يشتد والخيار أكثر ضيقاً في التي تليها، وما زال الضياع مخيما على الشعب حتى في ابسط الأسئلة التي تعرفها حتى ابسط الكائنات الحية: من هو عدوي ومن هو صديقي؟

بالنسبة لي، ما كشفته الاحداث خلال الـ 15 سنة الماضية، ان الاحتلال هو العدو الأول والثاني والثالث.. وما قبل الأخير. فهو "المنظم" لكل الأعداء الآخرين من فساد وطائفية وجهل. فإن كانت هذه تسبب انهيار البلد كنتيجة ثانوية غير مقصودة، فالاحتلال هو "الشر الواعي" الحريص، الدقيق، المخطط لكي يسير البلد نحو نهايته، ويسقط مضرجا بدمائه الإنسانية ليتحول الى زومبي بشكل بشري، كما هو حال شعب مصر اليوم: تصرخ الفئة الواعية فيه من الألم واليأس، وتسير الأغلبية النائمة فيه منومة إلى حتفها، وقد أغلقت عليهم كل الأبواب.

قائمة العبادي النصر، هي أكثف القوائم اكتظاظا بتوابع الاحتلال المخلصين، والفاسدين الأشد، ولا عجب فهو الرجل الذي تحمل الاحتلال من اجل تنصيبه جهدا ملحوظا وأحراجا أكيداً. إنها وكر الثعالب القديمة الشديدة الخطورة على الشعب، فلن نناقشها. (بشكل عام، ما لا نناقشه هنا هو الأسوأ الذي لا يحتاج إلى مناقشة وليس العكس). وملاحظتي عن هذه القائمة هي:

أولا: أنه شيء إيجابي ان يتجمع الفاسدين بهذا الشكل في قائمة واحدة، وأن يكشفوا أنفسهم بهذا الشكل، لمن كان لديه شك.

ثانياً: انضم اليها اثنان ممن كنت آمل فيهم المبدئية، وهما الشهرستاني (الذي اسيء اليه كثيرا، ظلماً، حول عقود التراخيص، كما بينت في مقالات سابقة)، وعبد الرحمن اللويزي، الذي أبعد عنها لاحقاً.

ثالثاً: الطريقة التي ابعد فيها عبد الرحمن اللويزي تكشف حقيقة الأخلاقية التي تسود هذه القائمة، لمن ما زال يجهلها. فقد قبلت وزير الدفاع السابق خالد العبيدي الذي جاء متأخراً، وهو أشد الفاسدين افتضاحاً، وقد اجبر على ترك الوزارة بسبب عقود فساد تمت إدانته بها، لكنه طبعا لم يحاكم ويحكم. (ولا بد أن اميركا حمته، مثل المدان وزير الدفاع الأول). العبيدي جاء مشترطا إخراج عبد الرحمن اللويزي من القائمة ليدخل فيها! فما كان من العبادي إلا ان اطاع وتخلى بكل تصاغر، عن اللويزي الذي كان قد وجه اليه الدعوة بنفسه للانضمام إلى قائمته!

لماذا دخلها الشهرستاني؟ في تقديري لأنه الإبن المطيع تماما للمرجعية، وهذه المرجعية دعمت حكومة العبادي الأمريكية للأسف، وربما أشارت الى الشهرستاني ان يدخلها. إنه مجرد تخمين، وتبقى هذه القائمة واحدة من اشد الخيارات سوءاً للعراق.

قائمة حنان الفتلاوي "إرادة":

قبل كل شيء يجب إزالة الأوهام بالاتهامات المعروفة للدكتورة حنان الفتلاوي مثل قضية الـ "7 x 7"، وقضية "كلنا استفادينا" وقضية كونها عضوة (متقدمة) في حزب البعث وقضية امتلاكها مولات في أربيل الخ. القضيتان الأولى والثانية أخرجتا عن سياقهما واعطيتا معنى مختلف تماما عما قصدت الفتلاوي والباقي أكاذيب ليس لها أي أساس حسب علمي. وليس هنا المجال لمناقشتها لكني احيل من يريد إلى مقالتي المطولة "إرادة" حنان الفتلاوي 2- حرب تشهير مرعبة (1)

إذا نسينا تلك الخرافات، يمكننا ان نرى ان لقائمة الفتلاوي نقاط ضعف مهمة ونقاط قوة مهمة، ولنبدأ بالأولى.

نقاط سلبية:

أولاً: أنها قائمة تتمحور حول شخص واحد، إذا طار هذا الشخص أو تمكن اعداءه من اغتياله، ضاعت القائمة تماما. هذا الحال شديد الاغراء للاغتيال، خاصة إن تمكنت الجهة التي تخطط لذلك، من الوصول إلى الشخص الثاني الذي سيحل بعد الفتلاوي في قيادة القائمة، أو ما اسميه "ظاهرة السادات" (بعد ضمان السادات، سقطت مصر في يد إسرائيل بمجرد اغتيال جمال). شعار "لأنكم معي" يبدو معدوم المصداقية.

ثانيا: هناك مشاعر طائفية ازدادت وضوحا في الفتلاوي في الفترة الأخيرة، ربما بعد يأسها من كسب تفهم أي سني، أو لأنها حدست ان بعض التحفيز الطائفي مفيد في تقوية ارتباط مؤيديها. كما انها لم تكن تمتنع عن استعمال بعض اشد المصادر بشاعة في طائفيتها أحيانا، ودون تحسب. لكن هذه المشاعر تبقى ضمن الممكن تحمله بشكل عام.

ثالثاً: الفتلاوي، بقدر عبقريتها وذاكرتها الممتازة في الرد في المقابلات، تفتقد لأية رؤية استراتيجية، بل يبدو لي انها تفتقد حتى الى الرغبة بتكوين تلك الرؤية. إنها تدرك ان قوتها في الرد المباشر، وتتمتع بأن تلعب هذه اللعبة التي تجيدها، لكن هذا خطر بالطبع.

رابعاً: حضرت الفتلاوي حفلة عيد المرأة في السفارة الأمريكية قبيل الانتخابات (باعتبارها رئيسة لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان، حسبما قالت). وهذه ليست إدانة لكنها تكشف سوء تقدير كبير، وعدم اتخاذ موقف مبدئي، وأمل (غير واقعي في تقديري) بالحصول على رضا السفارة أو عدم اعتراضها. فالسؤال الذي كان يجب ان تطرحه الفتلاوي على نفسها قبل الزيارة هو: ما هو موقفها من اميركا؟ هل تعتبرها صديقاً يريد تطوير البلاد، أم عدوا يقصف الحشد والجيش ويدعم داعش؟ وإن كانت الأخيرة، فهل يمكن تغييرها أو "تطبيع العلاقة" معها أو تحييدها بزيارة أو أكثر؟

رابعاً: أبو فراس الحمداني: ارتفع سهم هذا الرجل من الصفر إلى السماء في برنامج الاتجاه المعاكس أمام ناجح الميزان. كان هذا رأي الناس (بشكل خاص الشيعة الذين اخذهم الحماس لـ "البطل" الذي القم ذلك "السفيه" (بحق) حجراً يستحقه. لكني منذ تلك اللحظة شعرت إني امام مسرحية معدة لهدف ما، ووفق الملاحظات التالية:

1-الغضب المفاجئ من قبل أبو فراس، والذي تسبب في "العركة" وبقية "المسرحية"، لم يكن له أي تفسير منطقي ضمن الجدل! لو راجعتم المقابلة ستجدون أن أبو فراس صعد صوته دون مبرر (وهو ما توافق "صدفة" مع وقت نهاية البرنامج!) ثم يلتفت فجأة الى الكامرة ليتحدث مع الناس ويصبح وحده مركز التصوير، وكأن المخرج يتعاون معه، في ذلك المشهد المسرحي.

2-فيصل القاسم أيضاً تعاون في المسرحية وأعطى أبو فراس كل الوقت ليتكلم ويقول كل ما عنده (مع اعتراضات طفيفة يتطلبها المشهد)، وقام المخرج بالتركيز على وجهه في لقطات مطولة ليصبح كأنه في حالة خطاب جماهيري وليس مقابلة.

3-قال فيصل القاسم بعد قطع البرنامج أن المعركة انتهت بإسالة دماء أبو فراس، وهو تفصيل غير متوقع من قبل فيصل القاسم كمقدم برنامج يسعى عادة لتخفيف ما يقع وطمطمة مثل هذه الأمور، خاصة أنه لم يكن هناك شاهد على أية دماء، فلم يكن القاسم مضطراً لتقديم مثل هذه المعلومة. كان كما يبدو مصمماً لتأكيد صورة البطل فيمن يفترض أن يكون خصمه في المسرحية.

4-بعد الحادثة قال أبو فراس انه تم اعتقاله لدى الشرطة وانه لم يطلق سراحه إلا بعد توقيعه تعهداً بعدم الشكوى ضد القناة. أولاً من الغريب ان يتنازل "بطل" عن حقه بهذه البساطة، خاصة أنه ظهر تواً في التلفزيون يتعارك، ولا تستطيع قطر أن "تغيبه في الزنازين" دون إثارة ضجة كبيرة بدون داع. ثانياً ليس هناك شيء يستحق الشكوى او الخوف منها، فالضرب متبادل والخسائر طفيفة (إن كانت حقيقية). ثالثاً، لا يمكن للشرطة ان تطلب مثل هذا التوقيع لأنه ببساطة إدانة لها من جهة، ولا قيمة قانونية له من الجهة الأخرى (إلا إذا كان قد استلم تعويضاً، ففي هذه الحالة يكتب انه استلم تعويضه وانتهى الموضوع).

نقطة اثارت انتباهي في فيديوات الدعاية الانتخابية، أن أبو فراس أشار في أحدها، الى فرص العراق السياحية مثل "العزير" و "الكفل"، التي ستجعله يزدهر - وهما مرقدان يهوديان! ولا نفهم منها إلا أنه يفكر بنوع من الدعوة للانفتاح على إسرائيل، وإلا فلا قيمة لهذان المزاران ابداً.

خامساً: حسين سعيد رئيس حركة ارادة في بغداد، يردد كلاما بلا المحتوى وكأنه يريد ان يتكلم فقط. فلأنه شاب، فهو يصور لنا أن مجرد إعطاء الشباب المسؤولية، فأن ذلك كفيل بالتغيير، والتغيير الصحيح. ومن مقولاته: تكون الدولة.. (قوية) عندما نبتعد عن التوافقات السياسية والطائفية.. "تكون الدولة قوية عندما يكون التغيير للشباب".. "... (تكون الدولة قوية) عندما لا تتعرض الى ضغوط من قبل الكتل السياسية"! (عبارة هلامية غريبة وربما خلط بين الدولة والحكومة، والتي يجب ان تتعرض للضغط والمحاسبة دائماً، وكيف يمكن للدولة او الحكومة ان لا تتعرض لضغط وتأثير من الكتل السياسية؟). يمكننا ان نفهم تشجيع الشباب، لكن هل من الضروري أن يكون رئيس الحركة في بغداد، شابا؟

النقاط الإيجابية لحركة إرادة:

أولاً: الفتلاوي قد تكون أفضل نائب يؤدي واجبه في البرلمان بإخلاص ومتابعة متميزة وبدون مجاملة. وفي محاسباتها تكون مركزة دائماً على موضوعها، وكما يقال "لا تخشى في الحق لومة لائم"، على الأقل منذ انفصلت وشكلت حركة إرادة.

ثانياً: الفتلاوي ليست فاسدة، وكل ما قيل عن ذلك تشهير مقصود (يرجى مراجعة المقالة)، وكذلك كتلتها جديدة ليس فيها من هو متهم بفساد، حسب علمي.

ثالثاً: رغم ان الحركة ضائعة في "الأهداف" العمومية مثل بقية الكتل تماما، ولم تحدد توجها اقتصاديا لنفسها، فيمكننا ان نأمل من خلال مواقف الفتلاوي من الخصخصة حتى الآن، أن تكون الحركة ضد، أو اقل حماساً للخصخصة من غيرها.

رابعا: عاجلا ستكتشف الفتلاوي إن ارادت الاستمرار في نهجها في محاسبة الفاسدين، وفي الاعتراض على الديون، وفي متابعة ابتزازات كردستان لبغداد، وكشف السرقات الكبرى المسماة بالخصخصة والاستثمار، أن اميركا ستعاملها كعدو، مهما كانت المجاملات والزيارات. فأميركا تتبنى الفساد وكل هذه السياسات، ولها أهدافها منه، ولا يمكن لمجاملات ان تغير موقفها. هذا الاكتشاف سيجبرها أن "تغسل يدها" من رضا أميركا، وتنهج نهجها بحرية. نأمل ان يكون الاكتشاف قبل فوات الأوان.

 

غداً سوف نناقش "الفتح" و "سائرون".

 

 

(1) "إرادة" حنان الفتلاوي (2): حرب تشهير مرعبة

 http://www.almothaqaf.com/qadayaama/qadayama-15/889245

 (2) حسين سعيد رئيس حركة ارادة في بغداد

 https://www.youtube.com/watch?v=j0k57kIeBbE