العبث النقدي بتاريخ الإسلام: محمد آل عيسى نموذجا! 1من 3

 

علاء اللامي*

 

تكاثرت في السنوات الأخيرة الكتابات الرقمية التي تنشر على شبكة الإنترنيت، ومواقع التواصل الاجتماعي، والتي تصف نفسها بالنقدية والمراجِعة والمشككة بالرواسخ والثوابت التقليدية في ميدان التاريخ والدين. ويمكن اعتبار هذه الظاهرة -من حيث المبدأ- إيجابية دون أدنى تحفظ أو تردد، حتى لو كانت مجرد محاولات وبدايات تأليفية تشكو مما تشكو منه مثيلاتها في سوح ثقافية أخرى. غير أن هذه الظاهرة تحولت في أمثلة عديدة إلى ميدان مفتوح وعشوائي، لا يُعنى الداخل فيه بأدنى شروط الكتابة المنهجية وقواعد التأليف النقدي، وخصوصا في ميدانين حساسين وشديديِّ التعقيد كهذين الميدانين: التاريخ والدين. وتغدو الأمور أكثر صعوبة والتباسا إذا اندمج الميدانان المعنيان في ميدان واحد هو "تاريخ الأديان" وتحديدا "تاريخ الدين الإسلامي".

ففي مقابل دراسات ومقالات وكتب رصينة قليلة خرجت الى النور في السنوات القليلة الماضية، ثمة الكثير من الزَّبد التأليفي الذي يذهب جفاء، بل وقد يدخل في باب آخر لا علاقة له بالجهد العلمي النزيه الذي يصيب ويخطئ، يُعَلِّمُ ويتعلم، هو باب التشويه والتضليل وقلب الحقائق لأغراض ليست من البحث العلمي عن الحقيقة في شيء.

قبل سنوات قليلة، قد لا تزيد على الثلاث، انتشر كتاب رقمي لا يحمل اسم دار نشر أو سنة صدور، يحمل عنوان "تاريخ الإسلام المبكر" لمؤلف غير معروف في ميدان التأليف التاريخي يدعى محمد آل عيسى. وقد تناقل الكثيرون أخبار ومضامين هذا الكتاب، وروجوا له واقتبسوا عنه مقاطع ضافية. وفي الواقع، لم يحظَ هذا الكتاب برصد تقيمي موضوعي أو قراءة رصينة من قلم معروف في ميدان الدين والتاريخ وتاريخ الأديان المعروفين على حد علمي.

وقبل عدة أسابيع، وأنا في غمرة مراجعة مسودات كتابي الجديد "موجز تاريخ فلسطين القديم - منذ فجر التاريخ وحتى الفتح العربي الإسلامي"، أرسل لي أحد الأصدقاء نسخة رقمية (PDF) من هذا الكتاب، داعيا إياي إلى قراءته والاستفادة منه كمصدر قد يكون مفيدا لي في تأليف كتابي. وقد بدأت قراءة الكتاب بحماس، وكنت قد قررت حتى قبل أن أقرأه، أن أخصَّه بقراءة نقدية على شكل دراسة، ولكنني فوجئت بكتاب ضعيف ولا يمت للتاريخ العام كعلم وكميدان بحثي، بل هو أقرب إلى العبث بالتاريخ، وتكرار نسخ سمجة من أقاويل بعض صغار المستشرقين العابثين حول تاريخ الإسلام وخصوصا فترة بداياته المكية والمدنية. فعَدَلْتُ عن فكرة كتابة الدراسة، فالكتاب لا يرقى إلى سوية الكتاب المنهجي، بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع مضامينه وافتراضاته، بل هو أقرب الى "مجزرة مكتوبة" لكل منهج تأليفي حتى لو كان في أدنى درجات البساطة والبدائية في الكتابة، ويكاد يتحول في بعض صفحاته الى نص هجائي سطحي للإسلام دينا وتراثا ورموزا، ولهذا اكتفيت بتدوين مجموعة من الملاحظات، ثم جمعتها وصغتها في هذه المقالة لتكون محاولة للتوضيح وتقديم شهادة شخصية في أمر يهم الشأن الثقافي بعامة والكتابة في التاريخ والدين على جهة الخصوص.

والحقيقة، فأنا لم أكمل قراءة هذا الكتاب إلا بعد جهد جهيد، وعلى مضض، لشعوري خلال قراءته بأن كاتبه يسخر مني ويستهين بعقلي كقارئ قبل أن أكون كاتبا، وربما يعود السبب إلى الطريقة الملتبسة والخفة في تناول المادة التاريخية، التي يعتمدها المؤلف في الكتابة والتعبير عن أفكاره!

ولكي أضعكم في صورة هذا الكتاب، أنشر هنا هذه المجموعة من هوامشي وملاحظاتي على ما قرأته نقديا من الكتاب المذكور من باب العلم بها والاطلاع على ما حوته تلك الهوامش من معلومات وتوثيقات أحسبها على درجة كبيرة من الأهمية:

1-يبدأ المؤلف كتابه، وفي السطر الأول منه تحديدا، بطرح كذبة كبيرة تقول (هناك اتفاق يكاد يكون عاما بين مجموعة من المؤرخين بأن الإسلام ظهر في بلاد الشام ولم يظهر في مكة. وأن هجرة الإسلام وحركته كانت من الشام إلى الحجاز وليس العكس)[1]. إنه يطرح هذا الحكم البحثي الخطير، بغض النظر عن صحته من عدمها، دون توثيق تأليفي أبدا. فمن هم هؤلاء المؤرخون "شبه المتفقين" على ذلك؟ ولماذا لم يذكر الكاتب اسما واحدا منهم على الأقل؟ وهل يشفع للمؤلف أنه ناقش هذه الفكرة في فصول كتابه ليضعها كحكم بات في مقدمة كتابه بهذه الصورة؟

2-يقول الكاتب بعد قليل (بحسب مؤلف هذا الكتاب فإن محمد لم يظهر لا في الشام ولا في الحجاز. وهو ليس شخصا حقيقيا. هذا هو محور الكتاب. محمد مجرد فكرة جسدها من اختلق تاريخه وجعل هذا التاريخ في مكة حيث مكة البعيدة يمكن أن تستوعب سؤاله سالف الذكر ولكن بصيغة مختلفة)[2]. وهذا حكم مسبق وجاهز آخر، يرد في الصفحات الأولى من الكتاب، وليس فرضية علمية تاريخية يريد إثباتها، بل هي جملة حكمية ألقاها على عواهنها دون بحث أو تنقيب أو برهنة. دع عنك أن الكاتب يقول الشيء وعكسه، فمرة يقول إن الإسلام ظهر في الشام وليس في مكة ثم ما يلبث أن يقول إن نبي هذا الدين لم يظهر لا في الشام ولا في المدينة. وكلُّ هذا محض تخليط لا يستحق حتى الرد عليه ولكننا سنتابعه رغم ذلك في هوامش أخرى، وكان حريا بالكاتب أن يشير إلى أنه ناقش هذه العناوين في فصول كتابه اللاحقة ويكتفي بعرضها كعناوين أو خلاصة موثقة لا كفرضيات نظرية أو كنظريات مبرهن عليها وموثقة.

3-ويقول (لكن الأمر اختلف مع ظهور ما يسمى بالنقد الكتابي الذي تناول الكتاب

المقدس وشكك بنصوصه وبوجود أنبيائه)[3] والحقيقة هي أن نقد المسيحية والأناجيل بدأ مبكرا جدا، وتحديدا في القرن الميلادي الأول. أما النقد الكتابي، وهو تعبير جديد لم يُسمع به من قبل، وربما هو ابتكار إنشائي للكاتب آل عيسى، ويقصد به نقد الأناجيل والدين عموما في عصر النهضة الأوروبية، وعصر النهضة الأوروبية في القرن الرابع عشر وصولا الى عصر التنوير اللاحق له في القرن السابع عشر، وربما يقصد نقد الدين من قبل فلاسفة القرن التاسع عشر مع الهيغليين وغيرهم. والواضح من كل هذا أن كاتبنا لا يفرق بين هذه العهود وما فيها.

4-ويقول آل عيسى (بما أنه لم توجد أي مواد إركيولوجية تنسب إلى العصور الإسلامية الأولى فقد أثار هذا الأمر شكوك العلماء. هل يعقل أنه لا توجد أي وثيقة ترقى إلى العصور الإسلامية الأولى؟)[4].

وأقول أولا، إن قول الكاتب "لا توجد أي مواد إركيولوجية تنسب إلى العصور الإسلامية الأولى" غير صحيح إطلاقا، بل توجد ولكنها قليلة، وسأستعرض عددا منها بعد قليل. وثانيا، فإن الكاتب ينسى أنه يتكلم عن بلاد صحراوية واسعة، فيها مناطق جبلية جرداء ووعرة، لم تقم فيها مدن كبيرة طوال تاريخها القديم، ولا مراكز حضارية إلا نادرا. وهذا النادر والقليل، نجده في اليمن ومكة كمحطة قوافل ومسافرين، وفي يثرب التي وصلها ملوك بلاد الرافدين في العصر الأكدي والآشوري، ومدينة تيماء التي اتخذها آخر ملك رافديني كلداني هو نبونائيد مدينة له ومركزا لعبادة القمر، وأقام فيها عشرة أعوام حتى الاحتلال الفارسي الأخميني للعراق. وإن هذه المناطق الصحراوية لم تعرف الكتابة إلا نادرا، وعند أشخاص معدودين، أحدهم ورقة بن نوفل الأسدي ابن عم خديجة بنت خويلد أولى زوجات النبي العربي الكريم. وقد توفي ابن نوفل قبل انتشار الدعوة الإسلامية. وكانت الثقافة السائدة هي ثقافة شفاهية تعتمد على الحفظ والذاكرة الجماعية للناس في ذلك العهد، وإن عدم وجود آثار إركيولوجية ليس مطلقا وصحيحا بل هي موجودة ولكنها قليلة وهذه الظاهرة لا تخص عصر صدر الإسلام، بل تشمل كل عصور ما قبل الإسلام، ويعترف الكاتب بأن الشعر الجاهلي نفسه ليست هناك آثار مادية عليه. وهو ينسى أن العرب الذين قادوا وشاركوا في تجربة الإسلام هم بدو رحالة، ولم يعرفوا ظاهرة الكتابة على الحجر أو غير الحجر كالشعوب القديمة في مصر الفرعونية أو بلاد الرافدين. ومع ذلك، فهناك بعض الآثار الأركيولوجية المتبقية، ومنها أجزاء من أقدم مصحف أثبت العلماء السويسريون باستعمال الكاربون المشع أن تاريخه يعود إلى أقل من عشرين سنة بعد وفاة النبي محمد. وهذا المصحف موجود ومعروض في مكتبة برلين الحكومية، وهناك تحقيق مصور عنه على موقع إذاعة ألمانيا "دوتشه فيله" على شبكة الانترنيت.

5-يقول محمد آل عيسى في كتابه: (ليس هذا البحث هو الأول من نوعه. هناك الكثير من مثله كتب بالعربية وبلغات أخرى. وهي أبحاث شكلت مصادر أساسية لهذا البحث)[5] وهنا أيضا لا نجد أي توثيق أو ذكر لعناوين هذه الأبحاث أو أسماء مؤلفيها الذين يذهبون مذهبه في تسفيه التاريخ الإسلامي وقلب الحقائق. وهذا ليس تأليفا منهجيا علميا بكل تأكيد، بل هو أقرب إلى الكتابة الصحافية البدائية والخواطر الانطباعية على الفيسبوك.

ويقول محمد آل عيسى إن (أقدم كتاب عن السيرة المحمدية كتب بعد مئتي سنة من وفاة محمد المفترضة. والتراث الشعبي يعني أن نتذكر فقط الأشياء التي نريدها. فالنصوص الإسلامية الأولى لا تذكر محمدا بالاسم)[6].

إنَّ الكاتب يؤكد هنا أنه جاهل تماما بموضوع التأرخة، وحتى بالفرق بين "التاريخ" و"التأريخ" وكتابة التاريخ لدى العرب المسلمين. لنقرأ ما كتبه الباحث التراثي العراقي الراحل هادي العلوي لنأخذ فكرة واضحة عن الموضوع (بدأ اهتمام العرب بالتأرخة مع الإسلام. وأول كتاب كتبوه هو السيرة النبوية وكذلك الحديث النبوي. وقد ظهر الرواة "الشفهيون" أول الأمر، وكان هؤلاء من الصحابة وتلاميذهم "التابعين"[7]، ثم ظهر المؤرخون في بوابات القرن الثاني الهجري -أي بعد أكثر من مائة عام بعقد أو عقدين، وليس بعد مائتي عام كما كتب آل عيسى. ع.ل- ليدونوا وينظموا ما سمعوه من الرواة. وأقدم المؤرخين هو أبو مخنف لوط بن يحيى المتوفى سنة 157هـ، وقد كتب عددا وفيرا من التواريخ المبكرة التي لم تصل إلينا شأن المبكرات من التصانيف، إلا أنها كانت مصادر أمٍّ للمؤرخين اللاحقين كالطبري واليعقوبي. ووجود هذه المدونات المبكرة، يضفي عنصر التوثيق إضافي على المصادر التي وصلت إلينا لأنها أخذت من تلك الينابيع الأولى)[8]. وهذا يعني أن هناك آثار ووثائق مكتوبة منذ بدايات القرن الثاني الهجري، أي بعد 120 عاما أو أكثر أو أقل بقليل على الهجرة. وهناك أجزاء من مصحف موجود اليوم في مكتبة برلين، أكد العلماء السويسريون بعد فحص الرق الجلدي الذي كتب عليه بواسطة الكاربون المشع، أنه كتب على الأرجح بعد حوالي ثمانية عشر عاما على وفاة النبي محمد. أما قول الكاتب (إن اسم محمد لم يكن يذكر) فهو مضحك حقا، فكيف، وعمَّن كتب ابن هشام السيرة النبوية نقلا عن السيرة التي كتبها محمد بن أسحاق المتوفى سنة 150 هـ[9]؟ هل كتبها عن شخص مجهول، وهو الذي أطلق على هذه السيرة الأولى "سيرة رسول الله" أم أن هناك رسول الله آخر غير النبي محمد بن عبد الله؟

نعم، هناك نقد وشكوك توجه إلى بعض محتويات سيرة ابن إسحق حتى من مؤرخين مسلمين كبار جاؤوا بعده كالطبري وابن هشام نفسه، الذي استند عليها استنادا كاملا. ولكنَّ تلك الشكوك تطاول بعض المرويات الشفاهية التي تعتمد على الذاكرة الجمعية المعرضة للخطأ والسهو والخلط والمبالغة، بعد أن مرَّ على الأحداث قرن وعشرون عاما في أدنى تقدير. ويطال التشكك والتحفظ حيادية ابن إسحاق في بعض النصوص التي كتبها والتي قد تكون غير منصفة لبني أمية، ومنحازة لبني العباس، لأنه ألَّفَ كتابه في عهد الخلفاء العباسيين، الذين كانوا على عداء مع الأمويين، ولكنها لا تطاول التشكيك بوجود النبي أو مدينة مكة والأحداث الكبرى في عهده وهو ونقاده والمتحفظين على كتابه الأقرب عهدا الى عصر النبي ، إذْ لا يفصلهم عنه سوى مائة وعشرين عاما، وهي الفترة الزمنية نفسها التي تفصلنا نحن مثلا عن أحداث بدايات القرن العشرين؛ فهل يحق لنا مثلا أن نشكك بوجود شخصيات تاريخية عاشت واشتهرت في بدايات هذا القرن، أو في القرن الذي سبقه، حتى لو كانت من وزن ديني أو سياسي أو عسكري أقل من النبي العربي محمد بمائة مرة؟

وعن فقدان الكتب الأصلية التي لم تصل إلينا، بل وصلتنا كتابات واقتباسات مطولة جدا منها، واعتبار ذلك نقصا او مثلبة في التأليف التاريخي عند العرب المسلمين أقول: ألا ينطبق على هذه الكتب ما ينطبق على الألواح السومرية أو البرديات الفرعونية، التي لا تتحدث مباشرة عن حدث معين أو ملك محدد بشكل مباشر، بل تنقل لنا شيئا بخصوصهما عن ألواح أخرى وبرديات أخرى؟ ألا تتمتع بالصدقية العلمية مثلها، وخصوصا انها كتبت بعدها مباشرة بقرن واحد وعدة عقود على بدء الدعوة الإسلامية في مكة، وانتقالها، من ثم، إلى يثرب؟ فكيف يمكن لهؤلاء العابثين بالتاريخ أن يصدقوا إذن بروايات وأقاويل كل من هبَّ ودبَّ من مستشرقين وأشباه مستشرقين؟ يتبع.

 

*كاتب عراقي

 

 

[1] - تاريخ الإسلام المبكر محمد آل عيسى   ص 6 -نسخة رقمية  بلا اسم لدار ناشر أو تاريخ إصدارأو سنة صدور.

 [2] - المصدر السابق ص 6.

 [3] - المصدر السابق ص 7.

 [4] - تاريخ الإسلام المبكر محمد آل عيسى ص 8 نسخة رقمية بلا تاريخ إصدار أو جهة مصدرة.

 [5] - تاريخ الإسلام المبكر   ص 9.م.س

 [6] - تاريخ الإسلام المبكر    ص 11. م.س

 [7] -الصحابي هو الذي عاصر النبي، والتابعي هو الذي ولد وعاش بعد عصر الصحابة مباشرة ولكنه لم يعاصر النبي.

 [8] -محطات في التاريخ والتراث هادي العلوي دار الطليعة الجديدة دمشق - ص 6

 [9] - من المفيد أن نتذكر أن محمد بن أسحاق المتوفى سنة 150 هـ، كتبها السيرة النبوية قبل عدة عقود من وفاته، وبعد استقراره في بغداد برعاية من أبي جعفر المنصور.