تطبيع وصهينة برعاية رسمية ورهان خاسر!

محمد عبد الحكم دياب

 

أوْرَق التطبيع الأسود وأفرزت الصهينة سمومها من بعد اكتوبر 1973، وبدأت بانفتاح 1974، وهرولة المتربصين بعد خروج احتجاجات 18 و19 يناير 1977، وهي سنة بدأت بـانتفاضة خبز وانتهت بخطاب السادات البائس في الكنيست، وزيارة شؤم للقدس المحتلة، وباقي التفاصيل معروفة للمخضرمين والمتابعين. ولم يتوقع أحد وصول التدليس إلى ما وصل إليه حاليا، ولا أن تحكم مصر بمن يعلن الحرب على مواطنيها بقوله لازم تتعذبوا وهو يمهد لاشعال حريق الأسعار، وبمثابة إعلان حرب.. وعودنا أهلنا على قول الملافظ سعد أي أن اللفظ إما أن يُسعد من يسمعه أو يُحزنه.

ولو لم يكن التطبيع والصهينة ينعمان برعاية رئاسية لكانت مصر في حال أفضل، وما كان لذلك الوباء أن يصبح مصدرا لثراء ونفوذ وارتقاء المعاقين سياسيا وأخلاقيا للمناصب؛ بما تُوفر لهم من جيوش جرارة للبلطجة، التي تحرس وتخدم، وتتولى إدارة الأعمال المشبوهة لأباطرة السياسة والمال، واستحواذهم على إمكانيات وفرص عقارية ومالية وتجارية غير مشروعة ومُحرَّمة، وسيطرتهم على مجمل الاقتصاد العشوائي، الذي تجاوز في حجمه ضِعف الاقتصاد الرسمي.. وتابعت أجهزة الصحافة والإعلام آخر مشاهد البلطجة الدامية في موقعة النادي السويسري بحي إمبابة في الجيزة، حيث تم اقتحام حفل إفطار رمضاني لـالحركة المدنية الديمقراطية، وهي حركة وطنية سلمية معارضة، وقد أسفرت عن تحطيم الموائد والأواني وألقاء الأطعمة على الأرض، وخلفت وراءها مصابين وجرحى؛ مما استدعى النقل إلى المستشفى.. ومع ذلك لم تحرك مؤسسات الدولة ساكنا!!.

وعلى مستوى العلاقة بالدولة الصهيونية تفوق المشير على نفسه وعلى من سبقه، وبعد أن كان المسرحي الراحل علي سالم والكاتبة لميس جابر زوجة الفنان يحيى الفخراني؛ المقربة من الرئاسة، هما الأكثر انحيازا ودفاعا عن الحركة الصهيونية، والأشرس في شيطنة مناهضي التطبيع والصهينة، والأكثر إعجابا باليهود الصهاينة والأشد عداء للفلسطينيين، لدرجة مطالبة لميس جابر بطردهم ومصادرة أموالهم!!. وتفوق المشير على كل هؤلاء.

وعلي سالم مؤلف مسرحي، بدأت شهرته قبل عرض مسرحيته مدرسة المشاغبين بسنوات.. وظهور مسرحيته إنت اللي قتلت الوحش في ستينيات القرن الماضي. وكان استقطاب سالم لصف الحركة الصهيونية مُهما كأول اختراق علني للجماعة الثقافية العربية، واندفع سالم في ذلك الاتجاه حين وجد التشجيع الرسمي فتمادى في السير فيه، وكانت العقبة في غلبة الرفض الشعبي الواسع، حتى أضحى أساسا للتفرقة بين الإنسان الوطني وغير الوطني، واحتل المثقفون مكانهم في طليعة الرافضين للتطبيع والصهينة، وتبعا لذلك عانت السفارة الصهيونية بالقاهرة عزلة خانقة.

أما مصدر أهمية يوسف والي جاء من كونه أكبر مسؤول تنفيذي وسياسي عن قطاع الزراعة؛ الأكثر تأثيرا على الحاضر والمستقبل. وزادت خطورته مع طول مدة شغل منصب وزير الزراعة ونائب رئيس الوزراء لأكثر من عشرين عاما، ثم أمينا للحزب الوطني المنحل؛ خسرت مصر خلالها خسائر فادحة، وامتدت من الزراعة للصحة، فتوطنت أمراض السرطان والفشل الكلوي والقلب والكبد الوبائي وغيرها، واتسعت حتى قضت على المكانة المتميزة للقطن المصري عالميا، وتخلى والي عمدا عن القطن طويل التيلة، لصالح الأقطان الأمريكية والصهيونية الأقل جودة.

وطال الدمار الشامل النخيل وتعرضت ثروته للانهيار؛ واستيراد فسائل مُهَنْدَسة جينيا من المستوطنات الصهيونية، وحين زُرِعت في محافظة الاسماعيلية نشرت ايدز النخيل، وعدواه تنتقل بطريق الهواء، وزراعة فسيلة واحدة في مزرعة تتكفل بالقضاء على المزرعة كاملة. وهذا فضلا عن الدمار الذي لحق بالتربة المصرية الخصبة؛ بالمبيدات المسرطنة، ومحاصيل سامة جعلت الأرض غير قابلة للزراعة. وعند التحقيق مع والي في البلاغات المقدمة ضده أثناء ثورة يناير تنصل من المسؤولية ووصف الوزراء: كانوا مجرد سكرتارية لدى رئيس الجمهورية ينفذون أوامره؛ وتم حفظ التحقيق وإغلاق الملف!!.

ومن غرائب عصام راضي؛ أول رئيس وزراء لثورة يناير أنه أعاد تعيين أيمن أبو حديد وزيرا للزراعة، وكان تلميذا وفيا ليوسف والي، وتفجرت في وزارة أبو حديد قبل الثورة فضيحة غمر الأسواق بطماطم رخيصة ومسرطنة، وترددت أسئلة عن الجهة التي زكته للمنصب.. ولم يُفصح عنها؛ ولا زالت لها كلمة نافذة بشأن استمرار الرضوخ للفيتو الصهيو أمريكي، لمنع مصر من إنتاج كفايتها الذاتية من القمح!!.

ويشير الباحث رفعت سيد أحمد مدير مركز يافا للدراسات السياسية إلى أن والي بدأ التطبيع قبل توليه وزارة الزراعة؛ منذ أن كان أستاذا للاقتصاد الزراعي بجامعة القاهرة، ومشاركته في مشروع زراعي بسيناء؛ لـهيئة المعونة الأمريكية والتحاقه بفريق صهيو أمريكي مصري؛ كان فيه مثلا للجانب المصري، وشهدت الشراكة انطلاقتها الكبرى بتعيينه وزيرا للزراعة، حسب قول سيد أحمد.

وطبق والي الأساليب والنظم الصهيونية، والتزم بمبدأ كل صديق يجلب صديقه، ليعوض ضعف الثقة في من يقدم نفسه وخدماته مباشرة، ويمنع تسلل غير المتصهينين إلى القطاعات التي يشرف عليها، والمشير يطبق ذلك على المشاركين في البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب، فبالإضافة إلى كونهم مُهَنْدَسين أمنيا ورئاسيا؛ يختارون بمبدأ كل صديق يجلب صديقه.

وانتقل نفس النهج إلى رجال الأعمال؛ المرتبطين كاثوليكيا بالحركات الصهيو أمريكية، ومنها المرتبطة بـاالمناطق الصناعية المؤهلة (الكويز)، وتسير على مبدأ كل صديق يجلب صديقه، وتوسعت في تطبيقه. ويعتبر المشير أكثر القادة العرب إلتصاقا بالدولة الصهيونية والتزاما بمزاعمها ومنها: أنا قوي فأنا على حق!! ولو دققنا في الأمر فهو غير قوي وليس على حق، وهو الحاكم الأضعف على مدى التاريخ المصري القديم والمعاصر. والقوة لديه ذات اتجاه واحد، وحقيقتها أنها طريق ذو اتجاهين؛ نصفه للذهاب ونصفه آخر للإياب.. ودائما ما يذهب بعيدا إلى آخر مدى، دون أي حساب للعودة، وهذا أكثر أنواع الضعف تأثيرا على الوطن والمواطن!!

لم يدخر المشير طريقا غاشما أو باطشا أو خشنا إلا وتعامل به مع المواطنين، والمواطنون بدورهم لا يعدمون الوسيلة؛ أغرقوه في بحر من السخرية والتنكيت والتبكيت، وهو بحر بلا قرار؛ سلاح مجرب تاريخيا وفعال يلجأ إليه المصريون إذا ما أغلقت أمامهم أبواب التعبير، وسدت في وجوهم أبواب الأمل وألغيت منافذ المشاركة؛ وهو سلاح بسيط للغاية، ومتعدد الوسائل؛ بالكلمة والكتابة والرسم والغناء والإشارة وحتى الصمت والتجاهل، وبسطاء الناس في الريف والمدن والعشوائيات أساتذة في هذا الفن، الذي لا يعلم عنه المشير بانغلاقه ونرجسيته، ولا يعطي وزنا للرأي العام ولا يكترث برأي الغير، فرأيه هو الصائب دوما.

وبالمناسبة فإن قياسات الرأي العام ازدهرت في عصر كان عنوانه مصر وعبد الناصر.. وبفضلها اجتازت أزمات ومآزق ما كانت لتمر لولا ذلك الازدهار والاهتمام بالتعرف على مواقف الناس واتجاهاتها، وعن ذلك تفاصيل كثيرة قد تسنح الفرصة لتناولها. والمشير بدأ الغرق في بحر التنكيت والتبكيت والسخرية.. ويخسر رهانه أمام انتصار الفكاهة والنكتة على الكآبة والضنك.. وهذا رد أبلغ على وعيد بالتعذيب والحرب المعلنة ضد المواطنين، وهم رغم ذلك يسخرون ويضحكون.. ويقولون للجميع إضحكوا من فضلكم.. واجعلوا شعاركم شر البلية ما يُضحك!!