نحن وهم وسمك المتوسط

 

ماجد عبد الهادي

 

 

كانت طائرات العدو تتساقط كالذباب، وكان على سمك البحر المتوسط أن يتجوّع انتظاراً لالتهام الصهاينة الذين سنُلقي بهم إليه، قريباً، وفق وعيد أحمد سعيد، مذيع إذاعة "صوت العرب" القاهرية، في خُطَبٍ شكلت علامةً تاريخيةً فارقةً من علامات حرب الخامس من يونيو/ حزيران عام 1967، وتنصّل منها شخصياً، في زمن لاحق، قائلاً إنه "كان يقرأ بياناتٍ تَرِدُ إليه من القيادة العسكرية"، ولا يَدَ له في ما كانت تحتويه من المزاعم التي سرعان ما اتّضح كذبها، حين سيطر الجيش الإسرائيلي، بعد أيام قليلة، على صحراء سيناء، وهضبة الجولان، وقطاع غزة، والضفة الغربية، بما فيها القدس، محققاً بذلك نصراً ساحقاً على الجيوش المصرية والسورية والأردنية، في آن معاً.

وإذ جرت العادة، غالباً، على استذكار دور الإذاعي الأشهر في تلك الحقبة، كلما حلت ذكرى الهزيمة المدوّية، فإن تزامن موته (فجر أمس الثلاثاء) مع بلوغها السنة الحادية والخمسين، بدا كأنه تعبير جديد، وأخير، عن تنصّله نهائياً منها، بعدما عاش مديداً ليراها تكبر، ويشتدّ عودُها، وتتعاظم آثارها المدمرة، في الحياة السياسية والاجتماعية العربية، إلى حدِ ما عاد معه سمك البحر المتوسط يعرف الجوع، بفضل ما صار يتوفر له من لحوم اللاجئين الفارّين من بطش حكّامهم.

تُرى؛ هل انتبه أحمد سعيد، في سنيه الأخيرة، إلى أن سلالة أنظمة الحكم التي كان يتحدّث باسمها، وهو يتوعد بإلقاء اليهود في البحر، لم تعد تتوانى عن تنفيذ وعيدها فعلاً، ولكن ضد آخرين يُعَدُّون بالألوف من مواطنيها، أو أبناء شعبها، وماذا كان شعورُه أمام تكرار مشهد الطائرات الإسرائيلية التي سبق أن بشّرنا بسقوطها كالذباب، وقد باتت تذرع الأجواء الممتدة بين المحيط الأطلسي والخليج العربي، لتقصف وتقتل، في لبنان وسورية ومصر والعراق وتونس، من دون أن يعترض سبيلَها صاروخٌ واحد؟

هي تساؤلاتٌ، لا تتوخّى، بالطبع، أجوبةً من رجل ميت، وليس المراد منها اتهامه بأية مسؤولية عن الهزيمة، أو تبرئته من أية مسؤوليةٍ عن التضليل، بقدر ما يفرضها مسلسل الانهيارات المفجعة في حال العرب، منذ زمن ما سمّوها نكسة حزيران/ يونيو عام 1967، أو حتى منذ نكبة فلسطين عام 1948، إلى زمن ما يُسمونها اليوم صفقة القرن.

وبتوسيع قوس الرؤية قليلاً، لن يخفى على أحد، هنا، أن ما نحن فيه من هوان، كان قد بدأ بالاحتيال اللغوي، لتسمية الهزائم التي مُنيت بها الأنظمة الرسمية العربية، بأسماء مخفّفة كالنكسة أو النكبة، ثم استؤنف عبر محطاتٍ عدةٍ أولها عجز الشعوب عن محاكمة الزعماء الذين قادوها إلى الهزيمة أمام إسرائيل، وثانيها إحكام هؤلاء قبضاتهم على زمام السلطة في البلدان الجريحة، ليفرضوا الأحكام العرفية، ويُصادروا الحريات الأساسية، بحجة حشد كل الجهود لمواجهة الأخطار الخارجية، فضلاً عن استنزافهم خيرات البلاد وثرواتها، لبناء ما ظلوا يسمونه التوازن العسكري الاستراتيجي مع العدو، قبل أن يستخدموا السلاح المتكدّس في مخازنهم، لإخماد ثورات الربيع العربي.

أما إسرائيل التي ظلوا يؤجلون مواجهتها إلى الزمان والمكان المناسبين، ويشترطون انسحابها إلى حدود الخامس من يونيو/ حزيران 1967، لإقامة السلام معها، فكرست هيمنتها على المنطقة، حتى بات رضاها شرط وصول بعضهم إلى السلطة، أو بقاء آخرين متربعين عليها، وفي سبيل نيله، لم يعد هؤلاء يتردّدون في التقرّب إليها سراً وعلانية، بالمذابح والتنازلات والحماقات؛ خذي القدس، بمقدّساتها يقولون أخيراً، ومن يعترض من بيننا، فالحصار والتجويع عقابه، ولا حاجة بك، لتهزمينا مجدّداً، طالما أننا جاهزون لنهزم أنفسنا، في الخامس من حزيران، أو في سواه من أيام، وثمّة لدينا، ما زال، أكثر من أحمد سعيد، ليهتف بانتصاراتنا المؤزّرة على مواطنينا وأشقائنا وجيراننا، بدلاً من الوقوف مع ناكري الجميل الفلسطينيين الذين باعوا أرضهم، وينتظرون منا تحريرها.