مصر: مغزى العدوان على غزة ورفع أسعار المواصلات

محمد عبد الحكم دياب

 

 

لم يعط المشير تفسيرا لموافقته على إقامة الاحتفال بمرور سبعين عاما على النكبة واغتصاب فلسطين في قلب القاهرة، يوم الثلاثاء قبل الماضي، وكانت القاهرة وستعود عاصمة العرب عن جدارة، ولم يعلن موقفا عن ما يحدث على الحدود بين غزة ورام الله من جهة وباقي فلسطين التاريخية (المحتلة) من جهة أخرى، وشَغَل المواطنين بالرفع الجنوني لأسعار بطاقات السفر بقطارات الأنفاق (المترو(.

والارتفاع كان مقررا أن يكون بمعدل أقل، بكثير لكنه وصل إلى 700% للشريحة العليا، مقارنة بأسعار العام الماضي؛ على أن يبدأ التنفيذ من تموز/يوليو القادم؛ كما أكد المعنيون مرارا.. ونسأل عن سر هذا الرفع الجنوني للسعر، وتقديم التوقيت شهرين عما كان مقررا، والسر هو فلسطين، وما يجري في غزة وعلى طول الحدود الفاصلة بين فلسطين المحتلة وأراضي السلطة في رام الله وقطاع غزة.. والضجة المثارة عن أسعار بطاقات مترو الأنفاق بدت متعمدة لشد أنظار المواطنين بعيدا عما يجري في ذلك الجزء العزيز من الأرض العربية، وتولى هذه المهمة مسؤولو وإعلاميو وصحافيو المشير، وكتائبه الألكترونية؛ ببث أحاديث وكتابات مستفزة؛ تقارن أسعار المواصلات في الدول المتقدمة والغنية بمثيلتها في مصر.

وعرض شرائط وتسجيلات مستهلكة بهذا المعنى؛ لعل المواطن يهدأ ويقتنع، فلم يهدأ ولم يقتنع.. فلا الدخول هناك تتساوى مع الدخول في مصر، ولا تكلفة التشغيل والصيانة هي نفسها، فضلا عن الفروق الكبيرة في مستويات المعيشة، وفي الخدمات والمزايا التي تغطيها الضرائب هناك، أما الضرائب المصرية فهي جباية مبالغ فيها، وتدفع كإتاوات تحصل عليها الدولة لدعم الأثرياء والقادرين دون خدمات حقيقية للمواطنين.. الذين يدفعون مقابل الخدمات التي تقدمها الدولة أضعافا مضاعفة؛ في التعليم.. وفي الصحة.. وفي الرعاية الاجتماعية وغيرها.

خسر المشير معركته قبل أن تبدأ، وكانت حجة المواطن هي الأقوى، ومنطقه هو الأكثر قبولا، وانتصر المواطن، ولم يقبل المشير بذلك، وعاد إليه عناده، ولجأ إلى شباب التجارب المعملية، الذين يُعاملون كـفئران تجارب في المعامل والمختبرات العلمية، وتقوم أجهزة الأمن ومكاتب الرئاسة بإجراء تجاربها عليهم، ومن ثَم ترشحهم لحضور البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة، ومن المعلوم أن الفئران والجرذان تُشكّل نسبة 95% من حيوانات التجارب.

وفي جلسات واجتماعات هذا الشباب يستحوذ المشير على مكبر الصوت، ويتحدث منفردا طوال الوقت، والقاعة بها وزراء ومسؤولون؛ مدنيون وعسكريون.. يجلسون هم والمقاعد سواء بسواء.. وكما اعتاد المشير أعطى الحضور ظهره؛ معتمدا على حصيلة معرفية متواضعة.. وثقافة معدومة.. وخبرة محدودة، وكرر ما ردده كثيرا عن فقر المصريين، وعن دولتهم المهددة، وعن خلل نظرته للأوطان والدول كأوعية فارغة من البشر.. وهي نظرة من لا يرى إلا نفسه.. ويبالغ في وزنه، وقوته الخارقة على درء المخاطر، وحماية الدولة من أعدائها، وهم شبابها.

وغاب عنه أن الدولة يحميها شعبها.. وكفاءة إدارتها.. وسياستها الرشيدة.. وكفاية إنتاجها.. ووفرة خدماتها.. ورقي تعليمها.. وارتفاع مستوى معيشتها.. وتقدم وعيها.. وعلو همتها.. ودولة المشير على النقيض من ذلك تماما؛ تُبشر بالخراب، وتبرر الضعف وترضى بالهوان.. وتهدد وتتوعد وتوجه لعناتها إلى الشعب، وتسيء إليه، وتحقر من شأنه، وتطعن في وعيه، وتصفه بالمزيف؛ ولا يتوقف المشير عن هذه الادعاءات المرسلة والمزاعم المَرَضِية.

والرئيس الذي يتشبث بمسلك واحد ويفرضه على المواطن، ويتجاهل المسالك الأخرى والاختيارات المتنوعة فهو لا يصلح، ويبدو منفصما في مواقفه، وكمن يضمر شيئا ويأتي بعكسه، وأشبه بـالباطنية، وكثير منهم يسكن الحي الذي وُلد وترعرع فيه؛ يُبطنون غير ما يعلنون، وذاتهم متضخمة إلى حد كبير.

ويعول المشير كثيرا على سلام السادات، الذي لولاه للفظت مصر أنفاسها، حسب رأيه، وادعى أن السادات حاول الإصلاح الاقتصادي؛ وتنفيذ توصيات صندوق النقد، لكن الشعب قاومه فتراجع، ولم يجرؤ السادات على المواجهة، وجرؤ عليها هو.. وأنذر الشباب حتغضبوا.. حتخرجوا.. وتدمروا، وإنه لبالمرصاد.

المشير يعالج مجتمعا مأزوما بالإغداق على القادرين والأثرياء ورجال الأعمال والوزراء والنواب وكبار مسؤولي الدولة والقضاة والجنرالات ومن في حكمهم؛ يعفيهم من كل عبء.. ويلقي كل الأعباء على كاهل الطبقة الوسطى، ومجالها الحيوي؛ من منتجين وفلاحين وعمال وصغار كسبة وفنيين وموظفين ويخضعون للجباية المستمرة، ويدفعون الضرائب، وكأنها تُحَصل للصرف على الفئات والقوى المتنفذة والأثرياء وأصحاب المناصب المتميزة.

والخيارات التي طرحها المشير أتت بنتائج عكسية، ولو وقع ذلك من رئيس يحترم شعبه لترك المنصب طوعا، فيجنب البلاد إنفجارا قد لا يبقي ولا يذر. ويتذكر المشير الكوارث والمؤامرات الكونية ضد مصر ليلقي الرعب في النفوس ويعيد الخوف إلى الصدور.. ويستخدمها فزاعة إذا ما طلب الفقراء حقهم، أو اشتكى المظلومون من جور ظالميهم.. أو إذا تم لفت الأنظار إلى تنفيذ مشروعات عديمة الجدوى؛ كبناء العاصمة الجديدة.. ومشروع المليون ونصف المليون فدان.. فضلا عن الطامة الكبرى في كارثة سد النهضة، الذي أصبح لا يشير إليها الآن.. بعد أن وقعت الواقعة، ولاحت مخاطر العطش والجوع بسرعة البرق؛ نتيجة خصم عشرين مليار متر مكعب من نصيب مصر في المياه.

ومع ذلك تمت الموافقة على استئناف مفاوضات فاشلة غير مجدية.. وهو من يتحمل المسؤولية عن هذه الكارثة؛ بعد أن منح سد النهضة قبلة الحياة، وأقر استكماله، كما نص على ذلك اتفاق المبادئ، الموقع منه في آذار/مارس 2015 مع كل من الرئيس السوداني ورئيس وزراء اثيوبيا السابق..

وكارثة سد النهضة لم تواجه بالجدية الواجبة، وينشغل المشير ومن معه في البحث عن كبش فداء يحملونه وزر ما حصل.. وكان عليه أن يسحب توقيعه من اتفاق المبادئ كأضعف الإيمان، كي لا يسجل التاريخ على أن حاكما مصريا شارك في اغتيال الشعب الذي حكمه.. وسحب التوقيع هو المحاولة الأخيرة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

وفي حديثه إلى شباب التجارب المعملية وجه لومه للمرة الأولى للقوات المسلحة، وهو الذي حملها فوق طاقتها، وتوجه باللوم كذلك لوزيري الزراعة والري وحملهما مسؤولية العجز عن إصلاح المليون ونصف المليون فدان. وما القول إذن في عجز رئيس السلطة التنفيذية عن متابعة ومحاسبة واحد أو أكثر من المسؤولين أمامه.. هل يكفيه القول بأنه لا يستطيع تغيير وزير أو مسؤول كل خمسة أو ستة شهور حسب ما جاء في حديثه إلى الشباب.