كيف نتعرف على المحاصصة؟ وكيف تعرف إن كنت أنت "ناخب محاصصة" أم لا؟ بسيطة..

صائب خليل

 

 

 

كل الكتل تستهجن وتدعي رفض المحاصصة، لكن كيف نعرف حكومة المحاصصة من غيرها؟ كيف نميز حكومة المحاصصة عن "حكومة البناء"، وما هو المقياس؟ فكل منهما حكومة تتكون من اكثر من كتلة واحدة وكل منهما ترفع ذات الشعارات المعتادة بمحاربة الفساد والطائفية والمحاصصة وتعد بالرفاه والتقدم!

بسيطة:

 حكومة البناء، ولأنها تضع لها هدفاً ببناء البلد، فهي تحرص على دراسة احواله بشكل علمي فتبذل وقتاً طويلاً في جمع معلومات عن عدد السكان ونسبة النمو وحجم الميزانية وتوقعات الاقتصاد وتستشير الخبراء وتقيم الندوات والمناقشات، وهذه ليست تضحية لكنها تحتاج اليها لتضع لنفسها برنامجاً له حظ من النجاح لبناء البلد.

حكومة المحاصصة، لأنها لا تهتم حقاً بالبناء، وتعرف أن هدفها تقاسم المنافع، فهي لا تهتم بإجراء أية دراسة علمية لأوضاع البلد ولا "تضيع" أي وقت من أجل هذا، ولا بوضع برنامج لها طبعاً وتكتفي بالعبارات العامة وبالشعارات المثيرة لحماس ناخبيها.

فهل الحكومة القادمة وفق هذا المقياس حكومة البناء أم حكومة المحاصصة؟

حكومة البناء تقدم وعوداً محددة وبرنامجها مليء بالأرقام: سنعتمد على انفسنا في زراعة الخضر بعد كذا سنة. سنخفض الاستيراد من مواد البناء بنسبة 22% خلال الخطة الخمسية القادمة، سنبني 517 مدرسة ابتدائية و 122 مدرسة ثانوية حسب الجدول المرفق وستكلف كذا، سنعيد تأهيل المعامل التالية لأن دراسة الجدوى المرفقة تؤكد قيمتها الاقتصادية..

أما حكومة المحاصصة فتسيطر عليها التعابير الفارغة من المعنى (تكنوقراط، مستقلين) والعبارات العامة (فساد، طائفية) فهي العبارات التي لا تكلف شيئا أولا، وهي أيضاً العبارات الأنسب للهرب من المحاسبة الشعبية ثانياً.

لذلك فـ حكومة البناء تحسب للمستقبل وتخشى ان يحاسبها ناخبها إن هي فشلت في تحقيق وعودها المحددة له، أو دخلت في تحالف لا يساعدها على تنفيذ برنامجها. أما حكومة المحاصصة فلا تخشى ناخبها، فهي لم تقدم اية وعود محددة، وتعلم انه سهل الخداع وانه سيبحث لها بنفسه عن الحجج حين يكتشف كذبها وهلامية وعودها.

فهل تبدو الحكومة القادمة وفق هذا المقياس حكومة البناء أم حكومة المحاصصة؟

 حكومة البناء تشترط شروطا معينة في شركائها يتطلبها برنامجها السياسي والاقتصادي، وهي تعلن عادة تلك الشروط لناخبيها لكسب ثقتهم بإخلاصها لبرنامجها الذي انتخبت على أساسه: أن يكون شريكنا اشتراكي التوجه، او "ان يكون ليبرالياً مؤمناً بحرية السوق".. أو ربما "يؤمن بالاقتصاد الإسلامي ويتعهد بتطبيقه".. الخ

أما حكومة المحاصصة فلا تضع اية شروط، لأن ليس لها اية شروط لشريكها سوى ان يقبل هذا الشريك بـ "حصة" معقولة من الوزارات. لان ليس أي من مكوناتها ملتزم بأي برنامج يقلقها هم تنفيذه، فهي تصرح أنها "منفتحة للجميع" أو تستعمل شروطاً فارغة من المعنى: "ان تكون الكتلة الحليفة خالية من الفساد والطائفية".. "أن تضع مصلحة البلاد فوق كل شيء".. الخ

وبهذا فـ حكومة البناء مستعدة للتخلي عن الحكم ان لم تجد من يشاركها حتى لو كانت هي الكتلة الأكبر. أما حكومة المحاصصة ليس لها هدف بالنسبة للبلد، وهي مستعدة لمشاركة الشيطان للوصول الى الحكم.

فهل الحكومة القادمة وفق هذا المقياس حكومة البناء أم حكومة المحاصصة؟

أخيراً هناك مؤشر بسيط وقوي لمعرفة أي من الحكومات هي الحكومة التي أمامنا: مما تسمى به، أو من "لقبها". فلقب حكومة البناء مشتق من توجهها السياسي وبرنامجها فهذه "حكومة يسارية" أو "حكومة يمينية"، وهناك أيضا "حكومة وسط" تستبعد أي جهة تعتبرها متطرفة في برنامجها. الأحزاب والكتل التي تشكل مثل هذه الحكومة لها توجهات متقاربة منسجمة في القضايا الأساسية مثل الاقتصاد والسياسة الخارجية لأنها ستتناقض وتتضارب إن لم تكن كذلك، ولن تستطيع ان تعمل وتنجح.

أما حكومة المحاصصة فهي "لملوم" و "زرق ورق" تسمى بأسماء مكوناتها فقط. ربما بمشتركاتهم المذهبية او القومية أو اسم عام تطلقه على نفسها مثل "الوطنية" أو "المستقبل" أو "التقدم"، ولا يمكن ان نسمي أي منها "يساريه" او "يمينيه" أو بأي اتجاه كان، وليس لمكوناتها أي اتجاه سياسي مشترك لأنه ببساطة لا يملك أي منها أي اتجاه سياسي او خطة سياسية للبلد! الجميع يصرخ ضد الطائفية والفساد، وبالتالي لا تجد اية مشكلة في وضع أية تشكيلة في صندوق حكومة محاصصة.

حكومة البناء قد تفسد لاحقا.. أما حكومة المحاصصة، فهي حكومة فساد مع سبق الإصرار والنوايا والتخطيط.

لذلك من الضروري أن نعرف ومنذ الآن... هل تبشر الأمور أننا مقبلون على حكومة بناء أم حكومة محاصصة؟ حدد بنفسك!

لكن "المحاصصة" ليست من صفات الحكومات والساسة وحدهم، وهي ليست نتاج لنوايا الساسة وحدهم، فهناك أيضاً شعوب وجماعات وناخبين، ذوي صفات محددة تنتج "حكومات محاصصة" و ناخبين ينتجون "حكومات بناء". فمن أي نوع من الناخبين أنت؟ دعني اساعدك..

"ناخب البناء" قد كون فكرته وعرف ما يريد بدرجة أو بأخرى، وكون لنفسه مقياساً يقيس به الكتل. وعندما يستمع إلى السياسي فأنه يقيس ما يقوله بمسطرة ذلك المقياس ليقرر إن كان سيدعمه ام العكس. "ناخب البناء" ناخب شكاك يطالب بالضمانات والأرقام، يفحص معقوليتها ومصدرها ويراقب جدية السياسي في تنفيذ برنامجه.. "ناخب البناء" لا يخلص لحزبه او كتلته إلا بقدر إخلاصها لموقفه، وهو يترصد اخطاءها ويراجع موقفه منها ويكون على استعداد تام للانقلاب عليها الى كتلة أخرى إن اكتشف انها ليست كما كان يظن. إن إخلاصه الوحيد هو لنفسه ومصالحه البعيدة وأولاده وبالتالي لرفاه وطنه الذي سيعيش معهم فيه وشعبه الذي سيشاركه المصير. أما السلطة القادمة فالويل لها لو أنها حاولت خداعه وتبذير تلك المصالح المقدسة. إنه يشعر بالكرامة كإنسان كامل وبحقوقه كمواطن كامل، ولا يرى في الحكومة التي ينتخبها إلا "خادماً" وضع في مكانه لخدمته، فهو يحاسبه كما يحاسب السيد أجيره. إنه يكره كل الكذابين من الساسة، لكنه يخص بالكراهية الأشد، الكتلة الأقرب اليه إن هي كذبت عليه أو راوغت، فهي التي تخدعه بشكل أكبر وهي التي تهدده اكثر من غيرها، لذلك تجده يسلط عليها من الغضب اضعاف ما يسلطه على الكتلة البعيدة عنه.

أما "ناخب المحاصصة" فهو يقف فارغاً، فاتحاً فمه أمام كتلته المفضلة وقائده المفضل، ليسمع ما يقوله ويجعل منه مقياساً له. إنه مستعد لتغيير مقياسه فور تغيير رئيس تلك الكتلة لخطابه، بل غالباً ما لا يصنع "ناخب المحاصصة" اية مقاييس لأنه ليس بحاجة لها، فهو يترك حتى المقارنات لرأي زعيمه.

إنه لا يكلف نفسه تعب البحث والتمحيص، بل ينتخب ما قرره مسبقاً من خلال ظرفه المحيط او عائلته، أو هو ينتخب وكأنه يسحب ورقة يانصيب، ثم يدعوا الله ان يوفقه.. إنه يتميز أما بـ "الثقة" العمياء أو عدم الاهتمام. وهو ليس لديه أي استعداد للانقلاب على كتلته، لأنه ببساطة لن يعرف إلى اين سيذهب ومن سينتخب بدلها، فهو لم يقرأ شيئا ولم يتابع شيئا. لقد اختار كتلته تماما كما يفعل مع الفريق الذي يشجعه في كرة القدم. مصالحه تهمه بالتأكيد، لكنه مستعد للتضحية بالكثير منها من اجل إبقاء كتلته التي "يحبها" و "يخلص لها"، لذلك فهو ليس مخلصاً لمصالحه ومصالح أولاده وشعبه ووطنه ويضعها في الدرجة الثانية، حتى إن لم يكن يعي ذلك.

إنه مستعد للتغاضي عن كذب كتلته والتغطية عليه والبحث عن التبريرات لها، واسكات من يكشف عورتها أما بمحاججات تشكيك بـ "نية" المنتقد، او بالعنف اللفظي أو حتى العنف الجسدي. إنه يشعر بالدونية ولا تأتي مصالحه ومصالح أولاده إلا بالدرجة الثانية في تفكيره. إنه يرى في الحكومة التي انتخبها "سادة" عليه يتوجب عليه احترامهم وطاعتهم والتوسل بهم لإعطائه بعض حقوقه، لذلك فهو لا يغضب من كتلته بشكل كبير حتى ان خدعته وكذبت عليه، واقصى ما يشعر تجاهها هو نوع من "العتب" و "اللوم" و"خيبة الامل" في أسوأ الأحوال.

 

إذن، وبكل أمانة، هل تجد نفسك عزيزي القارئ أقرب إلى "ناخب البناء" أم "ناخب المحاصصة"؟ هل تابعت ما يجري خلال السنوات الماضية أم كنت تقرأ ما يهمك مباشرة فقط؟ إن كانت لك كتلة تفاوض اليوم، فهل لديك فكرة واضحة عن النقاط التي تتفاوض عليها كتلتك مع الكتل الأخرى؟ هل كنت اميناً في محاسبتك كتلتك قاسياً عليها كما يفعل "ناخب البناء"؟ هل تابعت ما يصوت عليه نوابك في السنوات الماضية؟ هل احتججت على الجلسات السرية التي تمنع المعلومات عنك؟ هل شعرت بالامتنان لكل من يقدم لك معلومة مخفية، حتى لو كانت ضد ما ترجو وحتى لو كان مقدمها ليس من ترجو؟ هل أثار التزوير غضبك الشديد حتى لو كان قد جاء في صالح من ترجو أن يحكموا؟ هل اثار حرق الأصوات غضبك الشديد باعتباره تدميراً للأدلة على الحقيقة، حتى لو كانت الحقيقة في غير جانبك؟ إن لم تكن، فأنت يا صديقي، ربما تهتم بكهرباء رخيصة ورواتب جيدة، لكنك لست مهتماً حقاً بمستقبل بلدك، فمن أين جاء حقك أن تطالب الساسة بـ "وضع العراق فوق كل اعتبار"؟

إن كنت من "ناخبي المحاصصة" فلم الغضب حين تحصل على "حكومة محاصصة"؟ لم الإحساس بالغبن من النتيجة؟ لم الحقد على من هو مثلك على الجانب المقابل؟

إهدأ إذن وتعوذ من الشيطان، ودعني أتمنى لك عيداً سعيداً، وكل عام وأنت تحت الحكومة التي تستحقها، وكل عام وأنت تذكر قول نبيك: "كما تكونوا يولى عليكم"!