كيف استولت الأحزاب الشيعية والكردية على ثلثي مقاعد كوتا الأقليات العراقية

علاء اللامي

 

 "الكوتا" بحد ذاتها اعتراف وعلامة على أن النظام الانتخابي المعتمد هش وبدائي واضطراري. هذا في التجارب الانتخابية واللبرالية المستقرة وفي دولة المواطنة، أما في دولة المكونات والطوائف كما هي الحال في العراق اليوم فإنها تصبح طريقا سالكا للاستيلاء على حقوق أصحاب الكوتا الحقيقيين من أبناء الأقليات القومية والدينية من قبل زاعمي تمثيل الطوائف والقوميات الكبيرة.

الكوتا كمصطلح: كلمة (quota) مصطلح لاتيني الأصل، يقصد به نصيب أو حصة. ارتبط هذا المصطلح تاريخيًا بما يسمى بـ"التمييز الإيجابي"، والذي أطلق لأول مرة في الولايات المتحدة الأمريكية للتعويض عن الجماعات المحرومة (الأقلية السوداء) في ستينيات القرن الماضي للتخفيف من النظام العنصري الذي أقامه المهاجرون البيض الآريون بعد أن أبادوا السكان الأصليين "الهنود الحمر" وبدأوا بإفراغ أفريقيا من سكانها والمتاجرة بهم كعبيد في نظام يحمي العبودية بموجب القوانين النافذة وبقي الحال هكذا حتى إجراء التعديل الثالث عشر على الدستور الأميركي سنة 1865 باتجاه التخفيف من قوانين العبودية والتمييز العنصري ضد السود الأفارقة ولكن واقع التمييز العنصري بقي على ما هو عليه حتى نهاية الستينات من القرن الماضي (اغتيل زعيم السود لوثر كنغ في سنة 1968 من قبل العنصرين البيض) وبعض أشكالها ما تزال قائما إلى اليوم. ولكن الكوتا كنظام في التصويت تم إلغاؤها رسميا واعتبارهم مواطنين عاديين يحق لهم التصويت والانتخاب والترشح والترشيح كسائر المواطنين الأميركيين الآخرين.

ويقول الصديق الكاتب أسعد أبو خليل ، وهو أستاذ جامعي يقيم في الولايات المتحدة منذ عدة سنين، في تعليق له على ما نشرته إن (أميركا عادت الكوتا منذ شيوعها وهي خلافاً لما يُظن عنها لا تناصر الكوتا على الإطلاق. إن المحكمة العليا هنا لا تسمح بكوتا للنساء أو السود في الوظائف، إلا في تلك الحالات التي يثبت فيها ان شركة أو إدارة حكوميّة مارست نمطاً طويلاً من التمييز ضدهم. وممارسة التمييز الايجابي في تناقص وتتعرّض لمحاربة وهي ممنوعة في ولاية كاليفورنيا (وهي من الولايات المنفتحة بالمقارنة(.

الأمر نفسه يمكن أن يقال عن كوتا النساء في المجتمعات الذكورية القصوية. ولكن الكوتا التي استعملت في عدد من البلدان لم تؤدِ إلى أي تطور إيجابي في وضع النساء لاحقا، وبقيت حصة النساء قائمة فإذا ألغيت لا يسجل أي تغيير ايجابي في غلبة وسيادة الذكور على الهيئات التشريعية المعنية. ومع ذلك فالكوتا للنساء قد تكون مفيدة في بدايات التجارب الانتخابية ولكن تطوير وضع المرأة العام في المجتمع والحياة السياسية يحتاج إلى عوامل تنشيط وظروف أخرى.

ولعل موضوع تجربة رواندا في مجال نسبة النساء في المؤسسات الرسمية في الدولة يرتبط بخصوصية الوضع في التجربة الراوندية وتحديدا بتجارب الإبادة المتبادلة التي تعرض لها هذا البلد خلال الحرب الأهلية والتي أدت الى انخفاض نسبة الذكور بشكل حاد له تأثير مهم في ارتفاع نسبة النساء إلى أكثر من 60% ونسبة النساء في الحكومة هي الثلث... وهي تجربة مثيرة وفريدة ولكنها لا تنفي السياق العام لتجارب الكوتا في الدول الأفريقية جمعاء ومنها من سجل تراجعا في هذا الميدان المغرب، وقد لا تكون لها علاقة بتجارب الكوتا النسائية المفروضة والتي انتهت إلى الجدار أو إلى التراجع عما كان موجودا!

كوتا الأقليات الدينية والقومية في العراق: يبدو واضحا أن إدارة الاحتلال الأميركي التي أطلقت العملية السياسية وحركت فيها الساسة العراقيين المحليين من حلفائها وغالبيتهم العظمى من الإسلاميين الشيعة والكرد هي التي وضعت هذه النسبة وهي مع ذلك تعتبر قليلة (تسعة مقاعد من مجموع 328 مقعدا) وغير عادلة قياسا الى دور وحجم الأقليات العراقية بغض النظر عن الظروف التي تلت الاحتلال وساهمت بشكل مباشر في هجرة وتهجير جماعي لأعداد هائلة من أبناء هذه الأقليات.

نفهم مما نشر من نتائج الانتخابات أن المقاعد التسع الخاصة وزعت كالآتي:

*خمسة مقاعد للمسيحيين (ويقصدون الكلدان والآشوريين الذين يتعامل معهم دستور دولة المكونات كمكونات دينية وليس قومية) في محافظات بغداد ونينوى ودهوك وأربيل.

*مقعد واحد لكل من مكونات اليزيدي والشبكي والصابئي والكردي الفيلي، والمجموع أربعة مقاعد.

*حصة المسيحيين: فاز باثنين منها قائمة بابليون وهي فصيل مسلح ضمن الحشد الشعبي ويمكن اعتبار هذين المقعدين لمصلحة قائمة الفتح بزعامة العامري. ومقعدان فاز بهما مرشحان من ائتلاف الكلدان والمجلس الشعبي وهما حليفان للحزب الديموقراطي الكردستاني بزعامة البارزاني. والمقعد الخامس فقد فاز به مرشح مستقل هو السيد عمانوئيل خوشابا.

*المقعد المخصص للشبك في نينوى فاز به نائب معروف محسوب على قائمة الفتح هو حنين القدو. ومقعد كوتا اليزيديين آلت لحزب التقدم اليزيدي وهو مستقل عن الأحزاب الأخرى في نظر البعض أو يرتبط بها في العمق في نظر البعض الاخر. أما مقعد كوتا الفيليين فقد سحب من المرشح حيدر الفيلي لمصلحة مرشح آخر من حزب الفضيلة الشيعي. أما المقعد المخصص للمندائيين الصابئة فقد فازت به السيدة لمياء الشاوي التي يقول البعض أنها مقيمة في أستراليا.

الخلاصة، هي ان ما بين ستة إلى سبعة مقاعد من مجموع تسعة استولت عليها الأحزاب الشيعية والكردية.

إن هذا الاستيلاء غير المشروع على حقوق أبناء الأقليات وبهذه الطريقة الانتهازية والسياسيوية تفضح الطابع الرجعي لنظام المحاصصة ككل، والأحزاب التي قامت بهذه العملية قبل غيرها. وقد يقول قائل إن ما حدث يندرج ضمن المباح في اللعبة الانتخابية ولا يمكن منع فلان أو علان من الناس من ان يترشح باسم فصيله السياسي، وهذا خداع محض لا ينفي بل يؤكد عامل السيطرة الأمنية والسياسية والإعلامية على المناطق المعنية التي تسكنها الأقليات من قبل الفصائل والأحزاب التي فاز أصدقاؤها بتلك المقاعد، وخصوصا في قائمتي الفتح وحزب البارزاني. ولو افترضنا زوال تلك السيطرة أو الهيمنة واستبدالها بهيمنة أخرى من أحزاب أخرى لحدث الأمر نفسه، وأجبِرَ أو دُفِعَ الناس إلى التصويت لمرشحي هذه الأحزاب. المطلوب إذن، هو سيطرة دولة المواطنة وتحرير أبناء الأقليات من الخوف والقمع والاضطهاد ليتمكنوا من ممارسة حقوقهم الدستورية ثم لينتخبوا من يشاؤون بعدها، وصولا إلى إلغاء نظام الكوتا نفسه بعد تحقق الاندماج المجتمعي الحقيقي وزوال دولة المكونات، وهذا لا يحدث في ظل نظام المحاصصة ودولة المكونات الرجعي التابع للأجنبي بل في ظل دولة المواطنة الديموقراطية التي لا تتقاسم سيادتها مع الدول الأجنبية كأميركا أو الفصائل المسلحة المحلية.