تفكيك المفكك ( تكوين قاعدة لمن لا قاعدة له) -2-

صباح علي الشاهر

 

سيظل البحث عن مفهوم التغيير الذي أريد إحداثه من خلال إحتلال العراق مثار جدل بالنسبة للبعض، رغم أنه لم يعد مقبولاً إعتبار ماحدث يوم التاسع من نيسان عام 2003 تحريرا، خصوصاً بعد أن أعلنت أمريكا أن العراق أصبحت بلداً محتلاً ، وأن من حقها التصرف معه على هذا الإساس، لكن الذين تدربوا في برامج التدريب في أوروبا وغيرها على النظر على ما سيحدث لاحقاً بأنه تحريراً، ظلوا سادرين في غيهم ، لايريدون الإنتقال من خانة "الفضيحة" إلى خانة "االخديعة"، لقد إرتضوا أن يكونوا عن قناعة "مفضوحين" من أن يكونوا "مخدوعين" ، ولله في خلقه شؤون ! 

كان من بين من تعاون مع المحتل أدباء وشعراء ، ومثقفين يساريين وقوميين ، عرف عنهم سابقاً عداءهم للإستعمار والأمبريالية ، لذا كان ظهورهم مؤيدين ومساندين لقوات الاحتلال عامل سيضاعف الحيرة والإضطراب، وسيسهل تمرير الأفكار التي عمل عليها بتخطيط مُحكم، خصوصاً وأن المتغيرات التي حصلت عالمياً ، وإنهيار الشيوعية والمعسكر الإشتراكي ، وتخلي  العديد من الحركات اليسارية عن اليسار ، بزعم التجديد، قد أحدث حيرة لا مثيل لها ، ليس بالنسبة لمحدودي الثقافة والوعي بل بالنسبة لمتعمقين فيهما أيضاً ، فكيف يكون الأمر بالنسبة لأجيال إنقطعت عنها وسائل الإتصال ، وإنحصرت أغلب معارفها في ما يبثه تلفزيون الشباب ، أو ما يُعلن ويُذاع عن الذي إذا قال قال العراق .

لقد حضر هؤلاء محملين بمشاريع ورؤى لم تكن من بنات أفكارهم ، وإنما هي جزء مما أملي عليهم في الدورات إياها، بعضهم كانوا محترفين إعلاميين وإقتصاديين وعاملين في الحقل السياسي ، وبعضهم مجرد هواة لم يقيض لهم العمل في أي وسيلة إعلامية وما كان لهم خبرة في أي عمل سياسي أو إداري سوى تلك المعلومات الأولية التي زودوا بها على عجل ، المفارقة أن كل الذين كانوا يمتلكون خبرات في شتى الحقول ، سرعان ما غادروا البلد بالترافق مع مغادرة بريمر أو بعده بقليل، لقد إكتفوا بالتقاعد المجزي الذي حصلوا عليه بعد خدمة لا تتجاوز العام إلا قليلاً، وبعضهم إبتعد عن السياسة وبلاويها ، لكنه ظل ينقنق بمعارضة فارغة من كل مضمون .

إنتهت مهمة هؤلاء بعد أن أسسوا ما طُلب منهم تأسيسه ، مؤسسات إعلامية ، ومواقع للتواصل الاجتماعي ، ومواقع ألكترونية ، وصحف ، ومنظمات مجتمع مدني، مُنحت إدارة هذه المؤسسات والمنظمات لأسماء جديدة ، مجهولة غالباً إلا ما ندر، وتوزعت خدماتها على كل القوى السياسية التي أصبح عليها العمل الآن في إطار ما سُمي بالعملية السياسية ، توزعوا على القوى السنية والشيعية والكرد ، وكل الأقليات، وبعضهم حتى سمح له بالنقنقه ضد الاحتلال، ولكن ليس الاحتلال الأمريكي الفعلي، وإنما الإحتلالين الأمريكي والإيراني، من دون إغفال الصراخ ضد هيمنة رجال الدين، وأصحاب العمائم واللحى، والتركيز على الدعوة إلى المدنية والليبرالية ، وتسخيف النضال ، والعروبة ، والتحرر الوطني ، والسخرية من مفاهيم السيادة ، والدعوة بلاهوادة للخصخصة ، والتخلص من القطاع العام الذي لاتطور للبلد إلا بتحويله إلى القطاع الخاص، وقد أفلح مستشارو  بريمر الإقتصاديون والسياحيون، في تحويل أبرز الفنادق والمنشآت إلى القطاع الخاص ، بعد بيعها بأثمان بخمسة وبعمولات كبيرة  ( كومشن ) ، أما المؤسسات الاقتصادية التي لم يتم بيعها فقد عُمل على تدميرها ، ومنع إعادة تشغيلها ، وجعلها عالة على الدولة مما يسمح لهم بالقول ( إنظروا هذا هو القطاع العام ) !

أما المستشارون في المجال العسكري فقد كان إنجازهم هائلا ، حيث أفلحوا في إنهاء وجود الجيش برمته ، وأنهوا تماماً التصنيع العسكري، بحيث لم يعد العراق قادراً على إنتاج رصاصة بندقية أو مسدس ، ولا حتى سكين مطبخ ، وتم تدمير كل المواقع العسكرية، ومثلما أراد بيان 91 لم يبق في العراق لا طائرة أو بارجة ، خل عنكم ولا صاروخ، وحولت الأسلحة الثقيلة إلى خردة تناهبها الإقليم والجيران، وعندما أريد تسليح الجيش الجديد الذي تشكل من كل العسكريين القدامى الذين أعلنوا عن إستعدادهم للتعامل مع المحتل ، بعد أخذ تعهدات منهم ، فإن الذين كلفوا بعقد صفقات التسليح عمدوا إلى الإحتيال ، بحيث سرقوا المليارات من دون أن يسلحوا الجيش ولا ببندقية ، وكانت هذه الأفعال تجري في ظل السيطرة المباشرة للمحتل وتحت إشرافه .

شكى لي أحد المتعاونين مع المحتل ، وكان يسكن دولة أوروبية ، بأنه دخل العراق ومعه معدات إذاعة كاملة ، لكن الطائفيين لم يسمحوا له بالعمل . سألته : كيف أدخلت هذه المعدات وعن أي طريق؟ ، قال : ساعدني الأمريكان على إدخالها، وهي من أحدث الأنواع وأكثرها تطوراً ( ملاحظة لابد منها ، أنا أعرف أن هذا الشخص ما يملك شيئاً ، وهو يعيش على الإعانة الاجتماعية ). فيما بعد عرفت أن هذا الشخص أسس إذاعة بالفعل، وكلف أشخاصاً بإدارتها، وعاد أدراجه ، وأمثال هذا كثر ، نفذوا ما أريد منهم ، وتركوا البلد لا بسسب كونهم قد إختلفوا مع المحتل، وإنما لأن الوضع كان خطراً، وعملاء المحتل مستهدفون من قبل الرافضين للإحتلال .

قلة قليلة من الذين كانوا يعيشون في الخارج عادوا وإستقروا في البلد بعد الاحتلال، وهؤلاء القلة لم يكن لهم أي رصيد في المجتمع ، لذا منح المحتل البلد لهم ، كي يستغلوا كل مصادره ، ثم ينفقونها على تشكيل أتباع ومريدين، وهكذا اسسوا أحزابا وتنظيمات، وكتل، شيعية ، وسنية، وكردية، بعد أن وضعوا أيديهم على كل المرافق العامة تقريبا.