الحمد لله من قبل ومن بعد ...

إبراهيم البهرزي

 

عاد الشيوعيون الى ساحة العمل السياسي الوطني عقب الاحتلال وهم لا يملكون تصورا عن طبيعة الحياة والمجتمع والتغيرات التي طرأت عليه بعد ربع قرن من قطيعتهم الاضطرارية معه ،شأنهم في ذلك شأن بقية الفعاليات السياسية المعارضة لنظام الحكم السابق والتي احتوتها جميعا تحالفات إقليمية تقودها دوائر الدفاع والخارجية والمخابرات الامريكية لاسقاط نظام الحكم في العراق لدوافع شتى ،منها ماهو معلن وما هوغير معلن ، ومنها ما كان ملفقا ،باعتراف قادة هذا التحالف اللاحقة ، ومنها ما كان على قدر من الصحة كالديكتاتورية واستخدام العنف ( ولكن من هو غير الديكتاتوري في هذا الشرق المسعور ؟).

لم يترك صدام حسين ضمن سياسة تصفية الخصوم التي اتسم بها عهده معارضا ً يصلح ان يكون رمزا شعبيا ، أو مجرد (خميرة) لقائد جماهيري ، ومن الغباء ان نعزو للصدفة وحدها أسباب تصفية معارضين معينين مقابل ( إفلات ) اخرين من رفاقهم ، قد يكون هناك هامش بسيط للصدفة ، لكن الانتقاء في تصفية نمط معين من الخصوم ، بما فيهم الخصوم من رفاقه ، كان نتاج خبرة أمنية واستخبارية لا نجافي القول الى انها كانت من اكبر إنجازات عهده ، ان كان في مقدار وحشيتها أو خبرتها في تقييم خصومها، وهي خبرة تجمع خلاصة مدرستين في الأمن والاستخبارات ، المدرسة الغربية والشرقية معا.

لذلك كان اختيار ( الضحايا ) مدروسا ، فقد تمت تصفية الخصوم الذين يتوافرون على ثلاث ميزات :

الذكاء السياسي

الكاريزما

الصلابة المبدئية

وهكذا تم التعامل مع قيادات الحزب الشيوعي خلال حملات التصفية التي تمت نهاية السبعينات ، فَلَو استفسرت من اَي من قيادات الصف الاول أو الثاني أو الثالث من ( الناجين ) من تلك المجزرة عن طريقة افلاته من مخالب الأجهزة الأمنية لسمعت حكايات غامضة لا تخلو من ثقوب تثير الكثير من التساؤلات والغموض ،بل ان بعضها يوحي ب( إنسانية) الأجهزة الأمنية التي افلتتهم من قدر الموت دون الإشارة الى وحشية مميتة عومل بها رفاق لهم أدنى درجة حزبية في نفس الظروف والأوقات !

أليس من الغباء ان يعزو مثقف مادي ديالكيكي كل تلك المصائر الى الصدفة ، والصدفة وحدها ؟

وكم تتكرر الصدفة في قوانين المادية الديالكتيكية لتغدو ضرورة ؟!!

تذكروا انني استثنيت وب(الصدفة ) نفسها بعضا من الذين أفلتوا ، وبعضهم طورد بعد افلاته في المنافي وبعضهم تمت تصفيته وبعض اخر تم استدراجه للعودة فالموت .

لا يعترف الشيوعيون حتى الان بذكاء الآلة الأمنية لصدام حسين وقدرتها على اختراقهم حتى وهم خارج مرمى التأثير (لازالت هناك فضائح في الخيانة والاندساس يتواطؤ على كتمانها كلا الطرفين ، الطريدة والصياد ، لأسباب تتعلق بالوفاء لعهود قطعت بينهما، وهي عهود رفاق بينهم من العشرة والمنافع المتبادلة والمصير الايديولوجي مالا يوجب فضحها لأي الأسباب )

الشجون طويلة في هذا المضمار ، أقلها ماحدث خلال تجربةُ مُرَّة حمقاء لازال بعض مدمني الرومانسيات الثورية يغني لها دون أية مراجعة اخلاقية ، واعني بها تجربة الانصار ،تلك التجربة التي اودت بحياةآلاف مابين كادر شيوعي اغلبهم من المهنيين والأكاديميين ،و من الجنود والضباط العراقيين ( اغلبهم من المكلفين والاحتياط الذين تلزمهم قوانين الدولة بالانخراط في الخدمة العسكرية إجبارا ً لا خيار بديلا عنه غير الإعدام )

استنادا الى المذكرات والبيانات العسكرية للأنصار وما آلت اليه الأمور في خواتيمها واعداد الضحايا العراقيين من الطرفين يمكن ان نعرف مدى عبثية القرار السائد يومها عند صناع هذا القرار من قادة الحزب .

ولكن لا احد يراجع الوقائع ، فالمراجعات مع هذه الخسائر البشرية لابد ان تجرم الكثيرين ( لاحظوا ان صدام حسين اعدم وفقا لقرار الحكم الصادر بحقه في قضية الدجيل لقيامه بإعدام بضعة وسبعين فلاحا بريئا من أهالي الدجيل)

القانون واحد كالموت كما يقال ويسري بحق الجميع

ولكن السيرة العراقية الطويلة التي تنهي كل فجيعة بالدية عوضت بالمال كل الخصوم وضحاياهم ،فنال مقاتلو الانصار حتى وهم في منافيهم حقوقهم التقاعدية ،كما نال ضحاياهم من الجنود والضباط حقوقهم التقاعدية ومن الميزانية نفسها التي لم تعد غير جهاز سحري يحول النفط الى ديات لدماء الضحايا المقتولين بنزوات الساسة الحمقى من كل الأطراف ،فالنفط نذر الدم في هذا المذبح العراقي المدنس .

أقول عاد الشيوعيون لساحة العمل الوطني العلني بعد الاحتلال ( واعتذر لطول الاستدراك ، وحسبي ان طوله معذور لطول همومه ) وتم تمثيل الأمين العام للحزب في مجلس الحكم العراقي الذي لاخلاف على انه تشكل وفقا لمرجعيات إثنية ومذهبية لم تألفها الدولة العراقية منذ تأسيسها ، وتم تعيين وزير شيوعي في اول حكومة بعد الاحتلال ،مع بضعة وكلاء وزارات ومدراء عامين ولاخلاف ايضا ان هؤلاء جميعا جرى تعيينهم ضمن المعادلة المذهبية التي وسمت كل هياكل الدولة الجديدة بعدما تم هيكلة الدولة القديمة من خلال قرارات الحاكم الامريكي بريمر ، بل تعدى الامر الدولة وهياكلها لتسري المحاصصات الى ما سمي بالهيئات ( المستقلة) وتجاوزها الى النقابات والاتحادات والمنظمات المهنية التي كان للشيوعيين فيها نصيب أسوة ببقية القوى السياسية التي جاء بها الاحتلال .

ولكن من هم مادة الشيوعيين في كل ذلك ؟

من الطبيعي ان يكونوا من قيادة الحزب ( وكلهم على الإطلاق من رفاق المنافي ) والبعض من قواعده ( للوظائف الصغيرة) وأغلبية هذه القواعد هم ممن يمكن تسميتهم من العائدين ، وهي تسمية مقاربة لتسمية (العائدين الى الصف الوطني ) التي أطلقها البعثيون على الشيوعيين المسقطين الذين أجبروهم على الانتماء لحزب البعث بعد. انفراط عقد الجبهة

المفارقة ان اغلب هؤلاء (العائدون ) هم من أولئك ( العائدين)!

لا نستطيع ان نقسو باللوم على قيادة الحزب المغتربة في احتضانها لكل من هب ودب في صفوف الحزب عقب الاحتلال

لأنهم ،أولاً كانوا غرباء عن هذا الواقع الذي عادوا اليه بعد اغتراب طويل ،بل اثبتت الوقائع انهم ليسوا مجرد غرباء ،بل اغبياء بشدة حين وضعوا ( مقبلات) مغرية للعودة الى صفوف الحزب ، هذه المقبلات تدخل واقعا في باب الرشوة والتزوير معا ، وهي منح رتب وهمية ورواتب تقاعدية لأشخاص على اعتبار انهم كانوا من المقاتلين في صفوف الانصار وما كانوا واقعا كذلك ،بل ان بعضهم لا يفرق بين التل والجبل وأمضى ربع القرن الأخير من عمره يهش الذباب في المقاهي .

لا خلاف على حقوق عوائل الشهداء برواتب تقاعدية ولا خلاف على حقوق المفصولين من وظائفهم ، ولكن ان يمنح الفاشلون والكسالى والمتعاونون مع الأجهزة الأمنية رتبا عسكرية يستحقون عنها رواتب تقاعدية. فهذا عدا عن واقعة التزوير فهو مخالفة لقانون التقاعد واعتداء فعلي على ميزانيته التي تستقطع تراكميا من رواتب موظفي العراق في كل الظروف بما فيها ظروف الحصار الاقتصادي المعروفة!

الم يخلق الحزب بهذا طيفا انتهازيا من الحزبيين ؟

الا تفقد قاعدة انتهازية مثل هذه كل حقوق النقد والنقد الذاتي مقابل الإبقاء على منافعها التقاعدية؟

الا تعد مثل هذه القاعدة النفعية ضمانا لابقاء قيادة الحزب مصونة مهما ارتكبت من اخطاء وخطايا ؟

ثمة تيار اخر غير تيار العائدين في الحزب وهو تيار (المناضلين السياحيين) وهؤلاء هم الذين فرضت عليهم ظروف الغربة البقاء بعيدا عن الوطن وكلهم تجنس بجنسيات بلدان اخرى وحصلوا وفقا لذلك على امتيازات مواطني تلك البلدان مما تمنحه لحملة جنسياتها الممتازة ، ولكن بعض أفراد هذا التيار ، وربما البعض الكثير منه ، يعتقد ان لاغترابه هذا نصيب من ميزانية هذه البلاد السائبة ، فعادزائرا سياحيا لأخذ هذا النصيب ومن ثم العودة الى بلده الام ،حيث الجنسية الممتازة اكثر مميزات من الجنسية الوضيعة ، ولاعتب عليهم فالجنسية العراقية هي جنسية وضيعة بكل المقاييس وأول سمات وضاعتها مثلا انها لا تحمي حاملها من لسعة بعوضة ،

لا اعتراض على الإقامة في بلدان اكثر رفاهية ، فحتى أنا لو أتيح لي الحصول على جنسية ممتازة لضربت جنسيتي الوضيعة بالحذاء ، ولكني لن اطلب ثمنا للحنين والذكرى من تلك البلاد الوضيعة .

تيار (المناضل السياحي ) فاعل ومؤثر في الحزب الشيوعي ،فاغلب القادة المؤثرين من هذا التيار واغلب منظريه وكتبته في وسائل إعلامه ومتاعه وماتعه هم من هذا التيار ،بل ان الفعل الإعلامي الأثقل للحزب يأتي من هذا التيار الذي لم يبرح يوما بالاعلان عن حفلاته في المنافي لسبب ولغير سبب ،تلك الحفلات المزدانة بالحيزبونات والمتصابين وهم يستعرضون بدانتهم النشاز في بلدان تحترم شعوبها اللياقة البدنية ( أتكلم من باب الحرص على وضعهم الصحي والجمالي ، فمن الحيف ان تجلب لبدنك أسباب الأمراض في بلدان تمنحك كل الرفاهية حتى وان كانت الرعاية الصحية مجانية )

هذه إذن صورة الحزب في كهولته

قيادة مكتبية لها خبرة في السياحة والسفر

وقاعدة متكونة من (عائدين ) و(مناضلين سياحيين ) وهامش بسيط من كائنات مسكينة من بقايا الشيوعيين اللاهوتيين الذين يعيشون في الذكرى والذكرى وحدها دون اَي احساس بمتغيرات الواقع والحياة والمجرات والكون كله ، وهؤلاء هم تيار (المساكين وأبناء السبيل ) الذين لا حياة لهم خارج ملجأ الحزب

هذا هو كل الحزب الذي رغم كل هذه التنوعات في داخله فانه لم يحصل على اكثر من ٤٠/٠٠٠ بصمة في الانتخابات الاخيرة أفرزت ثلاثة مقاعد ( حصل ضابط موصلي سابق لا حزب له ولوحده على ٧٠/٠٠٠ صوت ، بل ان السيد نوري المالكي. حصل لوحده على اكثر من ضعف أصوات الحزب كلها بالرغم من انه نوري المالكي !)

ليس مناسبة هذا الكلام نكبة جديدة من النكبات التي تعودت قيادات الحزب التطوع لمعايشتها ، فالحزب ضمن قائمة يقودها رمز طائفي مقدس وانا رجل بلا طائفة ،أو لنقل رجل شيوعي قديم لا علاقة لي بالمستحدثات الطائفية التي وسمت العراق الجديد

ولكن هذا هو الحزب الشيوعي ،لوحده ،أو مع قائمة السيد ، أو قائمة الشيخ ، اكثر من هذه المقاعد الثلاثة لن ينال ، بل انه لن ينالها مستقبلا على الإطلاق ، وسيعرف لماذا من قرا مقالي هذا بقلب سليم ، وسيعاند كالعادة من سيقرأه بقلب شتوم

والحمد لله من قبل ومن بعد على كل شتيمة ننالها من رفاق قدامى .