حرب 1967 إنتصار إسرائيل الأخير

عوني فرسخ

 

 

في صباح الخامس من يونيو / حزيران 1967 بدأت 400 طائرة إسرائيلية غاراتها على مصر وسوريا والأردن والعراق ساحقة معظم طائرات سلاح جو الدول العربية الأربع ومدمرة مدارج مطاراتها . وبذلك توجت إسرائيل سلسلة انتصاراتها العسكرية التي توالت منذ انتصارها على القوات الشعبية والنظامية العربية في حرب 1948/ .1949 دون أن تؤدي انتصاراتها العسكرية المتوالية ، بما في ذلك الانتصار الأخير ،لأي نصر سياسي لاجماع الدول العربية على رفض التسوية على اساس الأمر الواقع ، وإنما على أساس قراري الأمم المتحدة رقمي 181 و 194 . وذلك بانسحاب إسرائيل لحدود التقسيم وإعادة اللاجئين لديارهم واستردادهم أملاكهم ، والتعويض عليهم .

فضلا عن المتغيرات المستجدة في ميدان القتال بدءا من فشل اسرائيل في معركة الكرامة يوم 21/3/1968 بمواجهة الفدائيين وقوات من الجيش العربي الأردني . وحين أعلن الرئيس الراحل جمال عبدالناصر مسؤوليته عن الهزيمة العسكرية ، وتخليه عن جميع مناصبه الرسمية ليلة 9/6/1967 ليعود لصفوف الشعب لمقاومة الغزاة ، انتفضت جماهير مصر والأمة العربية معلنة إصرارها على مواصلة الكفاح بقيادته ، فأقدم مستقويا بالتأييد الجماهيري على تطهير الجيش من القيادات الفاسدة والمتخاذلة واعادة بنائه على اسس علمية ، واحلال قيادات متميزة بالمعرفة والكفاءة العسكريتين ، وليبدأ الجيش المصري تحت إشرافه المباشر حرب الاستنزاف ، مستعينا بالدعم العسكري والاقتصادي والسياسي السوفياتي . وتواصلت الحرب ثلاث سنوات ، حقق فيها الجيش المصري عدة انجازات ، برغم الاستنزاف المضاد الذي قامت به اسرائيل بدعم امريكي غير محدود . وبموجب مبادرة وزير الخارجية الامريكي روجرز في 23/7/1970 جرى وقف اطلاق النار صباح 8/8/1970 . وكانت مصر قد قبلت مبادرة روجرز بهدف التمكن من انشاء وتجهيز اكبر تجمع عسكري غرب قناة السويس مباشرة ، إذ تم وضع اول قاعدة هجومية لعبور القناة والاندفاع في سيناء الى منطقة المضائق تحت مظلة وحماية اكبر شبكة للدفاع الجوي تطورا .

وفي تقويم نتائج حرب الاستنزاف كتبت صحيفة دافار الاسرائيلية في 14/8/1970 تقول : لقد اصبحت المبادرة الامريكية وسيلة خلاص ، لذلك لا يجوز ان نعرقل هذه المبادرة المباركة ، ولنساعد الأمريكيين على اخراجنا من الوضع المعقد الذي نحن فيه بسبب حرب الايام الستة وحرب الاعوام الثلاثة . وليس صحيحا أن المصريين استنزفوا في حرب الاستنزاف ، وانما نحن الذين استنزفنا ولذلك استجبنا للمبادرة الأمريكية .

وهذا ما يؤكده ماتي بليد ، عضو هيئة الاركان الاسرائيلية في حرب 1967 ، الذي نقل عنه زئيف شيف ، المراسل العسكري لصحيفة هارتس قوله : لقد فشل الجيش الاسرائيلي من الناحية العسكرية في حرب الاستنزاف . وهذه أول معركة نهزم فيها في ساحة القتال منذ قيام الدولة . وعلى مدى السنوات الخمسين التالية لحرب 1967 توالى فشل الجيش الاسرائيلي في كل مواجهة مع الجيوش والقوات الشعبية العربية ، التي توالت انتصارتها .

وبالتالي لم تعد اسرائيل كنزا استراتيجيا لرعاتها الامريكان والاوروبيين بقدر ما غدت عبئا تاريخيا عليهم ، مشغول صناع قرارهم السياسي بتوفير امنها وضمان استمرار وجودها . بعد أن اسقطت المقاومة اسطورة الجيش الذي لا يقهر ، وافقدت اسرائيل قوة ردعها ، وفرضت عليها توازن الرعب في شمالها وجنوبها .

وأي قراءة موضوعية لمعطيات الصراع العربي   الصهيوني بعد خمسين عاما من حرب 1967 توضح أن هناك عجزا متبادلا بين اسرائيل وقوى الممانعة العربية والاسلامية. فاسرائيل باتت عاجزة تماما عن قهر ارادة قوى المقاومة العربية والاسلامية ، برغم احتلالها معظم فلسطين ، عدا قطاع غزة ، وما تلقاه من دعم مادي وسياسي من رعاتها الأمريكان والاوروبيين ، ومن الجاليات اليهودية الأمريكية والأوروبية .

وبالمقابل فان قوى المقاومة ، وإن هي افقدت اسرائيل قوة ردعها ، وفرضت عليها أن تعقد اجتماع حكومتها المصغرة الكابينت في مركز تحت الأرض تحسبا من الصواريخ العربية ، كما ذكرت اجهزة الاعلام الاسرائيلية مؤخرا . فقوى المقاومة لما تزل بعيدة عن تحقيق الحل التاريخي لصراع الوجود واللاوجود مع الكيان الصهيوني .

ما يعني أن صراع الوجود واللاوجود ، الذي فرض على شعب فلسطين وأمته العربية ، باقامة اسرائيل لما يزل قائما وممتدا . وإن كانت المتغيرات والمستجدات الدولية والاقليمية تؤشر الى ان ليس لاسرائيل مستقبل . وان المستقبل في الأرض العربية لن يخرج عما عرفت به تاريخيا من توالي اندحار القوى الغازية الاجنبية سواء جاءت من الشرق الاسيوي او الغرب الاوروبي ، ولم يعد خالدا فيها سوى العرب واشجار زيتونهم .