انتخابات 2018- سائرون

صائب خليل

 

 

10 مايس 2018

"سائرون" ليست من الكتل التي آمل منها أي موقف من القضية الأساسية: إخراج قوات الاحتلال والتحرر التدريجي من السيطرة الأمريكية، رغم أن الصدريين مازالوا يقفون ضد اميركا بكل قوة (وأن كان الكثير من زخم الرفض قد تم تحويله الى إيران). وهم يؤمنون ان السيد مقتدى الصدر يهدف إلى ذلك أيضا. لكني بعد العديد من المواقف وبعد الآمال والدعوات، أعود إلى موقفي الذي اتخذته قبل فترة بان مقتدى الصدر قد تغير تماما ولم يعد منه ضد الاحتلال إلا القنابل الصوتية، اما في القرارات والعلاقات السياسية والدعم والمواقف النيابية، فكتلته تخدم الخط الأمريكي، سواء بوعي أو بدون وعي. لقد مضى على هذا الحال في القرارات النيابية 9 سنوات والموقف العسكري ربما 8 سنوات، كانت جميع المواقف الصدرية تخدم الاتجاه الأمريكي، بغض النظر عن تفسير ذلك.

أما بالنسبة للشيوعيين فقد غسلت يدي منهم منذ البداية في كل ما يتعلق بالاحتلال. إنهم من الكتل التي تستصعب حتى قول كلمة "احتلال"، وحتى بعد اعتراف الأمريكان بها. وفوق ذلك فقد اختاروا لتحالفاتهم دائما أبشع تابعي الاحتلال الموجودين في البلد! وإن حاولت تفسير التحالف مع علاوي بالغباء السياسي الشديد، فلم يعد ذلك ممكنا حين صعدت أصواتهم ذيل إسرائيل العلني مثال الآلوسي، وذلك الكائن المقزز فائق الشيخ علي.

لذلك، حين اردت تقييم تحالفهم الجديد، كان هناك بعض الراحة أنه لا يوجد كما يبدو، شخصيات حقيرة "كبيرة" معروفة في تحالفهم الجديد، واعتبرت ذلك تغييرا مريحاً وخطوة إلى أمام، سواء جاءت بقرار واع أو بالصدفة. لكن تلك الراحة لم تدم طويلا كما سنرى.

 

شاهدت مقابلتين لرئيس التحالف السيد حسن العاقولي على اليوتيوب. الأولى وجدتها مملة من الصعوبة تحمل اكمالها رغم إني كنت أسرع الفيديو بقدر ما يسمح به فهم الكلمات. فالرجل، وهو طبيب جراح، لا يقول شيئا. كلامه مليء بالكلمات العامة المستهلكة التي لا يبذل جهدا لإعطائها أي معنى. وحين يكون هناك معنى، يثير الشكوك، فيقول مثلا أنه "تحالف استراتيجي سياسي إضافة إلى انه انتخابي".. ورغم كثرة كلامه عن الشعب، يرى أن التقدم ممكن عن طريق "الشخصيات". أو يقول " لدينا برنامج واضح وهو بناء البلد!"(1(

المقابلة الأخرى كانت اقل مللاً ففيها كمية كبيرة من الضحك، لأن المحاور كان أكثر إصراراً على استخراج الأجوبة منه. وقد وقع في الزلل أكثر من مرة، فهو رئيس حزب الاستقامة، رغم ذلك يصف نفسه بأنه "مستقل"! (لأن كلمة "مستقل" هي المودة) (2(

وحين ذكر المحاور ان حليفهم الشيوعي "عريق" أجاب بشكل تنقصه اللياقة والذكاء، بأنه "عريق تاريخيا" لكن البلد بحاجة الى التغيير! وكأن البلد كان تحت حكم الشيوعي!

المقابلة كانت مطاردة شرسة بين أسئلة ملحة وأرنب يهرب منها إلى العبارات العامة، فهو لم يكن يريد ان يزعج اطراف تحالفه المتناقضة، فجعل ذلك منه بهلوان سيرك يرقص على حبال رفيعة.(3(

فحين سأله: هل ستعملون على إنعاش المدنية ونشر المسارح ودروس الموسيقى في العراق؟ يجيبه: "هل هذه هي مشكلة العراق؟" وينتقل بسرعة إلى حصر السلاح بيد الدولة وتكافؤ الفرص.. الخ (4(

لكن الضحك الكبير كان حين توجه السؤال الى علاقة الحزب بالصدر، والتي أنكرها تماما مؤكداً انه حزب مستقل، لكن حين سأله المحاور: "لو فرضنا انه حصل تعارض بينكم وأنتم مستقلون عن قرارات السيد مقتدى الصدر.." كان جوابه:

- "كيف يكون ذلك؟ السيد مقتدى الصدر يدعو الى الإصلاح والتغيير"..."نذهب الاتجاه الذي يخدم الشعب العراقي".

- "حتى لو كان يختلف مع السيد مقتدى الصدر؟"

- "كيف يختلف؟ ...لا توجد هناك رؤية غير الرؤية الوطنية الخالصة".. "باتجاه الشعب العراقي، باتجاه الفقراء".(5(

واسمعوا هذه:

- لو وقف السيد مقتدى الصدر مع تعيين الفقهاء في المحكمة الاتحادية ماذا سيكون موقف سائرون؟

- ستناقش القضية من قبل أمناء الأحزاب ثم سنخرج بقرار مشترك من خلال الأمانة العامة لتحالف سائرون

- وممكن ان هذا القرار يخالف الخط الي ماشي بيه السيد مقتدى الصدر

- نحن نعتقد ان الخط الوطني هو الخط اللي يتبناه مقتدى الصدر لبناء العراق! هذا ما نؤمن به! 

)لماذا إذن دوخة الراس بأمانات الأحزاب والأمانة العامة؟ لماذا لا تسألون الصدر مباشرة وتخلصون؟ - هذا السؤال مني(

وواحدة أخرى:

- هل تحتكمون الى السيد مقتدى الصدر؟

- "نحتكم له فيما يخص الإصلاح والتغيير.. كل طروحات السيد مقتدى الصدر تنادي بحكومة وطنية ... "

في النهاية زهق المحاور فسأله ربما سؤال غير ودي: "هل تعتقد إنك بهذا الخطاب توضح هويتك للناخب ام تشوشها؟"

وفي مكان آخر قال له: "آني والله مستغرب دكتور ليش ما تريدون تعرفون نفسكم".

لا مكان للاستغراب، فالرجل لا يجد ما يجمع جهتين يبدو انهما على طرفي نقيض، وعليه ان يمسك عصا مليئة بالمسامير من وسطها، فلا مفر له من ان يكون بهلوانا ماهراً في الامتناع عن الإجابة دون أن يبدو كذلك. إنه يحسب مقدماً تداعيات ردوده، لأنه لا يرى أرضية مشتركة بين الشيوعيين والصدريين. والحقيقة أنه مخطئ تماما، وكذلك الجميع، بما فيهم أعضاء الكتلتين وناخبيهما.

الأرضية المشتركة للحزب الشيوعي مع الصدريين موجودة وقوية ولا تقتصر على توجه الشيوعيين للفقراء، وأن هؤلاء هم الغالبية الساحقة من التيار. بل توجد أرضية مشتركة "نظرية" ايضاً، لكن كلا الجانبين لا يلتفت لها ويبدو أنها لم تخطر ببال أي منهما! والسبب هو ان لا الشيوعيون العراقيون عادوا شيوعيين إلا بالوراثة، ولا الصدريون عادوا صدريين إلا بالوراثة وليس بالأسس التي عرف بها الجانبان. ولو كان الأمر غير ذلك، لاكتشف الطرفان أن كتاب "اقتصادنا" يجمع بينهما بكل قوة!

السر الذي لا يعرفه لا الصدريين ولا الشيوعيين هو ان "اقتصادنا" كتاب ماركسي إلى حد بعيد، ربما يزيد على 80%، لأنه ببساطة اقتصاد يتوجه الى المجتمع، تماما كالماركسية. الاختلاف الأساسي بين اقتصادنا و "رأس المال" هو في "سبب" التوجه الاقتصادي الى الشعب، فهذا لأن الله امر بذلك، والآخر لأنه يراه الشيء الصحيح والنافع والأخلاقي. لكن السبب هنا غير مهم. فمن الممكن أن أؤجر ذات السيارة حين اذهب الى النجف لزيارة صديق، مع آخر يذهب إليها لزيارة المراقد، ونتعاون على تكاليفها وعلى قضاء وقت الطريق.

الطرفان لا يعرفان تلك الحقيقة لأنه لا الصدريين اليوم يقرأون كتب السيد باقر، الذي يقدسونه، ولا الشيوعيون يقرأون ماركس الذي لم يعودوا يتذكرونه حتى في عيد ميلاده المئتين! لكن مثلما ورث السيد مقتدى اهله، ورث الحزب الشيوعي اسلافه، ومازال اتباعهما يتبعانهما بلا أسئلة. وحين تسأل أي من الجانبين عن المشترك، لا يجد سوى أن يقول لك أنه تحالف انتخابي وليس سياسي استراتيجي! وهو العكس تماما مما قال رئيس التحالف!

لكن إلى أين يتوجه الـ "سائرون" باقتصاد البلد إذن، وقد ترك كل منهما مثاله الأعلى؟ يكتشف الباحث أن وراء هذا التجمع عدد من أساطين المال ورجال الأعمال، يبدو أنه قد خطط لهما ان يصعدا على اكتاف اصوات ناخبي الجانبين ليسيرا البلاد كما يريد من يقف وراءهما. أحدهما هو "سعد عاصم الجنابي" (رئيس حزب التجمع الجمهوري) (6) وصاحب قناة الرشيد التلفزيونية والذي وصفه أحد المعلقين بأنه "امبراطور مالي، وأخطبوط مد أذرعه لكل مفاصل الاقتصاد الوطني ليبني له إمبراطورية مالية كبيرة في مختلف أنواع التجارة والاستثمار، مستفيداً من الفساد وضعف القوانين الاقتصادية.

ويبدو ان هذا الرجل يتمتع باحترام ملفت للنظر داخل سائرون وكأنه عراب التحالف.(6) ومما قرأته انه كان شريكا تجاريا لحسين كامل قبل هرب الأخير، وأنه وسع ثروته كثيرا بعد الاحتلال من خلال علاقة مباشرة مع الامريكان، كان يحصل من خلالها على مقاولات مجزية من الأموال العراقية. ومتزوج من ابنة الجنرال الأمريكي جي كارنر! ، وأترك البحث عنه أكثر لمن يشاء على النت.

أما الرجل الثاني فهو "مضر شوكت"، شخصية غريبة متعددة الابعاد. فهو مثل زميله سعد، من رجال الأعمال الأثرياء. وطبيعي ان آراءه الاقتصادية تركز على القطاع الخاص والخصخصة، ويرى ان الاقتصاد يجب ان يعتمد على الاستثمار الخارجي والداخلي والقطاع الخاص وليس القطاع العام، بل حتى المشترك!(8(

ويقول انه تشارك مع شركة إم تي سي الكويتية لإدخال الموبايل إلى العراق، أن له "خبرة" في المضاربات المالية العالمية!

ومثل زميله الثري أيضا عادل عبد المهدي فأن طموح الرجل هو إعادة العراق إلى ما قبل 1958، فهو من مؤسسي "الحركة الملكية الدستورية"، وهؤلاء يكنون كراهية شديدة لعبد الكريم قاسم وكل ما فعله. ونحن نعرف ما فعله، ونستطيع ان نعرف لماذا يكرهونه.

والآن حاولوا أن تصدقوا أن هؤلاء آلمهم صرخات الفقراء، فجاءوا بكل حماس لتلبية "حاجات الشعب" واستجابة لتظاهراته، ولتحقيق "العدالة الاجتماعية" التي ستحرمهم من ميزات اساطين المال الذين لا يعيشون إلا على فقر الناس، كما يقول كل من الإمام علي وماركس، اللذان كما يبدو، قد تخلى مقتدى الصدر والحزب الشيوعي عنهما لصالح سعد عاصم الجنابي ومضر شوكت!

لكن الأمر لا ينتهي هنا. فمضر شوكت يطمح إلى إعادة الجيش السابق بدعم من السعودية! فهل تمت مفاتحة مقتدى بهذا الأمر في زيارته إلى السعودية؟(9(

وطبيعي فأن مضر شوكت ضد الحشد لأنه "طائفي". ويريد ان يكون الجيش العراقي تحت سلطة حكومة سنية! (10(

لكن أسوأ ما في حقيقة مضر شوكت هو حين كان يصرخ من على المنبر: "ماذا نريد؟" فيرد الحاضرون: الإقليم العربي السني! ماذا نريد؟ الإقليم العربي السني! يكررها أربع مرات، ويردد قطيع الحاضرين خلفه!(11(

ثم يؤكد: تريد ان يتعانق الإقليم العربي السني مع إقليم كردستان العراق في كونفدرالية لعراق جديد!

الكونفدرالية هي خطوة هائلة في طريق تفكيك العراق، ونحن نعرف من يضع هذا الهدف غاية له، وبالتالي نعرف من يمكن ان يقف وراء مضر شوكت!

السؤال الآن: من يمثل سعد عاصم الجنابي ومضر شوكت؟ من هو المسؤول عن دخولهما في هذا التحالف؟ مبادئ من يمثلان؟ من يريد منهما اقتصاداً يحدده اساطين المال والمضاربون الدوليون؟ هل هو التيار الصدري أم سائرون؟ من يريد جيشاً عراقيا تحت حكومة سنية؟ من يريد اقليما سنياً عربياً يعانق إقليم كردستان في عراق كونفدرالي جديد؟ من هذه هي أهدافه، فليتفضل بانتخاب تحالف "سائرون" ومن يرفضها فليطرح الأسئلة على حزبه المنتمي لهذا التحالف ليفهم حقيقة أهدافه!

 

 

(1) حسن العاقولي: لدينا برنامج واضح وهو بناء البلد!!

https://www.youtube.com/watch?v=hUVe7me-4mQ

 (2) حسن العاقولي: رئيس حزب وهو مستقل!!

https://youtu.be/eOfTc5WC_D4?t=360

 (3) حوار مع أمين عام حزب الاستقامة الوطني حسن عبد الله العاقولي - YouTube

 https://www.youtube.com/watch?v=eOfTc5WC_D4

(4) هل تدعمون المسرح والموسيقى؟

https://youtu.be/eOfTc5WC_D4?t=2797

 (5)لو تعارضت قرارات التحالف مع قرارات مقتدى الصدر

https://youtu.be/eOfTc5WC_D4?t=2037

 (6) سعد عاصم الجنابي رئيس التجمع الجمهوري العراقي -

 https://www.youtube.com/watch?v=V3N68aSebz8

(7)  انطلاق اعمال تحالف سائرون بحضور الاستاذ سعد عاصم الجنابي رئيس حزب التجمع الجمهوري

 https://www.youtube.com/watch?v=qPj-xMWy98s

(8) الاقتصاد يجب ان يعتمد على الاستثمار الخارجي والداخلي

https://youtu.be/4fUBTd7LdWI?t=134

 (9) مضر شوكت سنعيد الحكم والجيش في العراق بدعم السعودية

https://www.youtube.com/watch?v=ZfH_YDqQ6kQ

 (10) الجيش العراقي تحت سلطة حكومة سنية

https://youtu.be/DLkGTu3mBBw?t=36

 (11) تريد ان يتعانق الإقليم العربي السني مع إقليم كردستان العراق في كونفدرالية لعراق جديد!

https://www.facebook.com/News.boom1/videos/2024404420934851/