المرجعية النجفية والانتخابات

 

المرجعية النجفية والانتخابات "المجرب لايجرب"

عبدالاميرالركابي

 

اوحت المرجعية النجفية، بتبلور موقف لها من "العملية السياسية الطائفية المحاصصاتية"، ووفقا لطريقتها في ممارسة فعلها السياسي، باعتباره مخضعا لاعتبارات غير سياسية، ولامباشرة، ومن نمط مفهومي مغاير للسائد، لم يات ذلك عبر اعلان صريح، او يمكن الجزم بخصوص عائديته، فالمتداول، هو موقف لاحد وكلاء المرجعية من الانتخابات الجارية، تم بثه على الانترنيت، وجاء قاطعا، حتى انه يتعدى على مستوى الشروحات، والتحديدات، تفصيليا، مايوحي به الشعار الذي اورده المتحدث، مكررا ماكان سبق واعلن من قبل، بصيغة "المجرب لايجرب". قال الشيخ: انه لايستثني من بين المشاركين في "العملية السياسية" ايا كان، وبالاخص ماهو معروف ب "الاحزاب الاسلامية"، شيعية كانت، او سنية، بالاضافة للاكراد، وبقية الطوائف، تركمانا، او مسيحيين، او صابئة، أو ايزيديين .. الخ.. فالكل سواسية، والكل وضعوا البلد على "شفا حفرة من نار".

المرجعية كشخصية معنوية، وككيان، ومؤسسة وطنية اساسية، متصلة بتشكل العراق الحديث، وتحمل الاساسي الراسخ، من ملامحة الثابتة المتجددة، في "مجتمع اللادولة" الجنوبي / عراق السواد/، لم تحظ من قبل "الوطنية الايديلوجية"/ 1920 ـ 2003/ ـ اي الطور اللاحق على الطور الديني التجديدي، ضمن تاريخ تشكل العراق الحديث ـ اي اهتمام يتحرى طبيعتها، وشروط قيامها، وممكناتها، والعوامل الفاعلة والموضوعية، التي منحتها شكلها، وبررت اليات عملها، باعتبارها "دولة لادولة مدينية مقدسة"، تحاكي نمطا من المدينة، عرفة العراق عند بدايات دورته الحضارية الاولى، هي " اريدو"، مدينة الالهة، وكمركز قيادي وسط بحر عشائري مشاعي مسلح، لاينتج من داخلة سلطة تمايزية منفصلة، اتخذت هي شكلها، وشكل وميكانزمات عملها، كمركز قيادي لايحتكر السلاح، ويتدامج بحكم المقدس الموروث، مع بنية جيشه المسلح، اي بحره العشائري المحارب، ويحقق روابطة الاوثق به، ب "التقليد"، وبممارسة انتخابية فريدة، مستمدة من طبيعة الانتخاب في العشيرة العراقية المشاعية، له اشتراطاته التي تنبع من خصوصيته المغايرة، لامن اوراق وصناديق الاقتراع، بل من الاختبار، والمعاينة خلال التجربة الحياتية، في ظل "المجتهد الاكبر" القائم، حيث تلعب "الصيته"، او الاعلام في وقته يومها، دورها المرجح، وغالبا مايدخل فيه الشعر، وتكرسه النسوة، فترشح القادم لمنصب "المجتهد الاكبر"، شعبيا ( كما في انتخاب الشيخ في العشيرة العراقية غير الوراثية تكوينا، والانتخابية المجتمعية اللادولوية/ لا نستعمل التشبيه الشائع بالديمقراطية الغربية، لاختلاف المفهومين الكلي) بظل المجتهد الحاضر، وبركائز، منها "الحوزة"، وطريقة التدريس الاستثنائية فيها، المفتوحة، والمحفزة على المبادرة، حيث تكتمل واكتملت تاريخيا، مقومات عمل هذا الصرح الاساسي في الحياة الوطنية.

خلال الطور الحضاري العراقي الراهن، الثالث، المستمر منذ القرن السابع عشر، مع ظهور اولى الاتحادات القبلية في المنتفك. ومع ان الكثيرين ينسبون بجهل، و من دون اي تحر، التشيع العراقي الحديث، للصفوية المناقضة له جوهرا، مثل مناقضة "الخمينية" لمبدا الولاية الصغرى النجفي، المستمد من خاصيات مجتمع "اللادولة العراقي"، التاريخي، في حين هو، وعلى عكس المشاع، ظاهرة وطنية حديثة عراقية، مثلما انه هو الذي انتصر وصار غالبا ( كمظهر كوني اولي حديث عراقي، متكرر تاريخيا، منذ الابراهيمية والقرمطية والاسماعيلية .. الخ) داخل بنية التشيع على مستوى العالم الاسلامي، ف"الاجتهاد"، و"التقليد"، و"الحوزة"، هي مبتكرات وطنية عراقية صرفة، و هي الركائز المعتمدة بين الشيعة في كل مكان لا الصفوية المندثرة، من ايران، وقم، ومشهد، والبحرين، وكل مكان وجد فيه الشيعة، كما ان ظاهرة النجف، هي بالاحرى، الظاهرة التجديدية الاصلاحية الدينية الحديثة، بالطبعة العراقية الخاصة، مما عرفها العالم العربي، في القرون الاخيرة وسميت ظاهرة الاصلاح.

مثل هذا التعرض الاختزالي المركز، والاولي، تتزايد الحاجة الموجبة له اليوم، اولا بما يتفق وضرورات الانتقال من الطور الايديلوجي، والذي ترافق مع الحضور الاستعماري الغربي، وظل سائدا ومهيمنا كوعي مستعار، مخالف لطبيعة وتكوين العراق وبنيته، ودوره التاريخي، بالخصوص ابان انهيار ركائز هذا المفهوم الاساسية، بعد سحق وتدمير الدولة المعروفة بالحديثة، والتي اقامها الاحتلال اضطرارا عام 1921، املا بالحفاظ على الممكن من نفوذ له في عراق كاد يجرعه الهزيمة، ويضطره للانسحااب، كما تردد في وزارة المستعمرات البريطانية وقتها، ابان ثورة "مجتمع اللادولة" عام 1920، ومع تغير آليات عمل الراسمال العالمي المعولم حاليا، وتبدل ركائز هيمنته، واستفحال ازمته، هاهو اليوم يضطر الى سحق وتدمير مابناه سلفه بيدية، فينهي الدولة في العراق، باعتبارها عائقا امام هيمنته، واستمرار نهبه لبلد اساسي في محيطه، لصالح بنى ماقبل الدولة، قوى الاندراج في المشروع العولمي التفتيتي، بما فيها قوى الايديلوجيا، وابرزها الحزب الشيوعي العراقي، الملتحق بمشروع الراسمال العولمي، ومثاله وراس حربته، الغزو الامريكي، ومشروعه السياسي.

لم يسبق ان وضعت ظاهرة النجف الحديثة على اهميتها القصوى، على طاولة التحليل والبحث، بمحاولة لفهم اليات عملها، وركائز حضورها، والاليات الفاعلة فيها، وطريقة اشتغالها. وعوملت في الغالب كانها ظاهرة سماوية، اسهم الايديلوجيون في اخراجها من الواقع الوطني المعاش، ليحولوها الى السماء، مع انها ظاهرة حية، وعيانية ملموسة، تكتسب اهم ميزاتها التطابقية مع واقعها، من نفيها ل " الدولة" بكل اشكالها، واحالتها بتعطيل الولاية العامة الى المستقبل "الغائب"/ عكس مافعل الخميني، الخارج على اسس المذهب الشيعي الانتظاري، المكتفي بالولايه الخاصة، والذي هو موقف مبكر، اتخذ ايام الدولة العباسية، كقرار متطابق مع خاصيات العراق، وبالذات مع طبيعة مجتمع ارض السواد، بينما يعيد الخميني مفهوما، يجد اسسه في النزعة، او الخاصية الامبراطورية السلطوية الفارسية التاريخية/.

لن يعرف تاريخ العراق على حقيقته، وبمايوافق طبيعة هذه البلاد التاريخية البنيوية، من دون ثورة مفهومية، تصفي الحساب مع مفاهيم الايديلوجيا الحديثة، واحزابها، على الاخص في اللحظة الراهنة، حيث الانقلاب الشامل في الوضع، وتداخل الظواهر والمهمام، والموضوعات، مع الحاح الضرورة، ومناداتها، باستعادة الاهداف الموافقه لنسق المستقبل المتوقع، والمتفق مع الخاصيات، والمتوقع على صعيد العالم، خلال ازمته الراهنة الكبرى، مع بوادر الانتقال الى "مابعد غرب". وبما اننا بصدد ملاحظة احدى جوانب، او ظواهر الموقف المتخذ مؤخرا من قبل المرجعية، وسط مجموعة من مواقفها، المرتبكة غير المتسقة احيانا مع المطلوب، او مع الضرورة، فالاحرى ان نؤشر على مسالة اساسية، طرات على الواقع العراقي، وعلى الاشتراطات الموضوعية الوطنية، وهي تشكل عبئا على عموم التعبير الوطني راهنا، وكما على سلامة فعل ودور المرجعية.

تلك هي مسالة ضعف الاليات التي تديم حضور"مجتمع اللادولة"، بحالته الصافية النموذجية، الامر الناجم عن كل فعل، ونتائج حضور الغرب ووطاته في القرن المنصرم، والايديلوجيا، وكل منظومة تمثيله السلطوية، والمفهومية خلال 82 عاما، انتهت بالغزو الامريكي عام 2003، والتي فرضت حالة من فراغ في موقع السلطة القاهرة التاريخي، مع مايتصل بذلك من اختلال بنى "مجتمع اللادولة"، بالاخص بفعل فاعل منظم، كما بفعل اقتراب غياب فعل النهرين، الذين هما الاساس في ظهور واستمرار بنية اللادولة، منذ بدء المجتمعية في سومر في جنوب العراق، فعراق اليوم، هو عراق "مابعد النهرين"، مايعني نشوء وضع مختلف نوعيا، يكاد يكون كليا عن "مجتمع مابين النهرين"، وليس حتميا ان يكون مثل هذا الانقلاب التاريخي الدهري، مقصيا تماما لمفاعيل الارث البنيوي الثابت، بالاخص وانه يترافق مع جملة متغيرات بنيوية وتنظيمية، على مستوى الدولة، وازدواجية الكيان.

ان عمل بعض المؤسسات والتشكيلات الوطنية، العائدة الى الاطوار المنقضية، وعلى راسها "المرجعية النجفية"، لم يكن ملحوظا ومسببا، او مقروءا بحسب، فعل الاشتراطات الواقعية، وتداخلات الظرف، وحدة الانقلاب الناجم عن الغزو، وسحق الدولة القائمة، بظل انعدام المنظور الوطني البديل، الدال على الذاتية الوطنية، مااتاح نمطا من الممارسات والسلوكات، مادون، او ماقبل الوطنية، مشوهة، ومفعمة بالامراض البنيوية، والمتراكمه من تاريخ الممارسة خلال العقود المنصرمة، عدا فعل الاحتلال، وحضور قوى ودول الاقليم المتعاظم كحصيلة بديهة، مع غياب الذاتية الوطنية المعبرة عن العراق، وشخصيته كمفهوم وككيان، ماجعل من حقبة مابعد 2003 الى اليوم، بمثابة حالة انقطاع حضاري صغرى، تاريخية انقلابية، عرفها العراق بحكم طبيعة تكوينه وبنيته الحساسة، وبفعل الصراعية المجتمعية الحادة،بين دولتيه: "اللادولة"، و"الدولة القاهرة".

فقد لازمت تاريخ العراق الطويل / الاطول انسانيا/، ظاهرة "الانقطاعات التاريخية" بين الدورات الكبرى، كخاصية نابعة من طبيعة تكوينه، وموقعه، استمرت الاولى، من سقوط بابل 539 قبل الميلاد، الى الفتح العربي الاسلامي في 636 ، حين تم تحرير الاليات التاريخية من ثقل الاحتلال الفارسي المعطِل، مااطلق الدورة الحضارية الكونية العراقية الثانية، كما عرف في 1258 ، مع سقوط العاصمة الامبراطورية العراقية الثانية، بغداد، على يد هولاكو، حقبة او طورا ثانيا من الانقطاع الحضاري، استمرت مفاعيله الى القرن السابع عشر، يوم عاد التشكل الوطني للظهور، مؤذنا ببدء الدورة الثالثة الحضارية الراهنة، بدلالة نشأة اولى "الاتحادات القبلية" في ذي قار / سومر.

عام 2014 اصدر المرجع الاعلى السيّد على السيستاني، فتواه الكفائية، بينما ثلث البلاد قيد الاحتلال، وبغداد مهددة. كان قد مر قرن كامل، لم تصدر فيه عن النجف فتوى مماثلة، فالفتوى السابقة عام 1914، صدرت عند نزول القوات الامريكية في الفاو جنوب العراق، كبداية حملة احتلال عسكري لبلاد مابين النهرين، وفي الحالتين كانت الدلالات المترتبه عليهما، وعلى الظروف التي استدعت صدورهما، والمتغيرات التي واكبتهما، ونتجت عن التغير الذي اعقبهما، من النوع التاريخي الحاسم، غير ان حال المرجعية في التاريخين، ابان نهايات الوجود العثماني وحضور الغرب اولا، وبعد الاحتلال الامريكي عام 2003 ، لم يكونا متشابهين، ولا من الممكن مقارنتهما ببعضهما، او حتى بالمآلات المترتبة على موقفيهما المتباعدين زمنيا، وعلى مستوى الاشتراطات التاريخية.

وقد يجوز القول بان المتغيرات التي حلت على الاوضاع، واحاطت بالمرجعية ومكانتها، ودورها، ومستوى وطبيعة فعاليتها، كانت واحدة، أوتنتمي لأثر ومفعول السياقات المميزة والمرافقة للقرن العشرين، قرن طغيان الايديلوجيات، والغرب المتحصن خلف "الدولة" المسماة حديثة، بالاخص خارج نطاقها التاريخي الاوربي، وفي العراق منذ 1921 ، ولايمكن نسيان كون "الدولة" في العراق، اقيمت من قبل الانكليز، باعتبارها باكورة، واول شكل من اشكال "الاستعمار الجديد"، صيغة او نوع الاستعمار اللاحق على الاستعمار القديم الكولونيالي، وهو ماقد اضطر الانكليز للتخلي عنه، مسجلين سابقة، هي الاولى في التاريخ الاستعماري، باستبدالهم نظرية "الاستعمار الهندية" التي جاءوا يحملونها معهم، بنظرية "الحكم من وراء ستار"، وهو نفس نوع الاستعمار، الذي عاد وعرفه العالم في الستينات، باسم "الاستعمار الجديد" بغض النظر عن الفذلكات المرافقه للثاني.

وعلى هذا تكون الدولة المقامة في العراق عام 1921، ترتيبا اضطراريا، تطلبته ممكنات استمرار السيطرة، بما هو متاح ـ وقابل بحسب اعتقاد المستعمرين ـ للحياة. ولم يكن معامل القياس، ومحفز اعادة النظر في الوسائل المتبعة استعماريا وقتها، غير واقعة ثورة "مجتمع اللادولة" عام 1920، وهو مالم لم تكن "المرجعية النجفية" خارجه، او بعيدة عنه، باي شكل، ان لم تكن قائدته الفعليه، والمحفزة الاهم، التي اجازته، ومنحته قوة الزخم الاستثنائي الذي تميز به، وهو ماحتم بناء عليه، ومن وجوه اساسية لاحقة، قيام الدولة كنقيض للمرجعية ككيان، ودلالة، ومغزى، ولباعثها، والاساس البنيوي والمجتمعي غير المنظور، المتطابق معها والمتجلي بصورة جيش "دولة لادولة" المقاتل، باعتبارها الشكل، والصيغة التنظيمية المعبرة في لحظتها، عن الوطنية العراقية الحديثة، الصاعدة منذ القرن السابع عشر.

عام 2014 حصل شيء آخر، استثنائي تاريخيا، فالفتوى الصادرة عن السيستاني وقتها، افضت لظاهرة لاوجود لمايشابهها في المنطقة، او في حتى في العالم الحالي، رجل تعدى الخامسة والثمانين، قابع في احدى ازقة النجف، يمكنه ان يصدرنداء، فيلبيه في اللحظة، عشرات الوف الشبيبه والرجال، صاعدين شمالا، بلا اية احتسابات، الامر الذي لم يحدث مطلقا ان لفت نظر "المحلللين"، وال" المتابعين" الافذاذ، ولم يخطر لهؤلاء، ان يقارنوا بين ماحصل وقتها، وبين احتمال، او فرضية من نوع اصدار الاحزاب المنتسبة ل "لعملية السياسية المحاصصاتية الطائفية"، مجتمعة، ومعها كل احزاب العلمانية والشيوعية، والمدنية، مثل هذا النداء، مع انها هي و"عمليتها السياسسية"، من كانت تسببت بالهزيمة، لابل الجريمة النكراء الكبرى، امام فلول " داعش".

صحيح ان الفتوى وماتمخض عنها، استدعى اعلى اشكال التدخلية الاقليمية، وبالاخص الايرانية، في اطار الصراع بين التشيع السلطوي الايراني الخميني، وتشيع "الغيبة/ اللادولة" العراقي، كما اضطر الامريكيين لاتخاذ مواقف، لم تكن تتفق تماما مع رغبتهم في ادامة حضور "داعش"، كنوع من السبب الداعي لاستمرار حضورهم، غير ان مثل هذه المواقف وغيرها من مواقف القوى الاقليمية والدولية، الحاضرة في العراق الحالي، عكست في حينه وماتزال، ملمحا مهما من ملامح صراع الذاتية الوطن كونية العراقية الغائبة، والمطروحة لاعادة الانبعاث، مع تلك القوى، وفي غالبية الحالات، بناء على، وبسبب وجودها، ومع تعدد وجوه التحدي الداخلية منها، ممثلة ب "العملية السياسية الطائفية المحاصصاتيه" وقواها، وبالاحتلال، والحضور الاقليميي، فان حدود ونطاق فعالية المرجعية النجفية وقتها، باعتبارها مؤسسة وطنية موروثة من حقبة تاريخية ماضية، بقيت محدودة، ولم تبلغ الحد الذي يمكن معه التاشير على نقطة في سلوكها، يمكن اعتبارها فاصلة، او الرجوع اليها باعتبارها عتبة انطلاق لوطنية عراقية، تطابق ضرورات مابعد الدولة المركبة من الاستعمار والغرب، والايديلوجيات.

ولاينبغي التغاضي هنا، عن اجمالي اللوحة الايديلوجية، ومرافقتها، لابل حاضنتها الاساسية: " الدولة "، المعتبرة حديثة. وماقد احدثته ومارسته من فعل تضييق، ومحاصرة بهدف اخراج المرجعية من نطاق ودائرة الفعل في الحياة العامة، الامر المتضمن اصلا في طبيعة خطاب واليات عمل، ومبررات وجود "دولة ممركزة" من نمط وطبيعة مفترضة، مناقضة لمبدا، او فكرة الحضور الديني في السياسة، ولا داعي لان نعدد هنا، او ان نعود للمناسبات الاجرائية، التي اتخذتها " الدولة" مستهدفة المراجع النجفية في الثلاثينات وبعدها، او ماترتب على انتشار الافكار المعارضة للدولة بصيغتها الاستعمارية، وبالاخص العلمانية منها، وتغلغلها في المحيط، او البحر الريفي العشائري المشاعي، كبديل قيادي، كانت اللحظة وتفصيلات المجابهة المستجدة، قد اعطته امكانية غير عادية، ولامتوقعه، من الحضور، لم يخل من طابع منافس، ومساعد على محاصرة النجف، وهو ماتجلى خصوصا بعد ثورة 14 تموز 1958، ماقد دفع باحد المراجع ( السيد محسن الحكيم)، لاصدار فتواه الشهيرة القائلة " الشيوعية كفر والحاد"، ولايقف الامر عند ذلك، فالتمثيل المعدود دينيا وقتها، تعرض للاسباب المذكورة، وماتركته من شعور لدى النخب الاسلامية بالمحاصرة، من قبل التيارات العلمانية، والشيوعية على راسها، الى محاولة تجاوز المرجعية التقليدية، من داخلها، او من داخل عالمها، والانتقال لاشكال جديدة من التعبير العملي، عن طريق الاحزاب، وبابتكار اشكال مستجدة من المرجعيات مثل "مرجعية الميدان"، و " المرجعية مبسوطة اليد "، وهما ابتكاران صدريان، ناهيك عن "حزب الدعوة"، او اشكال اخرى من التنظيمات، ظهرت ابان فترة الهجرة، والمعارضة في الخارج، هي التي تمثل اليوم، النواة الاساسية ل "العملية السياسسية الطائفية المحاصصاتية".

وتذكر هذا السياق وتتابعاته، لازم حتى يكون بمقدورنا تصور حال المرجعية اليوم، بعد الاحتلال الامريكي، مقارنة بحالتها قبيل العشرينات، حين كانت في عزها، مع وفاة اهم وارفع نموذج، عرفته في تاريخها، من بين مراجعها "المجتهد الاكبر حسن الشيرازي"، بالاخص اذا ذكر موقفه من الحاكمين "موقفه من "ناصرشاه" عند زيارة هذا للنجف، ورفض المرجع استقباله، الا في الصحن الشريف"، ثم "موقفه من الاحتلال، حين اراد الحاكم العسكري الانكليزي زيارته في مقره في سامراء، مستغلا حادث الاعتداء الذي تعرض له ولده، من قبل بعض الشباب من الطائفة السنية، ورفض استقباله قائلا: /ومادخل الحاكم العسكري بالامر، هذا شان اسلامي، يحله المسلمون فيما بينهم"، عدا موقفه من الوحدة الوطنية الاسلامية، "حين تنازل عن حقه في ابنه المتعرض للاذى، قائلا قولته الشهيرة: هم اولاد واخوه، اليوم يتخاصمون وغدا يتصالحون"، عدا عن اعماله العمرانية في سامراء، وبين عشائر المنطقة الغربية، ومنجزاته في النجف، قبل انتقاله الى سامراء، عندما حلت بها المجاعة، وتصدى هو لمهمة الاشراف على المتاح فيها من مواد غذائية،والسهر على تقنينها، وحسن توزيعها، لحين خروج المدينة من المحنه، ولو ان الشيرازي، صاحب فتوى تحريم التنباك الشهيرة، لم يتوفاه الله، قبيل ثورة العشرين، واصدر هو التوجية للناس داعيا اياهم للثورة في حزيران 1920، بدل خليفته "تقي الشيرازي"، لتوج كارفع ممثل لوطنية "اللادولة" الاولى، الحديثة، في تاريخ العراق، على الاطلاق.

ليست الاشتراطات الحالية، وماينهض بوجه المرجعية، اذا كان لها ان تتحول نحو تجديد دورها، سوى الانتقال الى طور مابعد الحقبة التي قامت خلالها وضمنها، في القرن الثامن عشر، ومابعده، كما الى مابعد حقبة الايديلوجيا والدولة المركبة من خارج النصاب الاجتماعي الكياني، وخاصياته التاريخية، وهو مايصعب القول، بانه ممكن، او قابل للتحقق داخل النجف الحالية، بالاخص وانه يلتقي مع مقتضيات تجديد الثورة الكونية ل"مجتمع اللادولة"، والذي من اهم اشتراطاته، الشروع في "انهاء زمن الغيبة"، كضرورة على طريق تجديد الابراهيمة، والانتقال بها ومعها، الى " مابعد النبوة"، المنقضية كطور ابراهيمي اول، ختم في القرن السابع، مع النبي محمد، واتخذ القرار بانهاء فعاليتة في العراق، مع ابتكار "الغيبة" وتعطيل العمل بالولاية العامة "الحكم الاسلامي/ الخلافة" لصالح مبدأ " الانتظار".

ترى ماعلاقة اقتراح مثل هذا التوجه الانقلابي الكوني، بالموقف المتخذ من جانب المرجعية من "الانتخابات المحاصصاتية "، او مانسمية "انتخابات الطائفو قراطية"؟. لسنا نعرف ماهي معلومات المرجعية، والسيد السيستاني ومكتبه، التي بني على اساسها موقفه من الانتخابات، وضمنه، او ادرجه بمثل هذه الطريقة الملتبسة، والمواربة. ولعل توقعات من نوع فشل الانتخابات، او صعوبة حصولها على النصاب القانوني، قد وردت في ذهن متخذ الموقف، وانه اذ قرر التدخل بمثل هذه الطريقة، غير الصريحة، انما فعل من قبيل المساهمة في تكريس امر محتمل. هذا من دون استبعاد اسباب، او دواعي وحسابات اخرى، قد تكون تدخلت في صياغة الموقف، ومنحته شكله الذي اعلن فيه، وهنا لانملك غير الانتظار، لحين ظهور النتائج، التي لن تكون في الحالتين، وسواء فشل المتحاصصون، او نجحوا تكرارا، محققة لما هو لازم وضروري، وفاصل في الطور الحالي من تاريخ العراق، حيث كل الموضوعات الاساسية، مطروحة للمراجعة، على ضوء ازمة تاريخية كارثية، انقلابية كبرى.

ومانقصده هنا يتعدى جملة المواقف التي تمثل مستوى اداء المرجعية النجفية، من عام 2003 الى اليوم ، عدم اتساقها، ومرواحاتها، ووقوفها في مواقع متناقضة احيانا، ممارستها دور الطرف، ضمن حالة ازدواج في السلطة، يفترض انها غير مبررة شرعا، مع محاولتها الاحتفاظ باساس تقليدي راسخ، يؤمن لها النأي بنفسها عن الانغماس في شؤون ومهام، هي لاتقرها، ولاتجد نفسها معنية بالخوض فيها، مايلقي اليوم على هذه المؤسسة التاريخية، اعباء مستجدة، وتحديات كبرى، من اقلها خطورة، احتمالات مواجهة اجابات كونية تتعدى " الانتظار" الى " تحوّل "اللادولة" الى خيار شامل وآني راهن في آخر الزمان"، والخروج من دائرة " الدين كأيمان بحت بالخالق" الى " الدين كازدواج مجتمعي، حيث "مملكة الله" مفارقة لمملكة الانسان الارضية" وهو مايتجاوز في اللحظة الراهنة، طاقات وقدرات، وجهود المرجعية بذاتها، الى القوة الحية العراقية الوطن/ كونية برمتها.