الانتفاضة الأردنية الباسلة وضرورة الحذر من ثعالب الربيع!

صائب خليل

 

 

7 حزيران 2018

سعادتنا واعتزازنا الشديد بالشعب الأردني الذي نفض عن نفسه الخوف والكسل ليخرج متظاهرا اليوم ومطالباً بوعي ليس فقط بإلغاء الزيادات في أسعار المحروقات، بل وأيضاً رفض رهن بلاده لقروض البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وعيا منه بحقيقة هاتين المؤسستين وتاريخهما الدموي في استلاب الشعوب والسيطرة على مقدرات بلادها، واستهداف المؤسسات المالية التي تقف وراءهما المجتمع وهيكله.

ويربط المتظاهرون بين ما يحدث في بلادهم وبين ما تشهده المنطقة من احداث متسارعة وخطيرة لتصفية القضية الفلسطينية والدور المخطط للأردن في تلك الخطط.

ومن ناحية أخرى، ينتشر هاجس قلق مشروع، أن توجه تلك التظاهرات باتجاهات غير التي يأملها المتظاهرون وأن تكون امتداداً لما سمي بتظاهرات "الربيع العربي" والتي تم توجيهها إلى العكس مما ينتظر تماما، فاستغلت لتحطيم كل ليبيا وسوريا بشكل لا تأمل إسرائيل تحقيقه من اية حرب نظامية، وقامت بتغيير نظام الحكم العجوز في مصر إلى نظام أكثر نشاطا وامعانا في استسلامه للإملاءات الأميركية والإسرائيلية، واستخدام وحشية قمع لم يشهدها حتى نظام مبارك نفسه.

إن وعي هذه المعركة واحتمالاتها الخطيرة دفع عدد من المنظمات الأردنية إلى إصدار تحذيراتها ودعواتها للتنظيم والانتباه. فأصدرت قبل بضعة أيام مجموعة من المنظمات هي:

- الجمعية الفلسفية

- المنتدى العربي

- منتدى الفكر الاشتراكي

- المنتدى الناصري

- جمعية مناهضة الصهيونية والعنصرية

- تيار القدس في رابطة الكتاب

- التيار الثقافي التقدمي في رابطة الكتاب

بيانا دعت فيه الى الوعي وضرورة استلام زمام المبادرة لقطع الطريق على المتصيدين، وأشارت إلى ضرورة "قيام مؤتمر وطني عاجل، أو جبهة شعبية واسعة، لا تسمح لأي جهة باحتكار الحراك، أو مصادرته، أو تصغير مطالبه، أو دفعه فوق طاقته".

ومن الواضح أن تلك المنظمات تدرك صعوبة هذا التوازن الدقيق بين "تصغير المطالب" أكثر مما يجب أو "رفعها اكثر مما يجب"، وتكمن الصعوبة الشديدة في السؤال: من يحدد المستوى الأمثل لتلك المطالب؟ وما هي الآلية لذلك؟ وهل هي متغيرة حسب تغير الوضع؟

هذا لا يعني ان تلك المنظمات تضع اهدافاً متواضعة لتلك التظاهرات، مثل الاكتفاء بإلغاء القرارات الاقتصادية الأخيرة. فهي ترى أن الفرصة مناسبة جدا لاغتنام ضعف النظام "لانتزاع مكاسب اجتماعية وسياسية وديموقراطية، أقلها تعطيل ماكينة النهب والفساد والتبعية والتطبيع"، رافضة ان توجه الأمور " لمصلحة أكثر الفئات طفيلية وارتباطًا بالأجندة الصهيونية والأمريكية."

لقد تمكنت التظاهرات من تحقيق إنجازات ليست سهلة ابداً، مثل إجبار الحكومة على التراجع عن القرارات التي تسببت أصلا في اطلاق شرارة الانتفاضة، واسقاط الحكومة، لكن هذا ليس كافيا، بل كانت مطالب الكرامة والتحرر من التبعية الامريكية والإسرائيلية حاضرة دائما، وشعاراتها مدوية بوضوح. وهو ما يذكرنا بانتفاضة الشعب المصري الباسلة، والتي لم ينس فيها رغم كل ما يعاني من إفقار وقهر، أن يضع الكرامة والتحرر في اعلى أولوياته ومطالبه، فألم الكرامة يزيد عن الم الجوع. لم يستطع الشعب المصري تحقيق تلك المطالب ولا اية مطالب في نهاية الامر، للأسف الشديد، وهذا ما يسبب لنا القلق على تظاهرات الأردن أن لا تنتهي الى نفس المصير.

ليس الأمر سهلا، لكن لتراقب القوى الوطنية الاردنية بانتباه كل الظواهر وتقارن برأس بارد. إن وجدت النظام عاجزا بشكل ملفت للنظر ولا تفسير له، فهي علامة مقلقة من علامات "الربيع المصري" حيث ترك المتظاهرون في الساحة وتحت الأضواء.. ان رأيت من يهتف بشكل يجمع بين الاستثارة البعيدة عن التحضر و"شجاعة" ملفتة للنظر ومتهورة لا تتناسب مع قيمة ما يدعو اليه، فهي علامة على شخص يجب مراقبته، ومراجعة تاريخه. وكذلك أي شخص يبدو شديد الفعالية وبشكل غير مفهوم ولم يكن له تاريخ معروف بنشاط ابسط من ذلك كثيرا. وقبل كل شيء يجب الاحتراس من الداعين للاحتماء بالجيش او الشرطة الخ، ما لم يكن هناك مبرر قوي ودليل قاطع على تحول الجيش أو الشرطة الى جانب المتظاهرين وبشكل يمكن تصديقه.

يجب ان لا يخطر ببال المتظاهرين للحظة واحدة أن المندسين لن يكفلوا باستلام قيادة التظاهرة، حتى لو لم تكن تلك خطتهم في البداية، ويجب الاعتماد على الشخصيات الوطنية المعروفة قدر الإمكان، حتى لو كان هناك اختلاف معها، فيجب ان لا يغيب التهديد الأخطر عن البال ابداً. فمن المؤكد أن تحويل دولة مثل الأردن، لها تاريخ طويل من التطبيع والتبعية وذات الحكومات الأشد ارتباطا "بالأجندة الصهيونية والأمريكية" إلى اتجاه معاكس، امر ليس بالسهل أبداً، ويفترض بقيادات التظاهرات ان تتوقع ان تستخدم تلك القوى كل ما لديها من طاقات واحتياطات في هيكل وكيان المؤسسات الأردنية من اجل اسقاط تلك الأهداف وتحويلها لصالحها، كما حدث في معظم البلدان الأخرى.

وتنطلق تلك المنظمات في بيانها من القلق من "عفوية الحراك، وغياب أي ناظم مركزي له"، والتي كانت من العلامات المميزة لـ "ثورات الربيع" التي انتهت بالكوارث. وتدرك هذه المنظمات خطورة "ضعف القوى المدنية والحزبية" التي لم يتح لها ان تنمو في ظل نظام ملكي يقف بالضد من مصالح الشعب، كما انها تدرك تضارب المصالح الكثيرة التي تحاول كل منها ان تدفع الأمور بالاتجاه الذي تراه مناسباً.

إن ما يميز الحركة الأردنية المباركة ويعطيها فرصة النجاح بالدرجة الأولى هو حقيقة أنها قد شاهدت ثورات الربيع العربي وكيف تم اقتيادها باتجاه معاكس، وبالتالي فهي تمتلك الوعي الذي لم يتح لتلك الثورات ان تمتلكه، وتعلم بحجم الخطر وأشكال ظهوره ويمكنها ان تراقب علاماته المبكرة واتخاذ الإجراءات الضرورية للوقاية منه.

ليس لنا سوى أن نصلي من اجل نجاح تلك الهبة المباركة، وأن ندعمها بكل ما نستطيع. قلوبنا معكم أيها الأردنيون البواسل، ونحن معكم، فانتصاركم انتصار لنا في لحظة شديدة الخطر والحسم من تاريخ هذه الأمة، وباعث امل كبير لتمكنها من تجاوز الخطط لإفنائها وإبادة الشعب العربي، ونهضته من جديد نحو حياة كريمة له في كل اقطاره.