صفقة القرن لتصفية القضية الفلسطينية لا يُراهن عليها

 

محمد عبد الحكم دياب

 

 

كثر الحديث واللغط الرسمي وشبه الرسمي حول صفقة القرن، وما زال الرهان على الحلول الصهيو أمريكية ساريا، والارتماء في أحضان العدو ما زال مفضلا، والجهود الصهيو غربية تسعى لدمج كتل وتوحيد قوى تدور في فلكها وتتعاون معها؛ وضمها في كتلة واحدة كبرى، لعلها تصلح ظهيرا لعراب الصفقة المُلغمة، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ووصْفها بالصفقة مناسب ومعبر، حيث الغلبة للغة التجارة وسيادة أساليب التسويق ونشاط البيع والشراء والمقايضات، وذلك يفسر غياب لغة المصالح، وانعدام الرغبة في تخفيف التوتر.

والصفقات نظام تعامل في البورصات والمضاربات والمزادات والمناقصات، ورجالها المعتمدون سماسرة ووكلاء ووسطاء، لا مجال فيها لتسويات أو طريقة خد وهات.. وتعتمد على الشطارة والمناورة والتلاعب، ويمكن تعريفها بـالشطارة السوداء، وأساسها الاستئساد والتنمر على الضعفاء وعلى الذين يستسهلون التبعية والهوان على الاستقلال والكرامة؛ رغم إمكانيات القوة المتاحة، والقدرات المعطلة والمشلولة والمهدرة في القارة العربية..

وهيمنت على كثير من أُولي الأمر العرب قناعة بأن القوة الصهيو أمريكية لا تُنازَع، على الرغم من سقوط قناع السياسة الأمريكية المخادع، مع وصول ترامب إلى سدة الحكم في البيت الأبيض، وهذا أفقد واشنطن أي مصداقية تجعلها وسيطا لديه الحد الأدنى من النزاهة والمشاعر الإنسانية، تجاه قضية تبقى مفتاح الأمن والاستقرار في القارة العربية ودونها فلا أمن ولا أمان في العالم أجمع.

 

ورغم حماس رباعي؛ نتنياهو، وبن سلمان وبن زايد والمشير السيسي لها فتنفيذها يبدو صعبا، فعرابها ليس محل ثقة، ومراوغ واستعراضي، ولا نية لديه في الوصول لحل من أي نوع، وهو داعية حرب، ولا علاقة له بتسويات أو سلام، وما يقوم به هو إتمام صفقة كبرى تحتاجها الإمبراطورية الصهيونية غير المكتملة لاستكمال مرحلتها الأولى من الفرات للنيل، والتعجيل بإنجاز المرحلة الثانية من الخليج إلى المحيط. وإنهاء صراع دام لعقود؛ بين قوتين لا تلتقيان، إحداهما وافدة وطارئة، والأخرى أصيلة، مكانا وزمانا وأرضا وثقافة.. وهو صراع لا يسقطه هوس ولا تحله نظرية لاعب وحيد، فاللاعب الحقيقي يوجه ويدير عن بعد، وأوصل ترامب إلى مقعد الرئاسة، وحقق للمشروع الصهيوني أقصى أحلامه، وأغدق على رعايته وتدليله، فوصل إلى ما وصل إليه، قوة نووية؛ هي الأخطر على وجود القارة العربية، وامتدادها الإقليمي والإسلامي، وقوة أخرى، منقسمة بين وجود رسمي، يمثل رديفا للقوة الأولى، وآخر غير رسمي رافض وعلى يقين بأن الحق معه حتى لو تأخر، بسبب اختلال الأوضاع، وعدم اعتدال ميزان القوى، وتغييب العدالة، وهي تأمل في كبح جماح القوة الأولى الباغية، والتي إذا استمرت فسوف تدمر نفسها، وتتحول لعبء فوق طاقة الرعاة والداعمين؛ وقد تصاب بلعنة الموروث اليهودي، المتمثل في لعنة شمشون، أو الحالة الشمشونية، وتظهر إذا ما فقد الكيان اليهودي وظيفته، وصل لخط النهاية، فيتصرف بمنطق علي وعلى أعدائي، ويهدم المعبد على رؤوس من فيه.

وقد تكون صفقة القرن لغزا متعمدا لشغل العرب بعيدا؛ حتى يكتمل مخطط التجزئة والتقسيم والتفتيت؛ في ظروف عربية مواتية لذلك.. والحركة الصهيونية التي اخترعت العدو البديل، وحولت الخلافات الثانوية مع الدول المجاورة، حولتها لتناقضات أساسية وعدائية.. غذت بها حروب الطوائف والمذاهب والعشائر والمناطق.. وكشف حقيقة الصفقة يكون بالبحث عن وظيفتها، وما يحيطها من لغط وضجيج، وما يرتبط بها من استئساد وتنمر على ملوك وحكام السعودية والإمارات ومصر وابتزازهم والسخرية منهم..

وفي شهادة مستشار دونالد ترامب المُقال ستيف بانون، كما وردت في كتاب مايكل وولف نار وغضب: داخل بيت ترامب، وأحدث ضجة كبرى عند نشره مطلع هذا العام(2018) ؛ كشف خفايا وأسرار الصفقة الهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية نهائيا، وبهذه الوظيفة فإنها لا تمت للحلول أو التسويات السياسية بصلة.. لأن المشتري هو البائع.. وملتزم برذيلة التجارة مع النفس، والتخصص في بيع ما يستولي عليه من الغير بالعدوان والتوسع المستمر، المستند إلى مبررات ووعود إلهية زائفة. والقوانين المدنية الحديثة تعاقب من يتاجر في المسروقات.

وأشار مؤلف الكتاب؛ إلى اجتماع عُقد في 3 كانون الثاني/يناير2017، بين مايكل بانون وروجر إيلز، أحد مؤسسي شبكة فوكس نيوز الأمريكية. وصرح بانون: سننقل السفارة الأمريكية للقدس. والسير في هذا الطريق هدفه ضم الضفة الغربية للأردن، وإعادة غزة للإدارة المصرية. وترك الترتيبات للأردنيين والمصريين، إذا نجحوا كان بها أو فليغرقوا أثناء المعالجة، فيكون هذا مصيرهم، وسأل إيلز عن موقف الرئيس ترامب؟. أجاب بانون: موافق بالطبع، فهذا جزء من الخطة.

ويبقى سؤال معلق عن مصطلح صفقة القرن.. وكان أول ذِكر رسمي له قد جاء على لسان المشير السيسي، عقب استقبال الرئيس ترامب له في البيت الأبيض (3 نيسان/أبريل 2017). وبعدها انتشرت تكهنات عن الصفقة وطبيعتها، ولم يتأكد ذلك رسميا بلسان مسؤول أمريكي مأذون.

وفي 6 كانون الأول/ديسمبر 2017 اعترف ترامب بالقدس (المحتلة) عاصمة للدولة الصهيونية، وشرع في نقل السفارة الأمريكية إليها. وأوقف الفلسطينيون اتصالاتهم بالإدارة الأمريكية، ورفضوا استقبال نائب الرئيس الأمريكي مايك بينس، وكان يتهيأ لزيارة المنطقة في العشرين من أيار/مايو 2017. وصرح وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي: إن ما يسمى بصفقة القرن أصبحت من الماضي.

وفي الوقت الذي يلف فيه الغموض هذه الصفقة فأمر تصفية القضية الفلسطينية يجد تأييدا ومددا من ملوك وحكام عرب انحازوا للحركة الصهيونية، وساروا في طريقها لنهايته، ويصعب عليهم التراجع.. وصفقة القرن، لا تطرح حلا، والأطراف العربية المصهينة حزمت أمرها وتماهت مع الحل الصهيو أمريكي، وهم لا يجدون حرجا ولا يشغلهم البحث عن حلول بديلة ملائمة، وأصبحوا أسرى لذلك الحل، ولو نطق أحد بحل مرحلي لحفظ ماء الوجه، توجه إليه الاتهامات، وتُصب عليه اللعنات. والحلول غير المصهينة تنبع من الذات، وفي حاجة لإرادة، وليست طق حنك وكلاما مرسلا، في واقع غير صحي، تحيطه الخرافة والأساطير من كل جانب. حتى أضحى البحث عن حل عادل وإنساني كمن يبحث عن مستحيل رابع يضيفه إلى المستحيلات الثلاثة، الغول والعنقاء والخل الوفي.

هل آن أوان المبادرات الوطنية والعمل الجماعي الإيجابي والجاد، المتحرر من تطلعات الساسة الجدد المريضة، وغياب المبادرات الوطنية يجعلنا ندعو لعدم الرهان على جهة أو عنصر رسمي، وتركهم لشأنهم، فهم في النزع الأخير، فالضرب في الميت حرام!!.