المعركة المزدوجة ضد ايران

عاموس هرئيل

 

 

هآرتس - 1/5/2018

          المواجهة بين اسرائيل وايران دخلت أمس الى فصل جديد يدمج سلسلة أبعاد: عسكرية واستخبارية ودبلوماسية واعلامية. مساء أمس كشف بنيامين نتنياهو "الارشيف النووي الايراني"، عشرات آلاف الوثائق السرية التي وصلت الى أيدي اسرائيل بطرق سرية. قبل اقل من يوم من ذلك، في سوريا قصفت جوا مواقع عسكرية ايرانية في هجوم نسب مرة اخرى لاسرائيل.

          نتنياهو يدير هنا معركة من اجل الوصول الى هدفين منفصلين، في الساحة الدولية يبدو أنه يريد اعطاء ترامب دفعة اخرى صغيرة قبيل الاعلان الامريكي عن الانسحاب من الاتفاق النووي مع ايران. وفي سوريا اسرائيل بدت مصممة أكثر من أي وقت آخر على منع التمركز العسكري الايراني. توجد علاقة معينة بين القناتين. اسرائيل تقدر كما يبدو أن الضغط الذي يوجد فيه الايرانيون قبيل اعلان ترامب، اضافة الى الضائقة الاقتصادية والاحتجاج المتزايد في الداخل، ستصعب عليه الرد بقوة وبشكل فوري على عمليات القصف.

          في الساعات التي انقضت بين الهجوم والمؤتمر الصحفي لرئيس الحكومة تولد لدى الجمهور خوف معين مدعوم بتقارير اخبارية مزيفة نشرت في تصريحات "واتس آب" وكأن الحرب مع ايران على وشك الاندلاع. هذا الخوف تبين أنه مبالغ فيه في المساء كشف نتنياهو عن عرض السنة.

          الى جانب الانجاز الاستخباري المثير للانطباع فقد بقيت مسألة أهمية كشف هذه المعلومات. باختصار، اسرائيل تقول إن لدينا دلائل جديدة ومقنعة حول ادعاءها القديم الذي يقول إن الايرانيين كذبوا طوال الوقت وقاموا في المقابل بتفعيل مشروع نووي عسكري سري. هذه الوثائق، كما اعلن نتنياهو، تم عرضها على الامريكيين وسيتم نقلها قريبا الى دول اخرى.

          النقاش من الآن فصاعدا سيكون تحليلي: هل يوجد هنا "مسدس مدخن" يثبت أن ايران استمرت في جهود التطوير بعد العام 2015. شخصيات متقاعدة رفيعة المستوى في الاستخبارات، الذين حضروا المؤتمر الصحفي، لم يشخصوا في هذا الوقت دليل كهذا. في مقابلة مع "هآرتس" في بداية نيسان قال رئيس الاركان غادي آيزنكوت إن الاتفاق النووي رغم عيوبه إلا أنه "في هذه اللحظة يعمل". يمكن التخمين بأن تقديره لم يستقبل بحماسة جارفة في مكتب نتنياهو.

       الجيش معه في هذه المرة

          الهجوم الاسرائيلي في مساء يوم الاحد، الذي قصف فيه عدد من المواقع بين حماة وحلب في شمال سوريا، هو على الاقل الخامس منذ ايلول الماضي. بعده يبدو أن اسرائيل مصممة على القتال من اجل طرد التواجد العسكري الايراني من سوريا.

          في اعقاب الهجوم السابق الذي قتل فيه 14 شخص، بينهم سبعة من رجال حرس الثورة الايراني في قاعدة "تي 4" قرب حمس، هددت ايران بالرد من خلال عملية قاسية. وفي جهاز الامن الاسرائيلي استعدوا لذلك، لكن التهديد لم يتم تنفيذه حتى الآن. وبدل ذلك حدثت عملية هجوم اخرى نسبت لاسرائيل ضد المصالح الايرانية في سوريا. حسب التقارير الواردة من سوريا فان هجمات أول أمس أدت الى تفجيرات شديدة (قورنت بهزة ارضية صغيرة). عدد من الاشخاص قتلوا، وكما يبدو جنود سوريين ورجال مليشيات شيعية مؤيدة لايران.

          في الاسبوع الماضي جاء في الـ "سي.ان.ان" أن اجهزة الاستخبارات الامريكية والاسرائيلية تتابع عن كثب نقل ارساليات سلاح ايرانية الى سوريا، التي يمكن أن تستخدم لاغلاق الحساب مع اسرائيل. الهجوم الاخير، في هذا التوقيت وبهذه القوة الشديدة، يمكن أن تدل على المس بمخزون سلاح كبير (وبالتالي التشويش على رد ايراني محتمل). احد التقديرات هو أنه تم قصف ارسالية صواريخ ارض ارض.

          في الشمال تجري مواجهة مباشرة ومستمرة مع ايران، اسرائيل فيها تضع خط احمر ومستعدة لتطبيقه بالقوة. ولأن ايران ترفض الموافقة على الحظر والوسائل المستخدمة، وفي ظل غياب وسيط ناجع بين الطرفين فان المواجهة يمكن أن تتصاعد. وفي هذا الاسبوع بدأت.

          كما أسلفنا، ربما توجد علاقة معينة بين التصميم الاسرائيلي الواضح في سوريا وبين انتظار قرار ترامب بشأن الاتفاق النووي مع ايران قبيل 12 أيار. الاعتقاد هو أن ايران حذرة من الرد على العمليات المنسوبة لاسرائيل في سوريا لأنها تخشى من ارتكاب خطأ يتسبب بغضب الولايات المتحدة عليها. ووفقا لهذه المقاربة فان ترامب يمكنه الرد على التصعيد بين ايران واسرائيل بتسريع الانسحاب من الاتفاق النووي. السلطات في طهران قلقة ايضا من سلسلة تهديدات داخلية، وازمة اقتصادية وحتى مظاهرات مشتعلة. النتيجة التي تنبع من ذلك كما يبدو هي أن اسرائيل يمكنها مواصلة ضرب الايرانيين في سوريا كلما رأت ذلك مناسبا.

          الولايات المتحدة حقا تتصرف الآن بصورة مختلفة جدا عما تصرفت في عهد ادارة اوباما. مايك بومباو جاء لزيارة اسرائيل فورا بعد توليه منصبه، وسافر الى الاردن قبل فترة قصيرة من وصول تقارير أولية عن الهجمات الاسرائيلية في سوريا. في يوم السبت تحدث ترامب ونتنياهو هاتفيا، وتحدثا حول ايران. هذه رياح داعمة واضحة من واشنطن لرياح الحرب التي تنشب في القدس. لو أن بومباو كان لديه بعض الوقت للبقاء في اسرائيل لبضع ساعات لكانوا اقترحوا عليه أن يركب احدى الطائرات ويطلق بنفسه عدة صواريخ.

          نتنياهو، كما كتب هنا قبل بضعة اسابيع، يوجد في وضع نفسي ترامبي يختلف عن سلوكه المعتاد. إن اهتمامه بالتطورات الامنية يفوق حتى اهتمامه بالمشاجرات السياسية في الائتلاف، وهو مستعد لأن يأخذ على عاتقه مخاطر غير عادية تصل الى حد المقامرة. بشكل استثنائي، جهاز الامن معه. وليس مثلما كان في النقاش الدراماتيكي حول قصف المنشآت النووية الايرانية في بداية هذا العقد، فان رؤساء الاجهزة الامنية يقودون خط متصلب وهجومي حول موضوع التواجد الايراني في سوريا.

          السؤال المثير ولكن المطلوب الآن هو ما الذي سيحدث اذا فشلت العملية الاسرائيلية. صحيح أن ايران لا تريد اغضاب الولايات المتحدة الآن، وهي غارقة في الدفاع عن المشروع النووي من ضغوط اخرى وتخشى من انكشاف قواتها للقصف في سوريا. مواجهة في سوريا هي ايضا غير مريحة لروسيا التي تريد استقرار نظام الاسد. ولكن الحسابات الاسرائيلية يمكن أن تتشوش تماما اذا خرجت قوة اللهب في سوريا عن السيطرة، واذا قررت ايران خلافا للتقديرات المبكرة أن تدخل حزب الله الى المعركة، مثلا بعد الانتخابات البرلمانية في لبنان في 6 أيار. حزب الله راكم تجربة عملياتية واسعة في سوريا وتوجد بحوزته ترسانة تقدر بأكثر من 100 ألف صاروخ وقذيفة. المنظمة بالتأكيد ليست أقوى من الجيش الاسرائيلي، لكن في حالة الحرب يمكنها التسبب بأضرار حقيقية للجبهة الداخلية وأن تجبي من الجيش الاسرائيلي ثمن باهظ في مواجهة برية في لبنان.

          هذا التصادم يمكنه أن يجر الى داخله ايضا حماس في غزة، كما حذر في مناسبات كثيرة وزير الدفاع. لقد استطاعت اسرائيل حتى الآن الحفاظ على نظام تنسيق لمنع الاحتكاك مع سلاح الجو الروسي في سماء سوريا. فهل سيأتي وقت وتقرر فيه موسكو أنها ملت من قبول املاءات القدس؟ حتى أمس على الاقل امتنعت روسيا عن الرد على الاحداث خلافا للبيانات القلقة التي نشرتها في حالات سابقة.

      تطرح الآن الاسئلة: هل هدف ابعاد كل التواجد الايراني من سوريا هو هدف قابل للتحقق، كما يعتقد رئيس الحكومة ووزير الدفاع ورئيس الاركان؟ هل تم أخذ احتمال أن تتشوش هذه الامور في الحسبان، الى درجة التصعيد، حيث يكون على اسرائيل دفع ثمن أعلى بكثير؟