حرب الجواسيس بدأت

نارام سرجون

 

ظواهر الانحطاط والتقهقر تظهر في ذروة الانتصار كما تظهر البقع والبثور على جسد المريض قوي البنية قبل ان يتمكن منه المرض .. يتباهى العليل بجسده وهو يرتدي الدروع وهو لايدري ان الجسد ينخره المرض والموت .. وعلى العكس فان الانتصار الذي لايدرك يكون مثل نبته صغيرة بين مفاصل الصخر تكبر فجأة وتفلق الصخر وتنشيء الغابات .. وهذا هو الحال بيننا وبين الاسرائيليين الذين انتشوا بانتصارهم المذهل في الربيع العربي الذي اعطاهم مفاتيح العواصم العربية ومفاتيح قلوب وعقول الاسلاميين الذين اعطوهم مفاتيح الاقصى بلا حساب وتلاها الحكم السعودي بمنحهم مفاتيح الكعبة .. وكل من كان يرى نتنياهو السعيد في ذروة الربيع العربي والذي كان يبدو مثل صخرة جاثمة على صدورنا الى الأبد كان يظن ان الرجل يغرس أوتاد اسرائيل من الفرات الى النيل حيث داعش تمسك له الفرات .. والاخوان المسلمون الأصدقاء العظماء يمسكون له النيل .. فيما هو يفترش الشرق ويتكئ على وسائد الطوائف ووسائد العرب وأرائك الخليج وزعماء الطوائف التي من العراق الى لبنان مرورا بحماس ومصر الاخوانيتين ..

محور المقاومة صمد وسحب وسائد الطوائف من تحت رأس النتن وسحب من تحته الفراش والبساط الاسلامي الاخضر الذي فرشه لاسرائيل في الربيع .. ورغم مكابرة تنتياهو فاننا كنا نرى بين شقوق االبناء التلمودي عشبا ونباتا ينمو لتتشقق مفاصل هذه الكتلة الخرسانية الصناعية التي تسمى اسرائيل .. فمنذ عام 2000 عندما انسحب الاسرائيليون من جنوب لبنان بدا التشقق .. وصار الشق غائرا كالفالق في عام 2006 .. وبدأ من يراقب الجسد الاسرائيلي المغطى بالدعاية العربية يلاحظ انه ليس جسدا سليما صحيحا بل بدات البثور وطفح الامراض تظهر عليه .. المجتمع الاسرائيلي مجتمع مريض ومأزوم ولولا فضيحة التمزق والتهلهل العربي والاسلامي وانشغال 99% من الجهد العربي والاسلامي ضد نفسه لذاب هذا الكيان الصهيوني بفعل ماء الفرات والنيل كما يذوب الملح ..

واذا صحت التقارير والاخبار التي تتحدث عن تمكن ايران من تجنيد جاسوس اسرائيلي على مستوى رفيع فان الامر سيكون غير مسبوق وله دلائل هامة جدا .. فقد اعتدنا ان نسمع عن جواسيس عرب يعلمون لصالح اسرائيل .. ومن جمبع الطبقات والفئات .. بعضهم ملوك عرب وبعضهم رؤساء دول .. وبعضهم اسلاميون .. وبعضهم عمال وموظفون .. واعتدنا ان تصنع اسرائيل نماذج لجواسيس لاتشبه اي جواسيس في تاريخ التجسس منذ عهد ايليا كوهين الى عهد عزمي بشارة كبير الجواسيس .. ولكن اليوم تؤكد التجربة الايرانية مقولة السيد حسن نصرالله بأن اسرائيل اوهن من خيط العنكبوت ..

القضية بالنسبة لاسرائيل ليست عادية على الاطلاق .. رغم ان التجسس يمكن ان يكون أمرا متوقعا في حالات الحروب والصراعات .. ولكن اسرائيل التي تحاربنا نفسيا وتصر على ان تسقينا الشعور بالهزيمة والعجز يهمها جدا ان نتشرب فكرة اننا نواجه شعبا خارقا يخترقنا دون يخترق .. لان هذا التسليم بتفوق العنصر اليهودي الذكي العقل والمتفوق والمخلص لقضيته هي اساس كسب المعركة النفسية .. حيث يحس المواطن العربي انه أقل من الاسرائيلي في كل شيء .. فالاسرائيلي متعلم ومجهز بالتكنولوجيا .. ومتعلم وعبقري وهو متحضر وغربي وأذكى من ان يتم تجنيده من قبل المخابرات العربية الغبية التي لاهمّ لها الا التجسس على المواطن العربي لقمعه .. وتحويل الحيطان الى آذان تتنصت عليه في فراشه وفي احلامه وفي همساته لحبيبته أو لنفسه ..

اما ان يتحطم هذا المواطن الاسرائيلي الذي صنع منه الجيش الذي لايقهر مفخرة جيوش العالم لأنه مواطن لايقهر ومفخرة مواطني العالم .. فهذه كارثة ومصيبة وسقوط للايقونة التي رسمتها اسرائيل لمواطنيها طوال عقود .. فالمجتمع الاسرائيلي لايختلف عن اي مجتمع .. فيه شقوق ونقاط ضعف وضعفاء وخونة .. ولكن العرب - باستثناء سورية ومصر وحزب الله الذين لم يطلقوا طلقة واحدة على اسرائيل بحجة الخوف منها لم يصوبوا نيران اعلامهم وكتابهم وأقلامهم ضد الشخصية الاسرائيلية .. بل هواعلام يمجدها ويشتغل على تفكيك الشخصية العربية مقابل تمكين الشخصية الاسرائيلية وترسيخها .. والاعلام العربي منشغل بالشخصية الشيعية والسنية .. وكيف يصمم شخصية شيعية نمطية مكروهة وشخصية سنية نمطية مكروهة .. ونسي هذا الاعلام عمدا ان يسدد على الشخصية اليهودية المتطرفة وازمات المجتمع الصهيوني المتطرف وقلقه وهواجسه .. وصار العربي السني يعرف كل شيء عن الشيعي وعن الايراني وخاصة ما لا يحب فيه .. وصار مثقفا لايشق له غبار في الاقليات العربية والمسيحية المشرقية وخاصة مالايحب فيها .. وصار الشيعي يعرف كل شيء عن العربي السني ومثقفا بكل زاوية من حياته وفكره وخاصة مالايحب فيه .. ويستطيع كلاهما ان ينحت وجه الاخر بدقة وهو مغمض العينين .. ولكن كلاهما لايعرفان عن الشخصية اليهودية الصهيونية الا اليسير اليسير الذي يعرفه سائح عن قارة كاملة في ايام قليلة .. ولايعرف عرب اليوم عن اسرائيل شيئا جديدا فكل مايتداوله العرب من قناعات وافكار وكلام وشعارات هو من مخلفات فترة حروب الخمسينات والستينات .. وهي معلومات قديمة مكررة لاكتها الألسن حتى صارت مملة لأنها لم يضف اليها اي جديد منذ عقود .. بل ان الاعلام العربي حريص على أن يأخذ الانسان العربي في رحلات سياحية مشوقة الى الشخصية اليهودية الجديدة كون اليهود ابناء عم وأهل ذمة .. وهم شركاؤنا في الحرب على المجوس والصفويين ..

هذا الانسان الصهيوني بدأ يتآكل وبدأت هذه الايقونة التي بنتها اسرائيل طوال عقود تتكسر .. فقد عمدت اسرائيل الى المبالغة في العقاب ضد اي عمل يؤذي اي مواطن صهيوني او مستوطن لاعطائه قيمة عليا كأيقونة للتفوق على العنصر العربي الغبي والخائن والرخيص .. فهي قد تشن حربا على اي بلد عربي اذا جرح لها مواطن لها او مس في أمنه وتقتل مئات بدلا منه .. فهي تقتل الفلسطينيين لانهم يتجرؤون بسكاكين المطبخ على هذا المواطن .. وهي دمرت منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان بسبب اطلاق النار على سفير لها في لندن .. ودمرت لبنان عام 2006 بحجة ان اثنين من مواطنيها العسكريين تم خطفهما .. رغم ان احصائية اميركية قالت ان عدد من ماتوا بالتحسس من الفستق في اسرائيل اكثر ممن قتلتهم صواريخ القسام حتى الآن .. لكن اسرائيل لاتتخلى عن رسالتها الصارمة بأن انسانها (نوع) مقابل (كمّ) بلا قيمة في غزة وكل الشرق وتدوسهم كما تداس الرمال .. ويجب ان تدافع عن قيمة النوع المتفوق وان تصونه حتى من صوت صواريخ بدائية ..

وكل فترة كنا نسمع عن سقوط شبكة تجسس لصالح اسرائيل أبطالها مواطنون عرب وموظفون حكوميون وبعضهم في مناصب حساسة .. اما اليوم فان المواطن الاسرائيلي الاسطورة تبين انه مخلوق عادي ويتجسس ويمكن شراؤه وتجنيده حتى لو كان وزيرا .. فقد اثبتت ايران انها تعمل يجد على تفكيك هذه الصخرة التوراتية .. التي تستند على رمال العرب وشنبات زعماء الطوائف والعائلات السياسية .. فيما الحقيقة هي ان المخابرات العربية هي التي تعمل موظفة عند المخابرات الاسرائيلية الموساد .. وتخدمها وتقدم لها تقارير التجسس .. وتسهل عمليت اغتيال خصوم اسرائيل .. مثل الشهيد عماد مغنية .. ومحمود المبحوح .. ومحمد سليمان .. وعشرات غيرهم كان للمخابرات العربية الدور الاساسي في تقديم المعلومات والرصد والملاحقة وتجنيد العملاء للمخابرات الاسرائيلية ..

وقد نكتشف يوما ان لايران ولسورية شبكات تجسس عنقودية وضخمة في المجتمع الاسرائيلي لم يدرك انتشارها بعد تم بناؤها بصبر وهدوء خلال سنوات طويلة .. وهذا غالبا شيء مؤكد لأنني سمعت شخصيا من مصادر مقربة من المقاومة اللبنانية ان اسهل شيء تقوم به المقاومة هو تجنيد العملاء الاسرائيليين وشراؤهم .. فالمقاومة واستخبارات الحلفاء يدرسون كل مايصل اليهم من معلومات من داخل فلسطين المحتلة .. ويعرفون نقاط الضعف الراسخة في مجتمع من المهاجرين اليهود المليء بالتناقضات والمرتبط بروابط خارجية ويهاجر معظم السكان سنويا لزيارة مواطنهم الاصلية واقاربهم .. ولذلك فان السيد حسن نصرالله يدرك تماما انه يعني مايقول عن تحرير الجليل .. ونستطيع ان ندرك سر تفاؤله ويقينه .. وهو يعرف ان العشب الذي زرعه الصمود السوري والتحالف مع ايران وحزب الله صار يكبر ويفلق مفاصل الصخر التلمودي من الداخل .. بل أكثر من ذلك .. انني على يقين ان بعض الحنكة والذكاء والمعرفة كافية جدا لاطلاق حرب أهلية عبرية وربيع عبري فيما لو تم الاشتغال عليه بهدوء وتؤدة .. فهناك متطرفون دواعش اسرائيليون وهناك علمانيون وهناك اشكيناز وسفارديم .. وعشائر وقبائل .. ووو .. وهناك الاسطورة التي تعيش في عقل الاسرائيلي .. وهناك القلق الوجودي .. وهناك الانسان الذي كتب عنه ابن خلدون والذي يصل الى مرحلة التعب والاسترخاء .. وقد وصل هذا الانسان الى مجتمع بني صهيون .. فلا يغرنكم انجاز نتنياهو مع عرب الخليج .. وبعض العرب .. لأننا نرى بأم عيوننا العشب الذي ينبت في مفاصله .. ونحن من أرهقناه .. لأننا لم نتعب .. ولم نستسلم .. وكان شعارنا دوما هو: ان الضربات المتواصلة بأصغر فأس كفيلة بتحطيم اكبر اشجار الوجود ..

مرحى ايران .. والعار على العرب .. الشيعة منهم والسنة .. الذين لايرون الا عيوب بعضهم .. ولايتجسسون الا على بعضهم ولاينحتون تماثيل الكراهية الا لبعضهم .. ويتركون عدوهم .. يفترش الأرض من الفرات الى النيل .. دون ان يلحظوه متمددا بطوله على وسائدهم .. يتمطط .. ويتزوج .. ويتكائر .. في فراشهم ..