إيران وقمة سنغافورة: الصدمة !

 

نجاح محمد علي

 

 

 

كالعادة وفي كل موضوع كبير على شاكلة قمة سنغافورة بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والكوري الشمالي كيم جونغ أون، ينقسم الإيرانيون في نظام الجمهورية الإسلامية إلى فريقين وربما أكثر، لكن الرسميين في الحكومة أظهروا وكأنهم غير مكترثين لنتائج هذه القمة على السجال الجاري حول الاتفاق النّووي، بقدر ما يمكنهم من إرسال تحذيرات إلى كيم جونغ أون من الثقة في الرئيس الأمريكي الذي قالت طهران إنه يمكن أن يلغي اتفاقهما على نزع السلاح النووي خلال ساعات.​ ​وتساءل المتحدث باسم الحكومة الإيرانية محمد باقر نوبخت الثلاثاء بعد ساعات من تحذير مماثل أطلقه المتحدث باسم الخارجية بهرام قاسمي في مؤتمره الصحافي الاسبوعي الاثنين، لا نعلم مع من يتفاوض زعيم كوريا الشمالية؟. مضيفاً من الواضح أنه يمكن أن يلغي الاتفاق قبل أن يعود لبلاده مشيراً بذلك إلى قرار ترامب الشهر الماضي، انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي المبرم دولياً مع إيران في تموز/يوليو عام 2015 ووصفه بأنه معيب للغاية، وقرر أيضاً إعادة فرض العقوبات على إيران.

إذن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم تخف تذمرها من قمة سنغافورة وكانت تتمنى لو لم يجلس الزعيم الكوري الشمالي مع ترامب على طاولة واحدة وأنها تراقب عن كثب ما يحصل بينهما، لأنها تخشى أيضاً أن يتم في مرحلة لاحقة إذا تقدمت المفاوضات، تزويد بيونغ يانغ واشنطن بمعلومات حساسة عن الجزء الحساس لبرنامجها الصاروخي، كجزء من اتفاقية شاملة بينهما، خصوصاً وأن التعاون العسكري بين إيران وكوريا الشمالية قديم، يعود إلى فترة الحرب العراقية الإيرانية، وتوج بعدها بزيارة الرئيس الإيراني (آنذاك) علي خامنئي بيونغ يانغ التي أسفرت عن تعاون أكبر تضمن تزويد طهران بتقنية الصواريخ البالستية، واستمر هذ التعاون حتى الآن.

وعموماً، تظهر التصريحات الإيرانية الرسمية خصوصاً بهرام قاسمي المتحدث باسم الخارجية الإيرانية الذي أرسل إشارات مرنة غير مسبوقة بقوله:​ ​ما لم تتحدث أمريكا بلغة الاحترام أمام المنطق الإيراني القوي وليس بلغة التهديد والعقوبات، فليس هناك أي آفاق لأي حوار معها​ ​​؛​ وكأنه كان يعرض إمكانية الجلوس أيضاً على طاولة المفاوضات المباشرة مع واشنطن​ ​حول جميع الملفات، إذا مضى الاتفاق النووي الإيراني دون تعثر، وحصلت طهران على مكاسبها الاقتصادية منه بما يؤهلها خوض نقاش في الداخل، يعبئ الشارع لصالح الحوار المباشر مع واشنطن دون شروط مسبقة.

أما إيران الأخرى التي يهيمن عليها المتشددون من التيار المحافظ ويُسمون في طهران (دلواپسان) أي المتخوفون القلقون على النّظام مما يعتبرونه فشل الرئيس حسن روحاني في تحقيق شيء لصالح إيران من المفاوضات مع الغرب، وهؤلاء، وإن كانوا شعروا بـالصدمة فإنهم حاولوا استغلال تداعيات قمة سنغافورة على إيران، ليشنوا حرباً بلا هوادة، على روحاني والتيارين الإصلاحي والاصولي المعتدل اللذين تحالفا معه ودعماه خلال المفاوضات النوويّة، ورفع بعضهم مرة أخرى شعار النموذج الكوري الشمالي بحذافيره رغم أنهم شددوا في وسائل إعلامهم لخطب ود الشارع الغاضب من فشل الرئيس، على الحديث عن فوارق جوهرية بين إيران وكوريا الشمالية، في محاولة لتبريز صدمتهم من مجرد قبول كيم جـونغ أون لــقـاء ترامب، وقـــالـــوا إن كليهما لا يمكن التكهن بتصرفاتها

المتخوفون على النظام، أخذ صوتهم يرتفع مجدداً بعد أن همشهم الاتفاق النووي، وكانوا في جبهة واحدة مع الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد الذي أدت طريقة مفاوضاته النووية في الفترة ما بين 2005 وحتّى 2013 إلى تكبيل إيران بسبعة قرارات عقوبات دولية من مجلس الأمن، وعدد آخر من العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة وبريطانيا وعموم دول الاتحاد الأوروبي.

وكرر هؤلاء الدعوة مجدداً إلى الانسحاب من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية مثلما فعلت بيونغ يانغ عام 2003 وإغلاق كافة الأبواب أمام المفتشين الدوليين، وهذا يعني أيضاً الانسحاب من البروتوكول الإضافي الذي يسمح بتفتيش مباغت لمنشآت إيران النووية، وهم بذلك يلمحون إلى أن تتحول إيران دولة نووية بكل معنى الكلمَة، بالضبط كما فعلت كوريا الشمالية التي تفاوض الْيوم من موقع قوي، ‏وكتبوا أن قمة سنغافورة أكدت أن أمريكا ليست إلا نمرا من ورق تتنمر فقط على النعاج الذين ارتضوا لأنفسهم أن يحلبهم ترامب باستمرار كالشاة ما أن يجف ضرعها حتى يسلخها كما قال هو عن السعوديةكن قوياً ولن يكتفي ترامب أن يكون السباق إلى مصافحتك بل وسيربت على كتفك

ويتفق الرئيس روحاني مع الرأي القائل إن المفاوضات مع الولايات المتحدة كان يمكن أن تقطع أشواطاً كبيرة لكن بعيداً عن الأنظار، إذا تم بالفعل بناء جدار الثقة الذي أقامه إلى حد ما، الاتفاق النووي، بما سمح للسفير الأمريكي السابق في مسقط الطلب من سلطنة عمان القيام بوساطة مع إيران لحل الأزمة اليمنية خصوصاً وأنه كان شاهداً على مفاوضات سرية جرت هناك في عهد أحمدي نجاد، مهدت لإبرام الاتفاق النووي، في عهد خلفه حسن روحاني.

وفي هذا الواقع، وجه روحاني أيضاً نصائح للزعيم الكوري الشمالي قبل قمة سنغافورة دون أن يذكره بالاسم، بأن يضع نصب عينه، الاتفاق النووي الإيراني، وتنصل ترامب عنه، وهو ما تكرره طهران باستمرار هذه الأيام لتقول إنه كان بالإمكان تحقيق الكثير في الملفات كلها ومنها بالطبع ما يقال عن الدور الإيراني في المنطقة المقلق للغرب، لو نجح الاتفاق النووي.

ومن هنا فإن معظم الإيرانيين كانوا يستبعدون حصول هذه القمّة، ويرى المتخوفون منهم بشكل خاص، أن على إيران مقاومة الضغوط، ويحثون على التوجه صوب عسكرة البرنامج النووي رغم وجود فتوى من المرشد الأعلى علي خامنئي بتحريم الحصول على سلاح نووي وإنتاجه، بينما يواصل الرسميون مفاوضاتهم مع الأوروبيين وروسيا والصين، للحصول على ضمانات عملية تجعل بقاء إيران في الاتفاق النووي ضرورياً لمنع المتطرفين في إيران من العودة مرة أخرى إلى الواجهة، بما يُعرض للخطر، ليس فقط أمن المنطقة واستقرارها، بل السلام العالمي، وهذا ما أشار له مراراً، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

ويبدو أن إيران التي ركزت كل جهودها في الشرق الأوسط غرب آسيا وحصدت غضباً من الغرب وصل إلى حد اتهامها بأنها تزعزع أمن المنطقة واستقرارها، أخذت تعيد النظر في دورها المتعثر هو الآخر في منطقة آسيا الوسطى والقوقاز وهي محيطها الطبيعي بسبب استحقاقات التأريخ والجغرافيا لمواجهة تداعيات قمة سنغافورة فيما لو اشتدت العقوبات الأمريكية عليها​ ​.​... ​فلدى الكثير من دول آسيا الوسطى والقوقاز الكثير من القواسم المشتركة التي تجمعها بإيران، إن كان هذا يتعلق بالتاريخ المشترك والثقافة واللغة أو الحدود وقرب المسافة، لكن جميعها بلا استثناء لا تجد في ظل نظام الجمهورية الإسلامية الحالي أي وجه من الأوجه الثقافية أو الدينية أو التاريخية التي تجمعها به خصوصاً دولة مثل طاجيكستان التي تجمعها بإيران لغة واحدة وتاريخ مشترك لكنها أخذت تفكر بالاستقلال الثقافي والتاريخي الذي وصل إلى اللغة الفارسية وأخذت تروج إلى وجود لغة طاجيكية مستقلة عن الفارسية، كما فعلت تركيا أتاتورك عندما توقفت عن استخدام الحروف العربية.