أربع عجاف قادمة

نصير المهدي

 

غدا تبدأ أربع سنوات عجاف أخرى من تاريخ العراق وما نتمناه الا تكون مصبوغة بالدم فحياة الانسان أثمن وأغلى ما في الوجود .

يسألونك عن " الانتخابات " قل فيها إثم كبير وإثمها أكبر من نفعها والخلاصة أنها لن تغير من واقع الحال شيئا لأنها مصممة لدوام الأحوال لا لزوالها وأخطر ما فيها أنها تضفي الشرعية على كل ما سيليها وتعطي قياد العراق لمن لا يؤتمن على بيت والا فهي ليست أكثر من محطة في تسلسل الزمن وعبور الأعوام .

قد تتغير الوجوه نسبيا وستضاف حتما وجوه جديدة لأن كثيرين يقفون على قائمة الإنتظار للحصول على مكافأة الخدمة التي قدموها للمحتلين الأميركان وهؤلاء تتعدد عناوينهم وتصنيفاتهم وسيكون التنويع في الاختيار طعما آخر يضاف الى عوامل سلب الوعي العراقي أو تخديره لفترة زمنية أخرى وقد رأينا كيف أن كثيرين منحوا ثقتهم وعلقوا آمالهم على شخص لا يجيد الا أمرين الشتائم والبذاءات ثم الأكاذيب والادعاءات فصار زعيما برأس العراقيين وهذه الحالة ستعاد وتتكرر غدا وفق تخطيطات المحتلين ومشاريعهم القادمة اميركا تكافئ كل من تعاون معها وتوزعهم على القوائم والكتل وتغري الناس بكلام من نوع مدني وعلماني .

آمال التغيير ستصاب حتما بخيبة أمل كبيرة والعراقيون يريدون التغيير ويطلبونه ثم ينتظرون من الجاثمين على صدورهم أن يحققوا هذا التغيير وبينما يستهلك العراقيون انفسهم في الجدال والنقاشات والتوقعات فان الجهات المعنية بدأت بوضع مسودة مجلس النواب والحكومة عملية تديرها السفارات والعلاقات الدولية والظروف الإقليمية وهذا الواقع هو الحال منذ الاحتلال والى يومنا هذا أما طريقة الإخراج فتلك مسألة أخرى مع انها تنطلي على كثيرين ولكنها لا تستحق التوقف عندها فهي في باب تحصيل الحاصل .

أهم وأكبر المشاكل في العراق التي تقطع الطريق أمام تغيير حقيقي هي غياب حركة وطنية حقيقية تمتلك مشروعا وطنيا وتعبئ الناس حوله وتسعى بهم الى تحقيقه ومع تزايد الأصوات الداعية للمقاطعة وهي دعوة تعبر عن حالة إحباط شاملة لدى العراقيين لها ما يبررها الا أنها للأسف جاءت متأخرة جدا دون إعداد مسبق وبقيت حتى هذه اللحظة عشوائية غير منظمة ولن تكون غير محصلة لأصوات فردية مهما كانت عديدة فلن تكون مؤثرة لأن الغرض المنشود منها لا يتحقق وهو نزع الشرعية عن الطبقة السياسية المتسلطة وارسال رسالة الى كل مختلف الأطراف المعنية في داخل العراق وخارجه حول المزاج الشعبي ذلك أنها لا تختلف عن العزوف الشخصي الفردي عن المشاركة في الانتخابات وهذا ما يحصل حتى في البلدان الديمقراطية العريقة لكنه لا يعكس وضعا شعبيا مؤثرا وبخلاف الحال عليه في تلك البلدان حيث تعاقب الناس حزبا ما بالامتناع عن المشاركة في التصويت فإن وضع العراق والعملية السياسية وآليات الانتخاب لا يسمح بمثل هذه النتائج وهذه دعوة للفترة القادمة كي يستعد دعاة المقاطعة الى تنظيم أنفسهم وتحولهم الى قوة مؤثرة وفاعلة تحشد الناس حول الموقف من أجل تحقيق أهداف واضحة ومحددة .

ما يقابل المقاطعة هو المشاركة الواسعة والمنظمة لإنتخاب جهة أو قائمة أو مجموعة مرشحين ولكن ضمن حركة منظمة بحيث يعرف الناس حجم أصواتهم ومدى تأثيرها ويستعدون لمواجهة أي تزوير أو تلاعب وهذا الأمر لا يتوفر الآن بجانبيه وأعني الحركة المنظمة الواعية التي تستقطب الناس وتحشدهم والقائمة أو الجهة المؤهلة للقيام بدور وطني يستحق ثقة الناخبين .

عندما تنتهي " الانتخابات " غدا سيظهر لكل من راقبها وانتظر منها بارقة أمل بأنها مناسبة لاعادة تقاسم العراق وتوزيع الحصص ليأخذ كل حزب نصيبه من هذا العراق المكبل والمثقل بالكثير من القيود والأغلال وإن كانت وسائل الإعلام الغربية تتوقع أن يتولى العبادي الدورة التالية وهذا هو المتوقع حيث سيواصل تحقيق أهداف الاحتلال بتدمير الاقتصاد العراقي أو بقاياه ورهن العراق للاحتكارات والدول الغربية بعد أن أنجز سلفه المهمات السياسية والعسكرية في هذا الطريق الطويل وسواء تحققت التوقعات أو تغيرت الخطط أو بالأحرى تكشفت الستار عن خطط أخرى فإن واقع العراق لن يتغير بتغير شاغلي المراكز الرئيسية اللهم الا في أذهان البعض الذين لم يتعلموا من دروس العراق القريبة شيئا ولا يجدون مخرجا الا بتعليق الخيالات والأوهام على اسم أو وجه آخر سواء كان ظاهرا معروفا أو مجهولا مستورا ولكنه في الحالتين جزء من الطبقة السياسية المتسلطة .

وعلى أية حال إن كانت تجربة الخمسة عشر عاما غير كافية لبيان ما سيأتي في الأعوام الأربعة القادمة فما ينبغي التذكير دائما به بأن من أشد الاخطار والأمراض التي تواجه العراق هي تسلط الأحزاب بكل عناوينها ومختلف اسمائها وهذه الأحزاب التي تفتقر الى التجربة والتاريخ والممارسة وقد ولدت كلها باستثناء ثلاثة أحزاب هي الشيوعي والحزبين الكرديين في خارج العراق أي أنها لم تتعلم في مدرسة الحياة وعاشت منعزلة عن الواقع ومنغلقة على أوهامها وانتقلت من المنفى الى عزلة السلطة في المنطقة الخضراء وكانت أداتها في تثبيت سلطتها وتعزيز مكانتها هي الاستحواذ على ما تستطيع من الانتهازيين والمنافقين وكثيرون منهم من أصحاب التجارب السابقة في خدمة نظام آل المجيد وحزب البعث والأحزاب هذه التي ليس برامج أو أهداف سوى خدمة القائمين عليها وتعظيم منافعهم تصادر البلاد وحياة العباد والثروات وفرص العيش وتمنع تطور العراق بل وتحرم أهله حتى من أمل الخلاص ولا استثناء في هذا الأمر .

من ينتظر أو يأمل بأي نتيجة أو إصلاح أو انقاذ فسيطول انتظاره وقد يرافقه الى القبر وهذا الأمر ليس جديدا ونتيجة التجربة المرة والقاسية التي عاشها العراق خلال السنوات الخمسة عشر بعد احتلاله لأن الأمور واضحة وجلية منذ أو وضعت أميركا وجوه الاجتماع الذي سمي مجازا مؤتمر لندن في رأس مشروعها القادم في العراق فظهر ما الذي تريده وماذا تستهدفه والا فحتى في صفوف المتعاونين معها والراغبين في خدمتها والساعين الى تحقيق أهدافها على الأقل هناك كفاءات وخبرات وتجارب ومؤهلات ولكنها وضعت كل ذلك في الاحتياط وأقامت الحكم المعلوم وإن أخرجته بطريقة تبدو وكأنه قرار عراقي ومازال الكثيرون يتفاخرون بطريقة لولا كذا لحصل كيت وواقع الحال أن الكذا والكيت تصميم أميركي محكم ومبيت ولم يتغير قيد أنملة لا في العملية السياسية أو دستورها أو طبقتها السياسية أو أدائها الى يومنا هذا .