كلام وموقف !

 

كاظم محمد تقي

 

كانت قد ظهرت قبل أيام رسالة  سُميت  (بوثيقة تأريخية ) وهي عبارة عن رسالة يدعي مرسليها ، انها مرسلة من  يزجرد ملك ملوك الامبراطورية الفارسية الثالث إلى خليفة المسلمين عمر بن الخطاب ، بعد ان دعاه الخليفة عمر للاسلام ، ويدعي مترجموا  هذه الرسالة  ، انه بالرغم من وجود مصطلحات غير لائقة في الرسالة  لكن واجبنا الترجمة بدون حذف, ولايصح لنا ان نحرف التاريخ, والرسالتان موجودتان في متحف لندن . الرسالة مترجمة عن الفارسية للكردية  ومن ثم  عن الكردية للعربية.

لم أشأ أن انشر هذه الرسالة ، لما تحتويه من كلمات ، وليس مصطلحات كم ذكر المترجمين ، كلمات بذيئة ومحتوى متدني من الاحتقار لاحد شعوب منطقتنا ، الا وهم العرب ، لأثارة نزعات الكره والتشرذم ولخدمة مستجدات الوضع العراقي بعد الانتخابات.

ولا بد  ان اشير الى ان هذه الورقة هي واحدة  من عشرات ( الوثائق ) التي تخرج بين الحين والحين من أرشيف لندن ( التاريخي ) او أرشيف متاحف أخرى تتكرم علينا بأخراجها للعلن وبأوقاتٍ محسوبة  من بين طيات الاوراق الصفراء جهات مجهولة وتحت اسماء ومسميات متعددة ، لتجد طريقها السهل والرائج عبر السوق الاكترونية .

 تظهر هذه  ( الوثائق ) لتكون سندا وداعما تأريخياً ، لما يتعرض له العرب كشعب وبلداننا العربية من هجمة إعلامية وفكرية غايتها الأساسية ضرب شعوب المنطقة ببعضها ، الفارسي ضد العربي والكردي ضد العربي وبالعكس ، وعبر حفر اخاديد العزل النفسي والثقافي ، والاستمرار بتأجيج نزعات  الحقد والكراهية ، وزرع روح العداء ، وتكريس صورة العربي بشكل خاص كأنسان وكشعب ، ليس فقط البدوي الجلف  بل كمخلوقات متدنية العقل ، بهيمية المعشر ، حيوانية النزعة لا تستطيع تقبل المتغيرات الا يجابية وبالتالي فأن ذلك يبرر توصيف العرب واسلامهم بهذا القساوة وبهذا الشكل من الإهانة والتحقير لتكريس صورة عنصرية متدنية حضاريا للعقل والانسان العربي ، وبالتالي فان لاسرئيل الحق في ممارساتها ضد الشعب العربي الفلسطيني ، ولأمريكا الحق في محاربة الإسلام المتطرف ( القاعدة وداعش واخواتها )  ، لانه يهدد الامن الإقليمي  ولتفرض بهذه الحجة وجودها ونفوذها بشكل عسكري وسياسي . لقد اثبتت كل التوجهات العسكرية واللوجستية والسياسية ، وكذلك الوثائق المظبوطة ، والاعترافات المثبتة ، بأن هذه العناوين الارهابية التي  تتسمى بالإسلام  هي صنيعة مخابراتية صهيوامريكية  تؤدي  وظيفة تخدم من خلالها المشروع الصهيوامريكي الممول خليجيا ، وتحت راية  ( الله أكبر ) وبأسمها يذبحون ويقتلون  ويدمرون المدن والاثار والتاريخ الذي يحكي قصة الحضارات العريقة ، كما حدث في الموصل وسوريا ، ومن ثم ليأتي دور( الوثائق التأريخية )  لتدعم وتسند الامتداد التأريخي لأسلامية  هذه العناوين الإرهابية وجذور عروبيتها البدوية الضاربة في التخلف والقتل والتدمير .

 أن إستحضار التاريخ بشكله المعدل او المنمق او المزور وعبر أوراق تسمى ( وثائق) ، كمسند وداعم  لغايات ومقاصد سياسية، يتم بصور وبأشكال مختلفة ، كهذه الرسالة وما سبقها من ( وثائق مكتشفة) تسيئ الى صلاح الدين الايوبي  وقضية تحرير القدس من الصليبين ، ودوره في حرق كتب العلم والمعرفة في مصر واغتصابه للسلطة ، ولا يخفى على الكثيرين انه وقبل اكثر من الف عام وفي زمن الامويين والعباسيين بدأت الالوح الطينية والرقع الجلدية تظهر مزدهرة بالاحاديث النبوية المنقولة عن فلان وفلان وعلان وفيها ما يحرمه الله والقرآن الكريم .

انها حملة التأليب والتأليف والتزوير التي لا تنتهي ، طالما هنالك مصالح امبيريالية واحلام صهيونية بأندثار العروبة بمفهومها الوطني والقومي التقدمي وبتحقيق الحلم الإسرائيلي من النيل إلى الفرات .

أصبح تنقيح وتعديل وتزوير التاريخ بضاعة رائجة في الأسواق الالكترونية تضطلع بها جهات مرتبطة بالغرف السوداء الفكرية والثقافية المرتبطة بدورها بدوائر صنع القرار ذات الصلة باللوبيات الصهيونية وتوجهاتها ، لذلك فأن التدقيق في تناول التاريخ وما ينشر من وثائق او رسائل هي امانة اكاديمية ووطنية لكل الحريصين على مجابهة الأهداف الخبيثة للمتربصين ببلداننا وشعوبنا .

ان تأليب العراقي على الإيراني وبالعكس هي احد اهداف هذا النشر( للرسالة التاريخية ) خاصة لتتوائم مع نتائج الانتخابات الأخيرة ، بفوز التيار المختلف مع طهران ، وبالتالي فلتشتد الحملة ضد ايران بالارتباط بما يجري في المنطقة ، ولمحاولة دفع ايران للانسحاب من الساحة العراقية ، فكانت  المظاهرات البائسة  بشعاراتها ( ايران برة برة بغداد صارت حرة) ، هل بغداد فعلا محتلة من ايران ؟ ومتى أصبحت بغداد حرة ؟ هل لأن سائرون ومن معها فازبمفاعد برلمانية  في عملية سياسية صنيعة لغازي محتل ، لماذا لا يكون الشعار أمريكا وايران برة برة لهؤلاء المتظاهرين وقادتهم ، هل أصبحت أمريكا تدعم استقلالية القرار العراقي ؟ كما تقول النائبة (الشيوعية ) هيفاء ، وهل أصبحت السعودية ذات موقف إيجابي  كما تقول نفس النائبة التي تناست عن جهل او عن عمد ان داعش وبمساعدة السعودية وامريكا قد وصلت اطراف بغداد ، ولولا المساعدة الإيرانية لكان الوضع مختلفا.

ألا تنظرون وتسمعون وتقرأون أيها الوطنيون العراقيين أن أمريكا والغرب عموما يخاطبوننا كشيعة وسنة وكرد وتركمان وعلويين وكلدان وآشوريين ، ألم نسأل انفسنا لماذا ؟؟ لماذا شيخ البيت الابيض الأمريكي بنفسه  يؤكد في اخر تصريح له ( ... سنسعى لتلبية تطلعات جميع المكونات السورية من سُنة واكراد ومسيحيين وتركمان والأقليات الأخرى . .) نعم هو يريد لسوريا كما للعراق دستوراً يضع جغرافية سوريا على مذبح التفكيك والتقسيم ، وكذلك الم نسأل انفسنا لماذا الامريكان والصهاينة حريصين جدا جدا على حقوق الشعب الكردي خاصة ، بحيث يخصص البنتاغون ثلثمائة مليون دولار لمساعدة البيشمركة تحت حجة محاربة داعش ، وهم انفسهم يدعمون سياسيا والسعودية ماليا ( سُنة المنطقة الغربية ) تحت حجج مختلفة ، أيها العراقيين  لا تستغربوا اذا ما بدأت التفجيرات من جديد وربما الا غتيالات ليتهموا ايران بها بحجج مختلفة ، وليمتطوا بذلك خلافات الصدرـ ايران ، وصولا ربما لحرب ( شيعية شيعية) ، وهنا لا يقصر الاعلام التابع للسعودية وادواتها بالتأليب  وتعميق روح الكراهية والحقد للوصول لاهدافهم ، وما يدعم كل ذلك حسب خططهم هواظهار  وثائقهم التاريخية المنقحة  والمزورة خصيصا لمناسباتها  ومحطاتها السياسية .

أن تدقيقاً بسيطاً بهذه الرسالة وغيرها من( الوثائق) وما يرددهُ بعض الشوفينين والمتعصبين والانفصاليين يوضح التالي:

ـ ان الإسلام هودين قتل وذبح ، معادي للشعوب المحبة للسلام.

ـ وضع العرب كقوم في اسفل الترتيب الذهني وذو مستوى متدني من الفهم والوعي والادراك الإنساني.

ـ ان العرب هم أبناء الصحارى ، قساة القلوب ، وهم من يقتل باسم الله والدين وباسم الله اكبر ، وهنا الربط الخبيث بين ما يجري اليوم على يد داعش واخواتها والصاقه بالإسلام  كدين وقيم وعقيدة.

ـ ان العرب دخلاء على هذه المنطقة وهم محتلين لها.

ـ ان كل ما بنتهُ شعوب المنطقة واقامته من عمران وحضارة وثقافة ، كان بفضل العقلية الصهيونية ، وحتى الاكلات فأنها بالاصل صهيونية .

انها جزء من نهج  وحملات متلاحقة  لكيّ الوعي الوطني والشعبي ، ولافساد العقول وتسخيف كل شيء جميل ونبيل في ماضينا وحياتنا ، لكن شعوبنا ليست جاهلة وستنتصر .