وقت الجنوب

د. كمال خلف الطويل

 

 

كلما أطالع نماذج من الإعلام المعارض - الرعاة والمرعيين ، والتواصلي منه أم التقليدي - أعجب لميكانيكية تحليلاتهم: فلان لا يفعل شيئاً سوى بأمر علان .. وفليتان يفعل ويسوي بإشارة من خريطان .. والكبار متفاهمين .. والصغار بيزكزكوا ، وهلم جرا من اّيات الفهم العجيب والذكاء المريب

أمامنا صراع من سويات ثلاثة (محلية واقليمية ودولية) ، وبمسارات مختلطة ومستقلة في اّن , وبوتائر تنوس بين الشدة والخفوت .. لكنه صراع مقادير كبير لابد وأن يصل إلى فائز وخاسر (مصطلحي منتصر ومهزوم خارج التداول ، لخرافية الكلفة)

محددات الصراع: توافقٌ روسي-ايراني-بل وتركي (بصرف النظر عن وقتية منبج) على إيصال الولايات المتحدة للاقتناع بعدم جدوى بقاء قواتها في سوريا ، والحال ان نقطة تلاقٍ بين هذا التوافق وبين مراد الرئيس الأمريكي قائمة , لكن نقطة التفارق هي في انه - بالمقابل - يريد مزاوجة انسحابه بانسحاب ايران وحلفائها ... في حساب موسكو انها لا تستطيع الحديث عن مزاوجةٍ كتلك قبل ان تتأكد من انسحاب امريكي , وهو ما يستدعي بقاء القوات "الحليفة" بغية تغيير موازين القوة بالقوة عبرها ، وفي الحساب ان خسارات أمريكية في الميدان ستعزز من قدرة الرئيس على لجم جنرالاته وفرض انسحاب مبكر

سعت موسكو لإقناع اسرائيل بقبول وصول الجيش السوري سلماً الى خط أندوف ، لكنه و البنتاغون رفضا بل وعززا من تسليح كونترا الجنوب عبر حدود الاردن .. زيارة ناتانياهو لعمان ثم عبدالله لواشنجتن تصبا في سياق ما العمل مع الهجوم السوري - والحليف - الشامل والمرتقب على الجنوب .. لافت تعرض قوات التنف الأمريكية لهجوم سوري اليوم: هذا ما كان روبرت فورد متأكداً من قدومه ، وتصاعده

 

ما يبدو لي شبه أكيد أنه، وبرغم عسرة المعارك القادمة واشتداد أوارها ، إلا ان ما أمامها كفيل بإخماد وقودها وسوقها الى تفكك واستسلام .. وليس من عجب أن استئصال حالة "اسرائيليي سوريا" صار أمراً مقضياً ، لتطوى معه صفحة بشعة من التاريخ السوري المعاصر

بالنسبة لأخينا بوتين ، فمحدد بوصلته الأساس هو ألا تكون واشنجتن في وجهه وعلى حسابه .. وهو يتلمظ على يوم ينفرد به ترامب بدفة الحكم حتى لا يواجه ثانيةً محناً ك: صربيا- 1999-2000 , برتقاليات- 2004 ، جورجيا- 2008 , ليبيا-2011 , اوكرانيا- 2014 .. وسوريا: 2011-... ؛؛ فإذا وقفت اسرائيل في طريقه ، مرضاةً لسيدها الأكبر , فهي خصمه في ذاك الموقف , أما إذا تعقلت ونأت فلا عداء ولا خصومة .. يجب ان نعتاد على تعقيد طبائع العلاقات الدولية , أظن

أما سفيره في بيروت , وهو صاحب شخصية ملونة , فلقد قابلته مرات ثلاثة: اثنتان منهما في سياق لقائين تلفزيونين مشتركين , وفي إحداها سمعته يتحدث بحماسة عن أحد الشؤون العربية فداعبته قائلاً: لا بد أنك من خلفية قومية عربية فضحك حتى الثمالة .. أقصد أنه - وقد يكون مطلوباً منه !- يخرج لساناً غير تقليدي , ويجب ان ينظر اليه كذلك دون إفراط في الاستنتاج