زكريا محي الدين "رئيساً"

 

د. كمال خلف الطويل

 

 

زكريا هو الأبرز في عائلة مسيسة ، ضمت إليه: خالد وفؤاد وعبدالعزيز وصفوت وعمرو ومحمود ومحمد

كان الثالث في أقدمية القيادة بعد عبداللطيف البغدادي وعبدالحكيم عامر ، ثم الثاني بعد خروج البغدادي في مارس 64 ، ثم الأول ​ ​مابين 11 يونية 67 و20 مارس ​68​

لكنه صار رئيس الجمهورية ما بين ليل 8 يونية ونهار 10 يونية ، دون علم منه ل20 ساعة​:​  من قبل منتصف ليلة 8/9 يونية وحتى ​​السابعة من مساء 9 يونية

حنق أيما حنق لعدم إطلاعه على أمر يخصه ، سيما وقد عنى انفجاراً عفوياً لنوبة كراهية عارمة ضده ، ليست بداعٍ سابق بل لأنه سيحل محل عبدالناصر​من (لفتني اتصال أكرم الحوراني مرتين ، وصلاح البيطار مرة ، بمنزله للاستفسار منه عما يدور: كان الاثنان - سيما الأول - على قطيعة مع عبدالناصر ، وثالثهم عفلق​)

​​أسرَ الرجل الكتوم في نفسه بقايا ذلك الحنق لما تسبب به الأمر من تشويه لصورته في الذهن الجمعي ، ورغم إدراكه ان الانفجار ضده كان محض عفوي (وهو رجل الأمن العارف)​ .... ​في العموم , ​فإن​ ​خروجه من الحكم لم يكن ​ذو​ صلة بالحكاية بل بسبب​​  سياسات وقراءات ومناهج لم يعد ممكناً تجسيره بين زكريا وجمال ؛؛ في خلاصة: ​لقد ​فقد الأمل في تغيير إيجابي​​​ تباين  محنتها​​ يخرج البلاد من موازين القوى

هنا محاولة قراءة افتراضية لما كان لزكريا أن يفعله ​، ​قياساً على أحوال تلك الفترة البائسة ، ومقايسةً على ما بدر منه من مواقف بعدها ، على ندرتها:

​مع الولايات المتحدة ...  ​​الأساس ​في اختياره ، والبارز في تجربته ، هو ​تمرسه ​ومراسه ​الطويل ​في ​التعامل ​العامل ​ ​​​​ ​

كان ​هذا ​واحداً من ​أهم ​أسباب تشكيله الوزارة في اكتوبر 65 (جدد اتفاق القمح لفترتي 6 شهور) ..​ بل ​هو ​السبب الأهم في استخلافه ؛؛ ​لقد ​تعامل زكريا مع الملف الأمريكي ​منذ اكتوبر 52 (زيارة كيرميت روزفلت الأولى للقاهرة بعد يولية) ، وزار نيوورك مع عبدالناصر في ايلول ​​60​ ؛ ​لكن القول انه كان عدائياً نحو السوفييت فيه تزيد كبير (القول المنسوب لعبدالناصر غير دقيق) .. هو مدرك تماماً لأهمية العلاقات المصرية​-السوفييتية في كل المناحي بافتراض توليه ومزاولته الرئاسة يمكن توقع خطواته التالية:

 تصفية مجموعة عبدالحكيم عامر في الجيش والمخابرات و​سواهما ​(مثلاً ، ​صلاح ​نصر و​عباس ​رضوان و​شمس ​بدران و​حسن ​عليش ، بل وكمال رفعت وثروت عكاشة و​فؤاد المهداوي و​جمال حماد + العسكريين).. تصفية معاوني عبدالناصر المباشرين: مثلاً ، ​عبدالمحسن ​أبوالنور ومحمود ​رياض وشعراوي​ جمعة​ و​امين ​هويدي و​محمد ​فائق وسامي​ شرف​ .. تصفية علي صبري وجوّه (مثلاً ، كمال الحناوي وعبدالمجيد فريد ومحمد ابونصير ​ولبيب شقير وحكمت ابوزيد ​وسعد زايد) .. الاستعانة بجماعته هو​ ، أمثال​: محمود فوزي وعبدالفتاح حسن وعبدالمنعم القيسوني ومصطفى خليل وعزيز ياسين وعبدالخالق الشناوي وامين شاكر وسليمان حزين وحسين سعيد وأحمد خليفة ويوسف حافظ .. (الأرجح ان يمتد انتفاعه من ​شخصيات مثل: صدقي سليمان ومحمود يونس​ وحسن عباس زكي ، بل وعصام حسونة ونورالدين قرة وحمدي عبيد وعبدالوهاب البشري وشفيق الخشن وتوفيق البكري ، وأن يعيد لحلقة الحكم شخصيات مثل: نورالدين طراف وأحمد عبده الشرباصي وكمال ستينو ​)​ ​... ويصعب تخمين ما سيفعله مع شخصيات مثل: حسين ​ذوالفقار وعبدالقادر حاتم وحلمي السعيد ​وصلاح هدايت وأحمد طعيمة وعبدالمجيد شديد ​وعبدالفتاح ابوالفضل ووجيه اباظة ​​وحمدي​ عاشور ​ونزيه ضيف ​ومحمد البلتاجي واحمد كامل​​ .. في البال أيضاً ​احتمال​ استعانته بحافظ اسماعيل و​علي ​​​​​​​​الجريتلي​

​كانت خطواته الأولى ستشمل:

تعيين أعضاء مجلس الثورة - الذين استمروا في الحكم بعد يونية 56 - نواباً لرئيس الجمهورية ، وهم: عبداللطيف البغدادي وحسين الشافعي وكمال الدين حسين وأنور السادات وحسن ابراهيم .. إعادة العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة ومع بريطانيا .. الترحيب بعودة الرعايا الأمريكيين للمنطقة .. الاستغناء عن فكرة حظر البترول العربي على الولايات المتحدة وبريطانيا لقاء دفع دول البترول معونةً تعيض عن خسائر الحرب وتواليها (ذات ما حصل في الخرطوم) .. الاتفاق على سحب القوات المصرية من اليمن خلال 3 شهور .. وقف الحملات الاعلامية على الدول الغربية وحليفاتها العربية والاقليمية (بما يشمل إقالة أحمد سعيد) .. ارسال محمود فوزي وعبدالفتاح حسن لواشنجتن لبحث التوصل إلى حل سلمي للصراع .. رفع الحراسة عن الممتلكات السعودية .. ​رفع الحراسة عن الجامعة الأمريكية .. تصفية حراسات 66-67 .. الإفراج عن المسجونين والمعتقلين السياسيين .. إنشاء مناطق حرة في الاسكندرية ودمياط .. السماح بتأسيس شركات خاصة في القطاعات الانتاجية والخدمية مع الاحتفاظ بقطاعي المال والتجارة الخارجية للقطاع العام .. تفعيل دور مجلس الشعب التشريعي والرقابي ، لحين انتهاء مدته بعد عام .. حل تنظيمات الاتحاد الاشتراكي المعينة , لحين التوصل الى صيغة عمل سياسي جديدة ، مع بقاء قانونه سارياً (هو مالك الصحافة)

ولكن ؛؛ هذا كله وغيره لم يكن ليروي ظمأ واشنجتن .. هي تريد جملة أمور - معاً وللتو -: إلغاء مفاعيل التجربة الاشتراكية برمتها .. قطع العلاقة مع السوفييت .. وصلح منفرد مع اسرائيل يفتح الطريق أمام الباقين لتكراره

ومهما ناور زكريا تملصاً واحتيالاً ومداراة فلا فكاك أمامه إلا ان يمضي في ما يطلب منه ، وإلا عومل كما عومل عبدالناصر +-

توقيعه على بيان الأربعة في سبتمبر 78 ، اعتراضاً على كامب ديفيد ، يقطع في انه ما كان مشى خطى أنور البتة: الرهان على ان تتبناه واشنجتن شاهاً مصرياً

في المقابل ، كان قليل الثقة في قدرة مصر على "النجاة" من الكارثة ، وبالذات لجهة القدرة العسكرية .. ومن هنا انزواؤه منذ 20 مارس 68

سألت السراج مرةً عنه ، وأنا أعلم أنهما صديقان قريبان - على عكس صلة السراج الواهنة بأنور (بحكم إمّعته السابقة لعامر) وحتى البغدادي - فقال: صمته كصمتي ، وهل أمام رانكوفيتش - السوري والمصري - إلا أن يذهبا الى القبر بأسرارهما ؟؟