سلام عادل ..  الدال والمدلول وما يمكث وما يزول- 6-

الاستخبارات الأمريكية تنصب إذاعة في الكويت لبث أسماء الشيوعيين وعناوينهم غداة انقلاب شباط 1963

عبد الحسين شعبان

 

 

استشهاد سلام عادل: روايات وسرديات مختلفة

          ظلّ استشهاد سلام عادل لغزاً غامضاً وتعددّت الروايات بشأنه، وبعضها اقترب من اليقين حتى جاءت رواية أخيرة لآرا خاجادور لتثير أسئلة جديدة وربّما لتحرّك ما استقرّ في الذاكرة وفي الأذهان، بخصوص ما كُتب وما تم تناقله وتردّد كثيراً على الأفواه والألسن، ولأن بعض من كان في تلك الأيام في موقع المسؤولية ما يزال حيّاً فقد اقتضى البحث العلمي والكشف عن الحقيقة، بذل المزيد من الجهد لإجلاء واقع الأمر، والتوجّه بالسؤال خصوصاً حين يتم الإقرار بأن ما حصل كان "جريمة "بكل معنى الكلمة.

          ولأن ما كتبه حازم جواد وقبله طالب شبيب وقبلهما هاني الفكيكي، يحتاج إلى تدقيق وتوثيق، خصوصاً حين تكون هناك رواية أخرى مختلفة أو مغايرة أو غير متطابقة، ناهيك عن رواية نقيضة بالكامل، فإن الأمر يحتاج فحص كل ما تجمّع من معلومات ووثائق ومذكرات وشهادات وحوارات بما فيها ما ورد في كتاب حنّا بطاطو، خصوصاً الجزء الثاني الموسوم " الحزب الشيوعي" ط2 ، 1996 والجزء الثالث المعنون " الشيوعيون والبعثيون والضباط الأحرار"، ط2 ، 1999،  وهو ترجمة عفيف الرزاز وصدر عن مؤسسة الأبحاث العربية، للتوصل إلى تقديم استنتاجات مشفوعة بتحليل ورؤية يفرضها المنهج البحثي لمقارنة الوقائع والسرديات وما تخفي الكلمات وراءها من معاني واستدلالات.

          ودائماً هناك وعلى مرّ التاريخ ميثولوجيات ترتبط بالبطولات وتحاول أن تضفي عليها شيئاً من عندياتها وخصوصاً بتقادم الزمن حيث تتكدّس تصوّرات ومعطيات وتراكمت رؤى ومنظورات قد لا تكون موجودة أصلاً، ولهذا السبب حاول الباحث أن يخصص هذا المبحث لرمزية الاستشهاد وما ارتبط به من حكايات وقصص وبعض خيالات أو توهّمات أو حتى مبالغات، ناهيك عن ضياع بعضها في غمرة تقديرات مسبقة.

انقلاب ومقاومة

          حين وقع الانقلاب صبيحة يوم 8 شباط (فبراير) 1963، بادر سلام عادل إلى إصدار بيان شديد اللهجة يندّد بالانقلاب ويدعو إلى مقاومته ويحرّض على الاستيلاء على السلاح من مركز الشرطة لتوزيعه على الجماهير لمواجهة الانقلابيين، وما جاء في البيان " إلى السلاح .. اسحقوا المؤامرة الرجعية الإمبريالية".         وبالفعل بدأت أعمال المقاومة في الكاظمية وعكَد الأكراد ومناطق متفرّقة  من بغداد ولكن التظاهرات الحاشدة، ولاسيّما أمام وزارة الدفاع انفضّت بفعل إعلان منع التجوّل والبيانات التي بدأ الإنقلابيون بإذاعتها من إذاعة وتلفزيون بغداد.

          وإذا كان التحضير للانقلاب معروفاً، لكن المفاجأة بساعة الصفر أخذت قيادة الحزب الشيوعي على حين غرّة، خصوصاً في ظلّ السياسة الانتظارية والتراجع عن المواقع وحالة الخدر التي عاشها طيلة شهور وأسابيع كلّها. وهكذا بدأت القوى تخور بالتدريج، خصوصاً بعد استسلام عبد الكريم قاسم في اليوم الثاني، حيث أعدم وعُرضت صورته في التلفزيون للتأثير على معنويات المقاومة التي تراجعت وتكاد تكون انتهت بعد 3 أيام، حيث "استتبّت" الأمور للانقلابيين وكانت دوريات "الحرس القومي" تجوب المدن والشوارع وتفتش السيارات وتبحث عن الشيوعيين وتزجّ بهم في السجون والمعتقلات، ولاسيّما بعد صدور البيان رقم 13.

           وكان عبد الكريم قاسم قد أعدم في محاكمة صورية بدار الإذاعة العراقية وفي غرفة الموسيقيين، حيث كان قد التقاه عبد السلام عارف وحازم جواد وأحمد حسن البكر وعلي صالح السعدي وطالب شبيب وصالح مهدي عماش وحردان التكريتي وآخرون، وقد تشكّلت فرقة تنفيذ قرار الإعدام برئاسة عبد الغني الراوي والضابط منعم حميد والضابط عبد الحق، كما أعدم أيضاً فاضل عباس المهداوي رئيس محكمة الشعب وطه الشيخ أحمد مدير الحركات والخطوط العسكرية في الجيش والضابط كنعان حداد مرافق الزعيم، وكان وصفي طاهر قد قتل خلال مقاومته في وزارة الدفاع وقيل أنه انتحر.

          أما أحمد صالح العبدي الحاكم العسكري العام فقد ترك الزعيم عبد الكريم قاسم يتناقش مع المهداوي حيث اقترح الأخير الاتصال بالسفارة السوفييتية  والطلب منها القيام بإنزال جوي سوفييتي في بغداد لمساندته في دحر الانقلابيين، وهنا استأذن العبدي من الزعيم بالمغادرة قائلاً: يا سيادة الزعيم عندما تصل الحلول إلى استدعاء قوات سوفييتية، فهذا يعني أن الأمور انتهت، وأنا سأستسلم "للجماعة" وخرج هائماً في الليل وخاض في نهر دجلة وكان الجو بارداً وقد التقطته إحدى دوريات الحرس القومي وهو في حالة يرثى لها، وأرسل إلى سجن معسكر الرشيد كما يروي حازم جواد في حواراته مع غسان شربل، التي سنأتي على ذكرها.

          كان حازم جواد لولب انقلاب 8 شباط/فبراير وهو أمين سر القيادة القطرية قبل  علي صالح السعدي حيث عيّن في دمشق من القيادة القومية، ثم أرسل إلى العراق لقيادة التنظيم وذلك بعد قيادة فؤاد الركابي، ولكنه اعتقل في أواخر العام 1960 وبقي في السجن لنحو عام واحد وأطلق سراحه بعفو خاص نهاية العام 1961، وخلال وجوده في السجن تولّى علي صالح السعدي مهماته في أمانة السرّ، وفي العام 1962 أمسك حازم جواد وبأهم المواقع الحزبية وهو يعتبر من الناحية الفعلية القائد الحقيقي للانقلاب الدموي في 8 شباط (فبراير) العام 1963 وقد شغِلَ منصب وزير الدولة لرئاسة الجمهورية في البداية ثم منصب وزير الداخلية بعد علي صالح السعدي الذي أصبح وزيراً للإرشاد، علماً بأن السعدي كان قد اعتقل قبل أسبوع من انقلاب شباط (فبراير).

بيان رقم 13

          واستمرّت إدارة حازم جواد في قيادة التنظيم، سواء في التحضير أو خلال حكم البعث، وقد أذاع بنفسه البيان رقم (1) يوم 8 شباط (فبراير) العام 1963. وحين اشتدّت أعمال المقاومة قبل إعلان الحكومة اقترح طالب شبيب وهو "أكثر المسؤولين وعياً وليبرالية" على حدّ تعبير حازم جواد، إصدار إنذار هو البيان رقم 13 القاضي "بإبادة الشيوعيين"، وحسبما يذكر حازم جواد أنه اعترض على ذكر الشيوعيين بالاسم واقترح بدلاً عنه تعبير "الفوضويون" فأصرّ شبيب "إصراراً" عجيباً، وقال لا بدّ أن نسمّيهم بالاسم حتى تفهم الناس، ولكنه ندم على ذلك ندماً شديداً، وهو ما أخبر به كاتب السطور حين التقاه في كردستان العام 1992 خلال مؤتمر صلاح الدين  للمعارضة أو في دمشق العام 1994 والعام 1995 وكذلك في لندن عندما جاء لتقديم طلب اللجوء السياسي العام 1997 ولكنه توفّي هناك بعد بضعة أشهر ، وبرّر للكاتب أن قصده كما قال إيقاف المقاومة وإخافة المقاومين وشلّ حركة الشيوعيين، لكن الأمور اتجهت باتجاه آخر.

          وكان حازم جواد يعتقد أن الحزب الشيوعي سيكتفي بإصدار بيان أو يقوم بإخراج تظاهرة محدودة ضد الانقلاب، ولم يكن يتصوّر استمرار المقاومة بين 8-10 شباط ويعتبر تلك المقاومة سبباً جديداً لتشدّد العسكريين الذين كانوا ينتقدونه على تقديره الخاطئ، الأمر الذي دفعهم إلى الميل إلى حملات الإعدام ، وخصوصاً أحمد حسن البكر وصالح مهدي عماش وعبد السلام محمد عارف وغيرهم وهو ما أكّده للكاتب عبد الستار الدوري حين قال إن معظم أعضاء القيادة كانوا يميلون إلى الرأي الذي ذكره حازم جواد.

          ويضع حازم جواد في رقبة صالح مهدي عماش المذبحة التي ارتكبت بحق الشيوعيين والتي أيّدها البكر وحردان (المقصود بُعيد حركة انتفاضة حسن السريع في معسكر الرشيد وعشية تسفير عدد من كبار الضباط وشخصيات شيوعية ووطنية بارزة إلى سجن نقرة السلمان، فيما عُرف بقطار الموت) وقد روى للكاتب العقيد غضبان السعد المحلق العسكري السابق في موسكو العام 1959قصة قطار الموت كاملة، وكما حدثت كشاهد عيان وقد جئت على ذكرها في العديد من الكتابات، (حديث خاص مع غضبان السعد، براغ، 1976 وبغداد 1978 ودمشق 1981).

اعتقال سلام عادل

          وبخصوص اعتقال سلام عادل يقول حازم جواد وهو ما كان قد دوّنه هاني الفكيكي في كتابه " أوكار الهزيمة" (دار رياض الريّس، لندن،1992) إن علي صالح السعدي (وزير الداخلية ونائب رئيس الوزراء حينها) أبلغهم بنبأ سار وهو اعتقال هادي هاشم الأعظمي (المسؤول الثاني بعد سلام عادل) وعضو المكتب السياسي وهو رجل كانت تُنسب الأساطير حول صموده في العهد الملكي وكان محكوماً لمدة 20 عاماً ولكن ثورة 14 تموز (يوليو) العام 1958 أفرجت عنه.

          وكان الأعظمي قد اعتقل مصادفة في الأعظمية وعرّف بنفسه وطلب اللقاء مع علي صالح السعدي وقد  تطوّع بتحطيم تنظيمات هذا "الحزب القذر" على حد تعبيره، وأشار إلى أن سلام عادل يحضّر لانقلاب وباشر بإرشادهم إلى الدور الحزبية بما فيها الدار الحزبية التي كان يسكنها سلام عادل في الكرادة الشرقية ،  وكما يذكر حازم جواد أنه عرّفنا بنحو 35 مقرّاً سرّياً للحزب جميعها في مناطق الطبقة المتوسطة وما فوق في بغداد، حيث اعتقل نحو 100 قيادي وكادر وقمنا بتفكيك شبكات تابعة للحزب في مناطق العلوية والكرادة والسعدون وعرصات الهندية والمسبح ومناطق شعبية .

          وكان الملك حسين بن طلال ملك الأردن قد ذكر في مقابلة مع محمد حسنين هيكل رئيس تحرير جريدة الأهرام في باريس (فندق كريون) أن إذاعة سرية كانت قد نصبتها الاستخبارات الأمريكية في الكويت تبث أسماء الشيوعيين وعناوينهم للتمكّن من اعتقالهم وإعدامهم.

          ولا أدري كم استمرّ بث تلك الإذاعة أياماً أم أسابيعاً؟ ومن كان  يلتقطها ؟ وهل كانت تبثُّ بشيفرة أم بالأسماء الصريحة؟ وخلال العقود الماضية حاولت العثور على مصدر أو معلومة تدلّني على حقيقة الأمر فلم أجد ذلك، كما أنني لم أتعرّف على شخص قال أو كتب أنه استمع إلى الإذاعة وإلى الأسماء السرّية.

          وإذا كان المقصود بوجود علاقات واختراقات فتلك مسألة أخرى، ولعلّ علي صالح السعدي نفسه أشار إلى ذلك، سواء في أحاديث شفوية أم  في جلسات خاصة، وكان أن شاع هذا القول لعلي صالح السعدي، بعد دعوة خاصة في بيت لطفي الخولي في القاهرة، وكان الخولي قد وضع مسجلاً خاصاً لحديث السعدي، وقام بنشره في مجلة الطليعة "المصرية"  التي أعدته بطريقة أقرب إلى الحوار، حيث كان قد دعا الخولي بعض الصحفيين ووجّه هؤلاء أسئلة إلى السعدي، الذي أخذ "راحته" في الحديث، ومنها "جئنا بقطار أمريكي"، مشيراً إلى اختراقات من جانب الأجهزة الاستخبارية الأمريكية وقد تردّدت أسماء مثل صالح مهدي عمّاش وإيلي زغيب وعلي عبد السلام (أعدم بعد العام 1968) وآخرين.

          وشكّك عبد الستار الدوري بصحة الرواية المنسوبة إلى السعدي وقال إنه لم يسمعها منه، أما عن الاختراقات فهي موجودة في جميع الأحزاب، وهو ما سبق أن كرّره هاني الفكيكي أمام الباحث، كما أورده في كتابه " أوكار الهزيمة".

          وبغض النظر عن وجود تصريح أو عدم وجود تصريح للسعدي، فإن الانقلاب خدم المصالح الأمريكية بشكل مباشر وغير مباشر فيما يتعلق بإجهازه على ما تبقّى من منجزات ثورة 14 تموز/يوليو 1958 سواءً على الصعيد الداخلي أم على الصعيد الخارجي، ولاسيّما في الصراع بين الشرق والغرب.

قصر النهاية

          يروي حازم جواد أن عليّ السعدي هو الذي اقترح الاستيلاء على مقر  قصر الرحاب لتحويله إلى المعتقل الأساسي للقيادات الشيوعية وهو الذي عُرف لاحقاً باسم "قصر النهاية" منذ أن تركته العائلة المالكة في يوم 14 تموز (يوليو) العام 1958، ثم أصبح مرفقاً تابعاً لمديرية المصايف وللسياحة وكان يديرها رشيد مطلك صديق عبد الكريم قاسم الذي أطلق عليه لقب "رسول الثورة" حيث كان صلة الوصل بين مجموعة الضباط الأحرار وقاسم تحديداً والأحزاب الوطنية . والهدف تحويل قصر الرحاب إلى معتقل خاص هو إخضاع المعتقلين لتحقيق مركزي، وكان يرأس جهاز التحقيق في قصر النهاية محسن الشيخ راضي ويعاونه هاني الفكيكي.

          يعترف حازم جواد ولكن بعد فوات الأوان أن قصر النهاية كان رمزاً للظلم، وأن شقيقه حامد اعتقل فيه وقال  بعد زيارته إلى ألمانيا: إن معسكر أوشفيتز للاعتقال والإبادة يعتبر فندقاً بخمس نجوم مقارنة بقصر النهاية، (الصحيح إن معسكر أوشفيتز بيركينو بنته ألمانيا خلال احتلالها النازي لبولونيا وهو يبعد حوالي 70 كم من مدينة كراكوف وقد تسنّى لكاتب السطور زيارته في خريف العام 1969 وهو معسكر اعتقال مرعب بكل معنى الكلمة).

          كان معتقل قصر النهاية تحت إشراف مدحت ابراهيم جمعة وهو من أكثر الذين أشرفوا على عمليات التعذيب، وحين سأل كاتب السطور محسن الشيخ راضي كيف استشهد سلام عادل ومن قام بتعذيبه أجاب: " كلّنا مسؤولون ومرتكبون وعلينا قول الحقيقة"  وكان الباحث قد أجرى حوارات مع الشيخ راضي على ثلاث مراحل وهي عبارة عن لقاءات واستفهامات واستفسارات، وأضاف الشيخ راضي: وتبدأ المسؤوليات من القيادة حتى أدنى المواقع ولا أحد يستطيع أن يعفي نفسه من المسؤولية، ولاسيّما القيادات العليا وكبار العسكريين.

          وكان حازم جواد يتردّد على قصر النهاية وكذلك بقية أعضاء القيادة باستثناء عبد الستار الدوري (مدير الإذاعة والتلفزيون) الذي أكّد للكاتب أنه لم يزر قصر النهاية مطلقاً ولم يحبّذ محاولة إذلال الآخرين حتى وإن كانوا " أعداء" أو "خصوماً"، ونقل للكاتب أنه حين جيء بعبد القادر اسماعيل وعدد من الكوادر الشيوعية للظهور في تلفزيون بغداد والإدلاء باعترافاتهم،  كان رأيه من سيصدق كلامهم ذلك طالما هم " أسرى" ومعتقلون، وذكر أن عبد الكريم الشيخلي تعامل معهم بقسوة خلال تهيئتهم للإدلاء باعترافاتهم.

          وحين اعتقل سلام عادل يقول الدوري إن علي صالح السعدي مرّ عليه لدار الإذاعة وطلب مرافقته للقاء سلام عادل فاعتذر عن ذلك، وحين سألته هل كان ذلك قبل زيارتهما للقاهرة أو بعد زيارتهما؟ فلم يتذكّر، لكنه يقول إن وكالة أنباء الشرق الأوسط ومختلف الإذاعات ووكالات الأنباء والصحف كانت قد نشرت خبر اعتقال سلام عادل حيث كنّا في القاهرة.

          وكان د.تحسين معلّه قد قال للباحث أنه زار قصر النهاية بحكم وظيفته كطبيب وتقتضي مهنته معالجة المعتقلين وكانت قيادة حزب البعث قد طلبت منه ذلك، وأنه لم يكن مرتاحاً مطلقاً عمّا يجري فيه وروى للباحث أنه تعرّف على سلام عادل في قصر النهاية وهو معصوب العينين، وكان كل جزء من جسده يئن من شدّة التعذيب، وروى طالب شبيب إلى علي كريم وهو ما قاله أمام الباحث أيضاً إنه اشمأز حين رأى حسن عوينة وهو محطّم ولكنه أشاد ببطولته، مثلما أشاد ببطولة سلام عادل ، وعن الحوار الذي دار بين حازم جواد وسلام عادل في قصر النهاية سخر شبيب ولو بعد نحو ثلاثة عقود من الزمان في لقاء مع الكاتب في كردستان (1992) كيف ينعقد الحوار بين سجّان وسجين. (انظر: علي كريم- عراق 8 شباط 1963، من حوار المفاهيم إلى حوار الدم، مراجعات في ذاكرة طالب شبيب، دار الكنوز الأدبية ، بيروت، 1999)

          جدير بالذكر أنه خلال فترة حكم البعث التي لم تزد عن 9 أشهر صدرت أحكاماً رسمية بإعدام نحو 150 شيوعياً أو مؤيداً لهم كما يوثقها حنا بطاطو (ج 3، ص 303) علماً بأن عشرات كانوا قد قضوا بالتعذيب ولم يتم الإعلان عن استشهادهم بينهم عدد من إدارات الحزب العليا مثل عبد الرحيم شريف وحمزة سلمان الجبوري ونافع يونس والملازم هشام اسماعيل صفوت وجورج تلو، وحسب توثيق حنّا بطاطو فإن المكتب الخاص بالتحقيق لدى الحرس القومي قتل وحده 104 أشخاص عثر على جثث 43 منهم خلال الفترة 1963-1964 مدفونة في منطقتي الجزيرة والحصوة قرب الحلّة، وعثر في أقبية قصر النهاية على أدوات التعذيب وأكوام صغيرة من الثياب الملطخة بالدماء منثورة هنا وهناك وبرك دم على الأرضية ولطخات على الجدران (انظر: حنا بطاطو- العراق، ج 3، المصدر السابق ، ص 304).

          وعلى الرغم من تأييد ميشال عفلق للانقلاب واستخدام القوة لقمع أية مقاومة والعمل على حماية النظام الجديد، إلاّ  أن فضائح التعذيب والحملة العالمية ضد الإجراءات القمعية التي اتخذها حزب البعث إزاء خصومه وحلفائه من القوميين اضطرّته إلى التحفظ عليها وعدم تأييده لها . وقد كشف عن ذلك في وقت لاحق في العام 1964 حين قال: في أيار/مايو 1963 أو قبله رجوت الرفيق حمدي عبد المجيد أن يذهب إلى بغداد وينبّه الزملاء الأعضاء هناك إلى مخاطر الارتجال... ويعرف الرفيق حمدي أني حذّرت باستمرار من سياسة سفك الدماء والتعذيب، كائنة من كانت الضحايا... لقد كان للثورة في أشهرها الأولى حقها المشروع في الدفاع عن نفسها ضد الذين وقفوا في وجهها بقوة السلاح، أما بعد ذلك، فلا يمرّ شهر أو أسبوع إلّا ونسمع أو نقرأ عن إعدام عشرات الرجال (انظر: كلمة ميشال عفلق في المؤتمر القطري السوري الاستثنائي، 1964) وقد أكّد لي صلاح عمر العلي ذلك، بقوله: صحيح إنه لم ينتقد أو يعارض استخدام جميع الأساليب لفلّ مقاومة الطرف الآخر، لكنه كان حساساً إزاء العنف والتعذيب فيما بعد.

          وقد شاعت الكثير من القصص والحكايات المأساوية عن التعذيب في بغداد والمحافظات وشملت الرجال والنساء، وحتى الأطفال وقد صدر ما سمّي بـ"الكتاب الأسود" بعد انقلاب 18 تشرين الثاني/نوفمبر 1963 الذي قاده عبد السلام عارف ضد حلفائه البعثيين،(انظر: كتاب المنحرفون، وهو كرّاس صدر بموافقة مديرية الاستخبارات العسكرية، هيئة الدليل الدولي، بغداد ، العدد 1، 1964).

          وقد تم توثيق بعض الانتهاكات والارتكابات باعترافات وصور ووثائق وشهادات نُشرت في كتاب "المنحرفون" ولكن أكثر ما هو مؤثر وكوموتراجيدي هو الطرفة التي وردت في مداخلة العقيد في الجيش السوري محمد عمران عضو القيادة القومية للحزب العام 1964 والتي تعبّر عن واقع حقيقي عاشه العراق في ظل انفلات الأوضاع . ولعلّ تلك الطرفة هي " سخرية سوداء" حين قال خلال مؤتمر حزبي في دمشق " بعد المؤامرة الشيوعية " يقصد حركة حسن السريع 3 تموز (يوليو) 1963 طُلب من أحد ضباط الجيش (العراقي) إعدام 12 شيوعياً، ولكنه أعلن أمام عدد كبير من الحاضرين أنه لن يتحرك إلّا لإعدام 500 شيوعي، ولن يزعج نفسه من أجل 12 فقط، وكان حديثه هذا أمام المؤتمر القطري الاستثنائي لحزب البعث العربي الاشتراكي (سوريا) العام 1964، وقد كانت مداخلته بعنوان: ملاحظات الرفيق محمد عمران أمام المؤتمر القطري الاستثنائي في 2 شباط/فبراير 1964، ص 3 (انظر كذلك: حنا بطاطو- العراق، ج 3، مصدر سابق، ص 304).

منطق الجلاد ومنطق الضحية

          رغم مكابرة حازم جواد  ومحاولته النيل من سلام عادل  والتقليل من شأنه، بل والغمز من قناتة، لكنه يقر في نهاية المطاف  إن موقفه كان صلباً و"إنه لم يعترف"، ولكنه كما يقول كان يحاول إيجاد مخرج للورطة بأقل ما يمكن من الخسائر. ويكشف جواد عن مكنونات صدره وصدور بعض رفاقه بقوله: إن نار الحقد تأجّجت ضد الشيوعيين، خصوصاً بعد أن اكتشفنا أن الحزب يملك قوة كبيرة كنّا نستهين بها ، لاسيّما داخل القوات المسلحة، وهو بذلك "يبرّر" استخدام التعذيب.

          وعن الحوار المزعوم يقول حازم جواد أن سلام عادل أودع سجن قصر النهاية بعد إلقاء القبض عليه وكان قد طلب اللقاء به أو بعلي صالح السعدي الذي كان في مصر  في نهاية آذار (مارس) عن طريق مدحت ابراهيم جمعة (مدير المعتقل) (التواريخ ليست صحيحة فقد اعتقل سلام عادل يوم 19 شباط /فبراير واستشهد يوم 23 أي بعد أربعة أيام فقط على اعتقاله ، وأعلن عن استشهاده رسمياً من دار الإذاعة يوم 7 آذار (مارس).

          وهذا يعني أن علي صالح السعدي  عند اعتقال سلام عادل كان موجوداً في بغداد  لأن الوفد حسب التواريخ التي دققتها والاقتباسات التي سأنقلها عن أمين هويدي تشير إلى أن الوفد سافر يوم 21 شباط (فبراير) للقاء جمال عبد الناصر وكان برئاسة نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية علي صالح السعدي وضمن الوفد عبد الستار الدوري (مدير عام الإذاعة والتلفزيون) الذي التبس عليه يوم اعتقال سلام عادل ولكن ما يتذكّره جيداً إن الخبر نشر في القاهرة على نطاق واسع.

          وضمّ الوفد كلّ من : طالب شبيب (وزير الخارجية) وصالح مهدي عمّاش (وزير الدفاع) وفؤاد عارف (وزير الدولة) وحردان التكريتي (آمر القوة الجوية) وخالد مكي الهاشمي (آمر الدبابات) ووفد شعبي ضم حسين جميل وجلال الطالباني وأديب الجادر وعبدالله السلّوم السامرائي.